لم تعد تداعيات الحرب الأمريكية على إيران محصورة في أطراف المواجهة المباشرة، بعدما امتدت آثارها إلى نفط العراق، الذي تعرض لضغوط حادة نتيجة اضطراب الملاحة وإغلاق مضيق هرمز، رغم أن بغداد ليست طرفًا مباشرًا في الحرب.
ووفقًا لدراسة أعدها "مركز دراسات الشهيد الخامس"، تنبع خطورة الأزمة من اعتماد العراق بصورة كبيرة على النفط، الذي شكّل خلال 2025 نحو 88% من إيرادات الحكومة و91% من صادرات السلع، إلى جانب اعتماد الجزء الأكبر من صادرات الخام على موانئ الجنوب المرتبطة بالخليج ومضيق هرمز.
وقبل اندلاع الأزمة، كان العراق يضخ نحو 3.6 ملايين برميل يومياً إلى الأسواق العالمية، تتدفق الكتلة الكبرى منها -والبالغة زهاء 3.4 ملايين برميل- عبر موانئ البصرة؛ لتشكل جزءاً رئيساً من شحنات الخام التي تعبر مضيق هرمز، والتي ناهزت 93 مليون برميل شهرياً.
لكن هذه التدفقات تهاوت بصورة حادة؛ فخلال شهر أبريل 2026، لم تتمكن بغداد من تصدير سوى 10 ملايين برميل تقريباً عبر المضيق، ليصل إجمالي الصادرات الشهري إلى نحو 9.88 ملايين برميل بعوائد لم تتجاوز 1.09 مليار دولار.
ولم تختلف الصورة كثيراً خلال شهري مايو ويونيو مجتمعين؛ إذ بلغت حصيلة الصادرات نحو 32.1 مليون برميل بإيرادات ناهزت 2.34 مليار دولار، وبمتوسط شهري قدره 1.17 مليار دولار فقط، وهو تراجع حاد مقارنة بالإيرادات التي سجلت نحو 6.5 مليارات دولار في يناير و6.8 مليارات دولار في فبراير.
انكماش صادرات النفط العراقي بسبب أزمة هرمز
وقال الدكتور سيد قاسم، الخبير الاقتصادي، إن صادرات النفط العراقية تراجعت بنحو 75% بعد تحسنها نسبيًا، فيما وصل الانخفاض في بعض الفترات إلى نحو 80%، ما انعكس مباشرة على الإيرادات النفطية والسيولة العامة.
وشهد شهر يوليو تحسنًا نسبيًا، إذ باعت شركة تسويق النفط العراقية "سومو" نحو 42 مليون برميل، منها 35.5 مليونًا عبر الموانئ الجنوبية ونحو 7 ملايين عبر ميناء جيهان، لكن رغم ذلك بقيت الكميات أقل بكثير من متوسط ما قبل الحرب الذي كان يقترب من 100 مليون برميل شهريًا.
وتزامن ذلك مع استمرار اضطرابات الملاحة في هرمز، حيث هبط عدد السفن السلعية العابرة للمضيق في بعض أيام أغسطس إلى أرقام أحادية، مقارنة بأكثر من 130 سفينة يوميًا قبل الحرب، ما يعني أن مرور بعض الشحنات لا يعكس عودة الممر التجاري إلى وضعه الطبيعي.
وأوضح قاسم أن المشكلة الأساسية لا تكمن في قدرة العراق على إنتاج النفط، وإنما في صعوبة نقله إلى الأسواق، خاصة أن البلاد تعتمد بدرجة كبيرة على المشترين في نقل الخام، وهو ما يرفع تكاليف التأمين والمخاطر ويضغط على سعر النفط العراقي.
الأزمة تهدد النمو والتصنيف الائتماني للعراق
وامتدت تداعيات الأزمة من قطاع النفط إلى الاقتصاد الكلي، ففي يونيو أبقت وكالة "ستاندرد آند بورز" التصنيف السيادي للعراق عند B-/B مع نظرة مستقبلية سلبية، وقدرت أن متوسط إنتاج النفط خلال 2026 قد يتراجع إلى نحو 2.9 مليون برميل يوميًا، بانخفاض يقارب 28% عن مستويات ما قبل الحرب.
كما توقعت انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 15% خلال العام، ما يعكس تحول الأزمة من نقص مؤقت في السيولة إلى خطر يطال النمو والاستثمار والائتمان وقدرة الدولة على تمويل نفسها.
اقرأ أيضًا: خطة لتطوير صادرات النفط العراقي وتفادي مضيق هرمز
خصومات تقترب من 30 دولارًا للبرميل
وتكشف الأزمة مفارقة واضحة؛ فارتفاع أسعار النفط عالميًا لا يعني بالضرورة زيادة إيرادات العراق، لأن تحقيق العائد يتوقف أولًا على القدرة على إخراج الخام وبيعه.
ورغم امتلاك العراق احتياطيات ضخمة وطاقة إنتاجية كبيرة، فإن محدودية منافذ التصدير البديلة تقلص قدرته على الاستفادة من ارتفاع الأسعار عندما تتعطل موانئ الجنوب.
كما بدأت المخاطر البحرية بالتهام جزء من قيمة الخام نفسه، إذ عرضت "سومو" خلال أغسطس خصومات تراوحت بين 25 و27 دولارًا للبرميل على خام البصرة المتوسط، وبين 27.8 و29.8 دولار على الخام الثقيل، بهدف جذب المشترين إلى موانئ تقع داخل منطقة مرتفعة المخاطر.
اقرأ المزيد: العراق يبيع النفط بخصم حتى 30 دولاراً لتجاوز أزمة مضيق هرمز
الرواتب تتجاوز الإيرادات النفطية الحالية
وتزداد حدة الأزمة عند مقارنة الإيرادات النفطية بالنفقات الحكومية الثابتة، فوفقا لبيانات صندوق النقد الدولي بلغت فاتورة الأجور والتقاعد نحو 78.7 تريليون دينار في 2024، وكان متوقعًا ارتفاعها إلى 85.6 تريليون دينار خلال 2026.
وبسعر صرف يقارب 1300 دينار للدولار، تعادل هذه النفقات نحو 65.8 مليار دولار سنويًا، أو قرابة 5.5 مليارات دولار شهريًا، ما يعني أن إيرادات نفطية شهرية عند مليار أو مليار ونصف المليار دولار لا تكفي حتى لتغطية الأجور والتقاعد وحدهما.
وفي هذا السياق، قال قاسم إنّ تراجع الإيرادات فرض ضغوطًا قوية على الموازنة التشغيلية، بالتزامن مع تضاؤل قدرة الدولة على الاقتراض من المصارف نتيجة استنفاد جانب كبير من الودائع في تمويل الموازنة خلال الأعوام السابقة.

الاحتياطي الأجنبي تحت ضغط مزدوج
بلغت احتياطيات البنك المركزي العراقي نحو 100.3 مليار دولار بنهاية 2024، وكانت تغطي أكثر من 11 شهرًا من الواردات، لكن استمرار تراجع تدفقات الدولار الناتجة عن النفط، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن والتأمين، يضع الاقتصاد أمام ضغط مزدوج يتمثل في انخفاض العملة الأجنبية الداخلة مقابل زيادة الحاجة إليها.
كما بلغت واردات السلع نحو 82.2 مليار دولار في 2024، بزيادة تقارب 20 مليار دولار عن العام السابق، ما يعني أن استمرار الأزمة قد ينقل الضغوط من المالية العامة إلى سوق الصرف والأسعار والقوة الشرائية.
واشنطن وهشاشة الاقتصاد العراقي
وفقًا للدراسة، تثير الأزمة تساؤلات بشأن المسؤولية الأمريكية عن الضرر الاقتصادي الواقع على العراق، لكن الصورة لا ترتبط بعامل واحد؛فاضطراب الملاحة نتج عن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، وقرار إيران إغلاق المضيق أو تقييد الحركة فيه، والهجمات على السفن، والحصار الأمريكي على الشحن والموانئ الإيرانية، إلى جانب عزوف شركات الملاحة والتأمين عن العمل في مناطق الخطر.
ومن ثم لا يمكن القول إن واشنطن استهدفت الاقتصاد العراقي بصورة مباشرة، لكن يصعب أيضًا اعتبار التداعيات غير قابلة للتوقع، خاصة مع اعتماد العراق على النفط في نحو تسعة أعشار إيرادات الدولة ومرور معظم صادراته عبر هرمز.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد العراقي.. موارد واعدة تضيع بين الهدر والاعتماد على النفط
بدائل التصدير موجودة لكنها لا تحل الأزمة سريعًا
وفي الوقت نفسه، كشفت الأزمة خللًا عراقيًا داخليًا يتمثل في استمرار الاعتماد على منفذ تصدير رئيس واحد، رغم امتلاك البلاد واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم.
بعد إغلاق هرمز، استخدم العراق خط كركوك ـ جيهان بطاقة تقارب 200 ألف برميل يوميًا، مع خطط لرفعها إلى نحو 500 ألف برميل، إلا أن هذه الطاقة لا تزال بعيدة عن حجم صادرات الجنوب السابقة.
وأشار قاسم إلى أن بغداد تبحث أيضًا استخدام مسارات عبر سوريا ولبنان وتركيا، إلى جانب خطط لمد خطوط باتجاه ميناء العقبة الأردني وميناء بانياس السوري، لكن معظم هذه البدائل تحتاج بين عامين وثلاثة أعوام على الأقل حتى تصبح قابلة للتشغيل الفعلي.
وتوجد كذلك خطط لإنشاء خط جديد إلى بانياس بطاقة محتملة تصل إلى نحو مليوني برميل يوميًا، غير أن المشروع قد يتطلب استثمارات لا تقل عن 15 مليار دولار ويحتاج إلى نحو أربع سنوات، وفق التقديرات الواردة في المادة، ما يجعله حلًا استراتيجيًا وليس مخرجًا عاجلًا.
جذب الاستثمارات وتعديل خطط التصدير الاستراتيجية
وقال قاسم إن الحكومة العراقية تستهدف جذب استثمارات بنحو 200 مليار دولار في قطاع الطاقة، يمكن أن تسهم في تطوير الحقول وزيادة مرونة منظومة التصدير.
وأوضح أن إنشاء خطوط أنابيب ومنافذ جديدة قد يساعد العراق على رفع قدرته التصديرية إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًا خلال السنوات الخمس المقبلة، وتحسين وضعه في أي مفاوضات مستقبلية داخل "أوبك" أو "أوبك+".
كما أشار إلى اهتمام شركات عالمية، بينها شركات أمريكية، بتطوير الحقول العراقية، إلى جانب تطوير حقول كركوك والشمال التي تتمتع بأهمية إضافية لقربها من مسارات التصدير عبر البحر المتوسط.
ويرى الخبير أن أزمة هرمز كشفت أن تأمين صادرات نفط العراق لم يعد مجرد ملف فني، وإنما قضية ترتبط مباشرة بالأمن الاقتصادي والقومي للعراق، فاستمرار الاعتماد على منفذ واحد يجعل الموازنة والإيرادات والسيولة عرضة لأي اضطراب جيوسياسي، بينما يمكن لشبكة تصدير متعددة الاتجاهات أن تمنح الاقتصاد العراقي مساحة أكبر للتعامل مع الأزمات.
اقرأ أيضًا: رفع إنتاج النفط العراقي إلى 10 ملايين برميل.. هل تنجح بغداد؟
