تواجه أسواق النفط سيناريوهين متعاكسين مع استمرار أزمة مضيق هرمز؛ إذ قد تتراجع الأسعار إلى نحو 80 دولارًا للبرميل إذا استقرت تدفقات الخام وعادت حركة الملاحة إلى مستويات مرتفعة، بينما قد يقفز خام برنت إلى ما بين 122 و126 دولارا حال استمرار إغلاق المضيق حتى يناير المقبل، وسط مخاوف من تراجع المخزونات واستمرار نقص الإمدادات العالمية.
وقال الدكتور سيد قاسم، الخبير الاقتصادي، إن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة وعدم تسجيلها تراجعات كبيرة خلال الأيام الماضية يثير تساؤلات بشأن دقة التصريحات الأمريكية حول عودة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب.
وأوضح قاسم أن هناك فارقًا يصل إلى نحو 3 ملايين برميل بين بعض الأرقام التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتلك التي وردت على لسان مسؤولين أمريكيين، معتبرًا أن هذا الفارق كبير ولا يمكن تجاهله في سوق شديدة الحساسية مثل سوق النفط العالمية.
وأشار إلى أن الحديث عن عودة نحو 90% من التدفقات إلى مستويات ما قبل الحرب يحتاج إلى مزيد من التدقيق، خاصة مع احتمال أن تكون بعض الأرقام المعلنة ناتجة عن تجميع كميات عبرت خلال عدة أيام، وليس عن تدفقات يومية مستقرة.
وأضاف أن الإعلان عن عبور نحو 18 مليون برميل يوميا عبر مضيق هرمز كان من المفترض، إذا تعاملت الأسواق معه باعتباره رقما مؤكدا ومستداما، أن يؤدي إلى تراجع أكثر وضوحًا في أسعار النفط.
ولفت إلى أن الأسواق شهدت خلال أسابيع سابقة تراجعات تراوحت بين 5 و9 دولارات خلال 24 ساعة، بينما لم تحدث استجابة مماثلة بعد إعلان الأرقام الجديدة، ما يثير الشكوك بشأن مدى دقتها أو استدامتها.
ورجح قاسم أن يكون أحد أهداف إعلان هذه الأرقام تهدئة السوق الأمريكية والأسواق العالمية وتقليل المخاوف المتعلقة بأمن إمدادات الطاقة وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
استمرار عبور 18 مليون برميل قد يخفض النفط إلى 80 دولارًا
وقال قاسم إن العامل الحاسم في اتجاه أسعار النفط يتمثل في مدى استمرار تدفقات الخام بصورة مستقرة، وليس مجرد الإعلان عن عودة كميات كبيرة لفترة محدودة.
وأوضح أنه إذا تأكد عبور نحو 18 مليون برميل يوميًا عبر مضيق هرمز واستمرت هذه المعدلات لفترة أطول، فقد تتراجع أسعار النفط إلى أقل من 85 دولارًا للبرميل، وربما تصل إلى نحو 80 دولارًا.
وأضاف أن بعض المؤشرات تدعم الحديث الأمريكي عن تحسن حركة النفط، إلا أن التباين الذي يصل إلى نحو 3 ملايين برميل بين الأرقام الصادرة من داخل الإدارة الأمريكية نفسها يفرض التعامل معها بحذر.
خطوط الأنابيب قد تقلص الاعتماد على مضيق هرمز
وحول التقديرات التي تشير إلى إمكانية نقل ما يتراوح بين 50% و70% من تدفقات الطاقة بعيدًا عن مضيق هرمز إلى خطوط الأنابيب خلال عامين، قال قاسم إن تحقق هذا السيناريو قد يمثل تحولا مهما في خريطة صادرات الطاقة بالمنطقة.
وأوضح أن السنوات المقبلة قد تشهد توسعا في إنشاء وتطوير شبكات خطوط الأنابيب التي تسمح بتصدير النفط والغاز دون الاعتماد الكامل على المضيق.
وأشار إلى خطط محتملة لتعزيز الربط النفطي بين العراق وسوريا وصولًا إلى البحر المتوسط، إلى جانب خط شرق-غرب إلى ميناء ينبع في السعودية بقدرة تصل إلى نحو 5 ملايين برميل، ومسارات الإمارات إلى ميناء الفجيرة، فضلًا عن خط سوميد.
وأكد أن الأزمة الحالية قد تدفع دول المنطقة إلى تسريع تنفيذ خطوط ومسارات بديلة خلال السنوات الثلاث المقبلة، بما يقلص قدرة إيران على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط سياسية واقتصادية.
وأضاف أن زيادة الاعتماد على مسارات بديلة تصل إلى موانئ البحر الأحمر والبحر المتوسط وخليج عُمان قد تمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أزمات مماثلة مستقبلًا.
الضغوط على صادرات إيران تزيد أزمتها الاقتصادية
وأشار قاسم إلى أن القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية سيكون لها تأثير كبير على الموارد المالية التي تعتمد عليها طهران، خاصة مع اعتماد الاقتصاد الإيراني على إيرادات الطاقة.
وأضاف أن إيران تمكنت خلال الفترة السابقة من جمع نحو 15 مليار دولار من عائدات مرتبطة بتصدير النفط، إلا أن استمرار التضييق على الصادرات يمكن أن يقلص هذه الموارد بصورة كبيرة.
وأكد أن تراجع الإيرادات النفطية سيزيد الضغوط على الاقتصاد الإيراني، وقد تمتد تداعياته إلى شرائح واسعة من المجتمع في ظل ارتفاع الأعباء الاقتصادية وتراجع الموارد المالية.
اقرأ أيضًا: الخليج يقلص قبضة مضيق هرمز على أسواق الطاقة
إغلاق هرمز حتى يناير قد يدفع برنت إلى 126 دولارًا
ومن جانبه، قال ياسين أحمد، خبير أسواق النفط، إن مسار الأسعار خلال الأشهر المقبلة سيظل مرتبطًا بصورة أساسية بتطورات الملاحة في مضيق هرمز.
وأشار إلى تقديرات "بلومبرج" التي تضع متوسط سعر خام برنت عند نحو 91 دولارًا للبرميل خلال العام الجاري، وفق السيناريو الأساسي الذي يفترض إعادة فتح المضيق في نوفمبر المقبل.
وأوضح أن استمرار الإغلاق حتى يناير قد يدفع أسعار خام برنت إلى نطاق يتراوح بين 122 و126 دولارًا للبرميل خلال فصل الشتاء، نتيجة استمرار تعطل الملاحة وتراجع المخزونات وبطء تعافي الإمدادات.
أسواق النفط تأقلمت جزئيًا مع الأزمة
ويرى أحمد أن أسواق النفط بدأت تتأقلم بدرجة أو بأخرى مع الأوضاع الحالية، رغم استمرار التقلبات، إذ تمكنت السوق من إيجاد جزء من الإمدادات من مناطق أخرى خارج الشرق الأوسط.
وأشار إلى وجود آليات نقل سمحت بمرور بعض البراميل من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز ومسارات مرتبطة بالبحر الأحمر.
وأضاف أن الأسعار تتحرك وفق تطورات الحرب والمفاوضات، بالتوازي مع أساسيات العرض والطلب، مرجحًا بقاءها بالقرب من مستوياتها الحالية إذا استمرت الأوضاع نفسها حتى نوفمبر المقبل.
وقال إن أسواق النفط بدأت في الوقت نفسه تسعير احتمالات استمرار التوتر الجيوسياسي لفترة أطول، خاصة أن المسار الدبلوماسي لا يزال صعبًا، ما يعني احتمال امتداد الأزمة إلى ما بعد نوفمبر.
موعد إعادة فتح المضيق يظل فرضية
وأوضح أحمد أن نماذج العرض والطلب تحتاج إلى فرضيات عملية لبناء التوقعات المستقبلية، ومن بينها إعادة فتح المضيق في نوفمبر أو خلال الربع الأول من العام المقبل.
وأكد أن هذه التوقيتات تظل مجرد فرضيات وليست مواعيد مؤكدة، في ظل عدم وجود مؤشرات واضحة حتى الآن على نهاية وشيكة للأزمة.
وأضاف أن الأسواق تستفيد في الوقت الحالي من عدد من الأدوات التي تساعدها على إعادة التوازن، من بينها حركة الصادرات والواردات الصينية وتراجع الطلب في آسيا منذ بداية الأزمة.
المخزونات والبدائل تحد من القفزات
وأشار أحمد إلى أن الإمدادات البديلة وإعادة توجيه بعض التدفقات والسحب من المخزونات ساهمت حتى الآن في منع تكرار القفزات السعرية الكبيرة التي شهدتها السوق في بداية الحرب.
وأوضح أن نحو خمس أو ست ناقلات تمر يوميًا عبر المضيق خلال بعض الفترات الأخيرة، بينما لا تزال نحو 6 ملايين برميل يوميًا مفقودة من الإمدادات العالمية.
وأكد أن الاعتماد على المخزونات لا يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى، إذ قد تصل إلى مستويات حرجة إذا طال أمد الأزمة، لافتًا إلى أن السوق ستبدأ في تسعير هذا الخطر قبل الوصول فعليًا إلى تلك المرحلة.
وقال أحمد إن أسواق النفط أفرطت نسبيًا في التفاؤل في بداية النزاع، قبل أن ترتفع الإمدادات إلى مستويات كبيرة خلال شهري مايو ويونيو، ما منح السوق قدرًا من المرونة في مواجهة الصدمة الحالية.
وأضاف أن الاقتراب من الحدود الحرجة للمخزونات سيزيد الضغوط على الولايات المتحدة وإيران والصين وغيرها من الأطراف المنتجة والمستهلكة للبحث عن تسوية.
اتفاق مالي قد يسمح بمرور ناقلات النفط
وأشار أحمد إلى أن أحد الحلول المحتملة قد يتمثل في التوصل إلى نوع من الاتفاق المالي يسمح بمرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.
ورجح إمكانية إعادة فتح المضيق خلال الربع الأول من العام المقبل، موضحًا أن استمرار الأزمة حتى ذلك الوقت قد يدفع أسواق النفط إلى أوضاع أكثر صعوبة مع تراجع المخزونات واستمرار نقص الإمدادات.
وأكد أن هذه الضغوط يمكن أن تدفع أسعار النفط إلى مزيد من الارتفاع قبل الوصول إلى تسوية، وتجعل الحاجة إلى استعادة حركة الملاحة الطبيعية عبر المضيق أكثر إلحاحا.
وشدد أحمد على أن العامل الحاسم في مسار الأسعار سيكون المدة التي تستطيع خلالها السوق الاعتماد على المخزونات والإمدادات البديلة وتراجع الطلب لتعويض البراميل المفقودة، قبل أن تصل هذه الأدوات إلى حدودها القصوى.
قد يهمّك أيضًا: بعد رفض رسوم إيران.. هل أحكمت أمريكا قبضتها على مضيق هرمز؟
