تمتلك سوريا فرصة للتحول إلى ممر إقليمي لنقل النفط والغاز وبديل لمضيق هرمز، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يسمح بربط العراق ودول الخليج بموانئ البحر المتوسط، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تنويع طرق تصدير الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المعرضة للاضطرابات.
وقال الدكتور ناصر حسن، الخبير الاقتصادي، إن سوريا يمكن أن تتحول إلى ممر إقليمي مهم لنقل النفط والطاقة، وأن تمثل بديلا جزئيا لمضيق هرمز، خاصة مع اتجاه الدول المنتجة إلى البحث عن أكثر من مسار لتصدير النفط والغاز وعدم الاعتماد على ممر بحري واحد.
سوريا بديل لمضيق هرمز بشكل جزئي
وأوضح حسن أن سوريا لا يمكن أن تحل محل مضيق هرمز بصورة كاملة، لكنها تستطيع أن تصبح أحد المسارات البديلة المهمة لنقل جزء من صادرات المنطقة إلى البحر المتوسط.
وكان مضيق هرمز ينقل في 2024 نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط والمنتجات البترولية، بما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، لكن الاضطرابات الإقليمية أدت إلى تراجع الكميات العابرة للمضيق إلى متوسط 4.9 مليون برميل يوميا خلال الربع الثاني من 2026، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
وأكد حسن أن التطورات الأخيرة تدفع الدول المنتجة إلى تسريع خطط تنويع منافذ التصدير، بما يقلل مخاطر توقف الإمدادات في حالة تعرض أحد الممرات الرئيسية لأزمة.
اقرأ أيضًا: نفط العراق تحت ضغط هرمز.. الصادرات والرواتب في خطر
العراق يفتح الطريق أمام الممر السوري
وأشار حسن إلى أن العراق يمثل أحد أهم الأطراف التي يمكن أن تستفيد من تحول سوريا إلى ممر للطاقة، في ظل حاجته إلى تنويع منافذ تصدير النفط وعدم الاعتماد بصورة رئيسية على موانئ الخليج.
وبدأ العراق بالفعل استخدام المسار السوري بصورة محدودة، إذ أعلن مسؤولون عراقيون وسوريون في يونيو 2026 الاستعداد لتصدير النفط الخام والنافثا عبر سوريا، بالتوازي مع نقل منتجات نفطية بالشاحنات إلى ميناء بنياس.
وكانت السلطات السورية تعمل على رفع قدرة بنياس لاستقبال ما يصل إلى نحو 900 شاحنة صهريج يوميا، فيما استهدف الجانب العراقي تصدير نحو 50 ألف برميل يوميًا من الخام عبر هذا المسار، بما يوفر لسوريا إيرادات من رسوم النقل والعبور.
وقال حسن إن الاستفادة السورية تبدأ قبل إنشاء خطوط الأنابيب الجديدة، من خلال رسوم عبور الشاحنات واستخدام الطرق والموانئ، لكنها تظل محدودة مقارنة بما يمكن تحقيقه حال إنشاء بنية تحتية قادرة على نقل كميات كبيرة من النفط عبر الأنابيب.
خط كركوك–بانياس يعود إلى الواجهة
وفيما يتعلق بخط كركوك–بانياس، أوضح حسن أن الخط القديم متوقف منذ عقود، وكانت طاقته في حدود 300 ألف برميل يوميًا، ولذلك فإن الرهان لا يقوم على إعادة تشغيله بصورته القديمة، وإنما على إنشاء بنية جديدة لأن الخط القديم لم يعد متوافقا مع المعايير الفنية الحالية.
ويرى حسن أن تنفيذ المشروع سيغير موقع سوريا على خريطة تجارة الطاقة، لأنه يمنح العراق منفذا مباشرا إلى البحر المتوسط ويوفر للأسواق الأوروبية مسارًا بريًا جديدًا لوصول النفط من المنطقة.
هل يمتد الممر إلى النفط الخليجي؟
وقال حسن إن التصور الأوسع لا يقتصر على النفط العراقي، وإنما يمكن أن يشمل مستقبلاً مشروعات تربط دول الخليج بالساحل السوري، مشيرًا إلى إمكانية دراسة مسارات تستفيد من تجربة خط "التابلاينة" التاريخي الذي نقل النفط السعودي باتجاه البحر المتوسط.
وبحسب تقديره، فإن امتداد خط من السعودية باتجاه بنياس بطول يقارب 1650 كيلومترًا يمكن أن يشكل خيارا إضافيا على المدى الطويل، خاصة أن المملكة تمتلك بالفعل تجربة واسعة في إنشاء خطوط طويلة مثل خط شرق–غرب الممتد من شرق السعودية إلى ينبع.
وأكد أن هذه الفكرة تظل في إطار الخيارات الاستراتيجية والتصورات المستقبلية، ولا تمثل حتى الآن مشروعًا تنفيذيًا معلنًا بالمواصفات التي يجري الحديث عنها.
قد يهمّك أيضًا: نفط العراق عبر سوريا.. هل يستمر الطريق بعد أزمة مضيق هرمز؟
الغاز القطري.. فرصة محتملة تحتاج إلى مشروع فعلي
وأشار حسن إلى أن الغاز القطري يمكن أن يمثل بدوره عنصرًا في خريطة الطاقة الجديدة إذا جرى مستقبلاً تنفيذ خط أنابيب يمر عبر سوريا، سواء باتجاه تركيا أو من خلال ذراع تصل إلى الساحل السوري.
ويرى أن الوصول إلى بنياس يمكن أن يمنح الغاز منفذا على البحر المتوسط، ويخلق مسارًا إضافيًا للتصدير إلى أوروبا، لكنه أكد أن تحويل هذا التصور إلى واقع يتطلب دراسات فنية وتمويلية واتفاقات بين الدول المعنية.
وأضاف أن تجهيز بنياس للتعامل مع الغاز وتصديره سيحتاج إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية، بما يشمل منشآت ومرافق متخصصة، ولا يمكن التعامل مع الفكرة باعتبارها مسارا جاهزا في الوقت الحالي.
الموانئ السورية عنصر حاسم
وأكد حسن أن نجاح سوريا في التحول إلى ممر إقليمي للطاقة لن يعتمد على خطوط الأنابيب وحدها، وإنما على قدرتها على تطوير موانئها وطرقها وشبكات النقل والمصافي.
وأشار إلى أن ميناء طرطوس يشهد بالفعل برنامج تطوير واسعًا تقوده موانئ دبي العالمية بموجب اتفاق امتياز لمدة 30 عامًا، باستثمارات إجمالية تبلغ 800 مليون دولار.
وبدأت الشركة في 2026 إدخال معدات ورافعات جديدة ضمن خطة تحديث الميناء، ومن المتوقع أن ترفع ثلاث رافعات موانئ متنقلة جديدة طاقة مناولة البضائع بنحو 40%.
كما وقعت شركة CMA CGM الفرنسية في يوليو 2026 شراكة جديدة مع سوريا في قطاع النقل والخدمات اللوجستية، بعد اتفاق سابق لتشغيل ميناءين جافين، إلى جانب تولي أعمال للشحن الجوي في مطار دمشق الدولي.
ويرى حسن أن استمرار تطوير الموانئ السورية يمكن أن يحول الساحل السوري إلى بوابة أكثر أهمية للتجارة الإقليمية، خاصة إذا تزامن ذلك مع إنشاء خطوط جديدة لنقل النفط والغاز.
السكك الحديدية تدعم الممر التجاري
وقال حسن إن دور سوريا المحتمل لا يقتصر على الطاقة، وإنما يمتد إلى شبكة النقل الإقليمي، مع وجود مشروع لربط السعودية بتركيا عبر الأردن وسوريا بالسكك الحديدية.
وتجري حاليا دراسة جدوى لهذا الربط، ومن المتوقع الانتهاء منها قبل نهاية 2026، وفق تصريحات وزير النقل السعودي صالح الجاسر.
ويستهدف المشروع دعم التكامل الإقليمي والتجارة وتطوير شبكة نقل بري تربط دول المنطقة، إلا أن موعد التنفيذ والتشغيل النهائي وسرعة القطارات لم تُحسم رسميًا حتى الآن.
وأشار حسن إلى أن المشروع يعيد إلى الأذهان مسار خط الحجاز التاريخي، ويعزز أهمية الموقع السوري باعتباره حلقة اتصال بين تركيا والأردن ودول الخليج.
ماذا تستفيد سوريا اقتصاديًا؟
وقال حسن إن المكاسب المحتملة لسوريا تتجاوز رسوم عبور النفط والغاز، لأن إنشاء خطوط الأنابيب وتحديث الموانئ والطرق والسكك الحديدية يحتاج إلى استثمارات ضخمة يمكن أن تحرك قطاعات واسعة من الاقتصاد.
وأوضح أن هذه المشروعات يمكن أن توفر فرص عمل في الإنشاءات والنقل والخدمات والصيانة واللوجستيات، إلى جانب جذب شركات دولية ورؤوس أموال إلى قطاعات أخرى مرتبطة بالطاقة والبنية التحتية.
وأضاف أن زيادة حركة الشاحنات والسفن والسلع عبر الأراضي والموانئ السورية توفر أيضًا إيرادات مباشرة من رسوم العبور والموانئ والخدمات، بما يمكن أن يدعم موارد الدولة ويحسن النشاط الاقتصادي.
ويرى حسن أن أهم مكسب استراتيجي يتمثل في إعادة توظيف الموقع الجغرافي لسوريا، بحيث تتحول من مجرد سوق لإعادة الإعمار إلى حلقة وصل بين اقتصادات العراق والخليج وتركيا وأوروبا.
اقرأ أيضًا: النفط بين 80 و126 دولارًا.. هرمز يرسم الاتجاه
الأمن والقانون يحددان نجاح المشروع
وأكد حسن أن الموقع الجغرافي وحده لا يكفي لتحويل سوريا إلى مركز إقليمي للطاقة، مشددا على أن نجاح هذه الرؤية يتوقف على تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي وتوفير الحماية للطرق وخطوط الأنابيب والموانئ والمنشآت.
وأشار إلى ضرورة معالجة المشكلات الداخلية التي يمكن أن تهدد طرق النقل والاستثمار، إلى جانب الوصول إلى تفاهمات أمنية مستقرة مع دول الجوار تقلل مخاطر تعرض مشروعات البنية التحتية لأي اضطرابات أو عمليات عسكرية.
وأضاف أن المستثمرين الدوليين يحتاجون كذلك إلى إطار قانوني واضح يضمن العقود وحقوق الملكية وحماية رؤوس الأموال، مؤكدًا أن المشروعات التي تتطلب مليارات الدولارات وتمتد لعقود لن تتحرك من دون بيئة مؤسسية مستقرة.
وشدد حسن على أن سوريا تقف أمام فرصة اقتصادية مهمة، لكن تحولها إلى ممر فعلي للطاقة سيحتاج إلى سنوات من الاستثمار والعمل في البنية التحتية، ولن يحدث بمجرد تحويل جزء من الشحنات إلى طرق برية مؤقتة.
وأكد أن السيناريو الأكثر واقعية ليس أن تصبح سوريا “بديلا كاملا” لمضيق هرمز، وإنما أن تتحول إلى أحد المسارات البديلة الرئيسية التي تسمح لدول المنطقة بتنويع طرق تصدير النفط والغاز والوصول مباشرة إلى البحر المتوسط، وهو ما قد يمنح الاقتصاد السوري موقعا جديدا في خريطة الطاقة والتجارة الإقليمية.
قد يهمّك أيضًا: هل ينخفض النفط إلى 40 دولاراً بعد حرب إيران؟
