أعادت التوترات المتجددة في مضيق هرمز ملف أمن الملاحة والطاقة إلى صدارة المشهد الاقتصادي، بعدما دفعت المناوشات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وحالة عدم اليقين بشأن حركة الناقلات دول الخليج إلى تسريع البحث عن بدائل آمنة لحماية صادرات النفط والتجارة الإقليمية.
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، أن التصعيد العسكري والبحري في منطقة مضيق هرمز أعاد طرح سؤال بالغ الأهمية حول مدى قدرة دول الخليج على حماية تدفقات الطاقة والتجارة العالمية من التهديدات المتكررة، موضحًا أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من إدارة المخاطر، بعدما لم يعد الاعتماد الكامل على المضيق خيارًا آمنًا في ظل التوترات المتلاحقة بين إيران والولايات المتحدة.
وقال سلامة إن إعلان الحرس الثوري الإيراني استهداف مواقع تمركز للجيش الأمريكي في المنطقة، ردًا على هجوم أمريكي سابق استهدف السواحل الإيرانية، يعكس حجم الهشاشة الأمنية في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، خاصة أن طهران اعتبرت أن واشنطن انتهكت التزاماتها بشن هجوم جوي على السواحل الإيرانية، تحت مبررات من بينها عبور سفينة مخالفة لمسار غير مصرح به في مضيق هرمز.
وأوضح أن الموقف ازداد تعقيدًا بعدما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ غارات على أهداف إيرانية، ردًا على هجوم استهدف سفينة تجارية في مضيق هرمز، مشيرًا إلى أن الجيش الأمريكي تحدث عن ضرب مواقع تخزين صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية، إضافة إلى رادار ساحلي، في رسالة واضحة مفادها أن واشنطن تربط أمن الملاحة في المضيق مباشرة بأمن التجارة والطاقة العالمية.
هل عادت الحرب على إيران؟
وقال الخبير الاقتصادي إن الضربات الأمريكية، التي استهدفت مواقع عسكرية إيرانية في منطقة سيريك، لا تعني بالضرورة العودة الشاملة إلى العمليات القتالية، لكنها تؤكد أن أي اضطراب في المضيق قد يستدعي ردودًا عسكرية سريعة ومحدودة، لافتًا إلى أن مسؤولًا أمريكيًا أشار إلى أن الضربات نُفذت باستخدام ست مقاتلات من طرازي F-35 وF-16، واستهدفت أربعة مواقع مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة، واستمرت نحو 90 دقيقة.
وأشار سلامة إلى أن تصريحات نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، بشأن التزام الولايات المتحدة باتفاق وقف إطلاق النار ومذكرة التفاهم مع إيران، مع تحذيره طهران من أن العنف سيقابل بالمثل، تعكس محاولة أمريكية للجمع بين الردع العسكري والحفاظ على مسار التهدئة، موضحًا أن واشنطن تريد إيصال رسالة مزدوجة: لا رغبة في حرب مفتوحة، لكن لا قبول بتهديد حرية الملاحة.
أهمية القناة 16
ولفت سلامة إلى أن التوترات الملاحية المتزايدة أعادت إلى الواجهة مصطلح «القناة 16»، الذي ورد في بيان بحرية الحرس الثوري الإيراني، مؤكدًا أن هذا المصطلح لا يشير إلى ممر بحري جديد أو قناة اتصال خاصة، بل إلى قناة راديو بحرية دولية معروفة تستخدمها السفن في النداءات وحالات الاستغاثة والسلامة، وتعمل على تردد 156.8 ميجاهرتز ضمن نظام الاتصالات البحرية.
وأوضح أن أهمية القناة 16 تكمن في أنها قناة مراقبة مشتركة عالميًا في الملاحة البحرية، ولا تُستخدم للمحادثات الطويلة أو التنسيق التفصيلي، حتى تظل متاحة للرسائل العاجلة ونداءات الطوارئ، مشيرًا إلى أن ذكرها في سياق أزمة مضيق هرمز جاء مرتبطًا بخطة ملاحية مؤقتة أطلقتها المنظمة البحرية الدولية لتنظيم حركة السفن العالقة.
اقرأ أيضًا: ماذا لو لم يُفتح مضيق هرمز بالكامل مجددًا؟
خطط المنظمة البحرية الدولية لإجلاء البحارة
وقال الدكتور عمرو سلامة إن تدخل المنظمة البحرية الدولية يعكس حجم الارتباك الذي أصاب حركة الملاحة في المنطقة، حيث أعلنت المنظمة إجلاء نحو 2500 بحار تقطعت بهم السبل عقب تعليق عملياتها في مضيق هرمز، موضحًا أن المهمة شملت ما لا يقل عن 115 سفينة قبل أن يتم تعليقها مؤقتا بعد هجوم استهدف سفينة في خليج عمان كانت تعبر المضيق.
وأضاف أن المناقشات التي تجريها المنظمة مع إيران وسلطنة عمان والولايات المتحدة للحصول على ضمانات متجددة قبل استئناف عمليات إجلاء البحارة، تؤكد أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف عسكري أو سياسي، بل تحولت إلى أزمة تشغيلية وإنسانية وتجارية تمس السفن والبحارة وشركات النقل والتأمين وأسواق الطاقة في وقت واحد.
وأشار سلامة إلى أن الملف النووي الإيراني لا يزال حاضرًا بقوة في خلفية الأزمة، خاصة مع تصريحات المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، بشأن ضرورة اعتماد نظام تحقق معمق للغاية في إيران بعد انتهاء الحرب في الشرق الأوسط، لضمان عدم تطوير طهران أسلحة نووية، موضحًا أن الأسواق لا تفصل بين أمن الملاحة والملف النووي، لأن كليهما يؤثر في تقييم المخاطر الجيوسياسية.
اقرأ أيضًا: مضيق هرمز بعد الاتفاق.. لماذا يستغرق تعافي النفط وقتاً؟
كيف تتفاعل أسعار النفط مع أزمة هرمز؟
وأكد سلامة أن الثقة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تضررت بشدة، حتى مع وجود محاولات للتهدئة، موضحًا أن الوضع الحالي يمكن وصفه بأنه شبه مستقر، وليس مستقرًا بالكامل، لأن عودة حركة الناقلات إلى طبيعتها تحتاج إلى وقت، خاصة أن مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة لا تزال هشة على أرض الواقع.
وقال إن الاقتصاد العالمي كان بالكاد يتعافى من صدمة هرمز خلال الحرب، قبل أن تعود المناوشات وتضغط مجددًا على حركة الملاحة والأسعار، مشيرًا إلى أن متوسط مرور الناقلات المعروف بنحو 20 مليون برميل يوميًا لم يعد قائمًا بنفس الصورة، وأن التدفقات ارتفعت في أفضل حالاتها إلى نحو 9 ملايين برميل، قبل أن تعاود التراجع بعد المناوشات الأخيرة.
وأوضح سلامة أن أسعار النفط ستظل مرشحة للتذبذب بين الصعود والهبوط طالما بقيت حالة عدم اليقين قائمة حول المضيق، متوقعًا أن يتحرك متوسط الأسعار بين 65 و75 دولارًا للبرميل، بحسب مستوى الالتزام بالتهدئة، وحجم تدفقات النفط، وقدرة الممرات الآمنة على استيعاب حركة الناقلات.
وأضاف أن التعافي الاقتصادي الكامل من تداعيات أزمة هرمز قد يحتاج إلى فترة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، إذا استقرت الأوضاع والتزمت الأطراف كافة بالتهدئة وتنفيذ بنود التفاهم، موضحًا أن التجربة أظهرت أن التعافي قد يكون سريعًا إذا تم احترام الهدنة، لكن استمرار الشكوك يجعل التوقعات مفتوحة على أكثر من احتمال.
أبعاد الدور العماني والتنسيق الإقليمي في الأزمة
وشدد الخبير الاقتصادي على أن سلطنة عمان تلعب دورًا محوريًا في الأزمة الحالية، من خلال فتح ممر آمن وإعادة تنظيم تدفق الملاحة، مؤكدًا أن هذا الدور يأتي ضمن التزامات مرتبطة بمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تستهدف أن يكون الممر آمنًا وحرًا خلال فترة زمنية محددة.
وأوضح أن الدور العماني لا يتم بمعزل عن دول الخليج، بل في إطار تنسيق مستمر مع الأشقاء الخليجيين، مشيرًا إلى أن تحركات سلطنة عمان، وزيارات مسؤولين خليجيين إليها، تعكس محاولة لبناء موقف إقليمي منظم يحمي مصالح دول الخليج، ويحافظ في الوقت نفسه على قنوات التواصل مع إيران والولايات المتحدة والمنظمات البحرية الدولية.
وقال سلامة إن على إيران أن تتعامل بمسؤولية مع هذه الترتيبات، وأن تنفذ التزاماتها في إطار مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، بدلًا من تفسير البنود وفق مصالحها الضيقة، لأن أي استهداف جديد للسفن أو تعطيل للممرات الآمنة سيؤدي إلى خسائر اقتصادية واسعة لن تقتصر على طرف واحد.
اقرأ أيضًا: كيف عززت أزمة هرمز صعود النقل البري في الخليج؟
خيارات دول الخليج لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز
وفيما يتعلق بتجاوز دول الخليج للتهديدات البحرية، أوضح الدكتور عمرو سلامة أن الأزمة أثبتت أهمية البحث عن بدائل عملية تقلل الاعتماد الكامل على مضيق هرمز، خاصة أن بعض اقتصادات المنطقة، وفي مقدمتها الاقتصاد السعودي، نجحت في تخفيف آثار الأزمة عبر تفعيل حركة إعادة التصدير البرية، واستخدام مسارات بديلة لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة.
وأضاف أن المرحلة المقبلة قد تشهد اهتمامًا أكبر من دول الخليج بتطوير آليات بديلة، سواء من خلال مسارات برية، أو موانئ خارج نطاق التهديد المباشر، أو خطوط أنابيب جديدة، مؤكدًا أن الخيار المثالي لدول الخليج هو تعزيز التعاون فيما بينها لإيجاد طرق بديلة أكثر أمانًا واستدامة.
وأشار إلى أن من بين المقترحات المطروحة منذ سنوات إنشاء خطوط أنابيب مباشرة من المملكة العربية السعودية إلى سلطنة عمان، خاصة باتجاه ميناء الدقم، الذي يتمتع بموقع بعيد نسبيًا عن منطقة المضيق، موضحًا أن هذا النموذج يمكن أن يتكرر مع الكويت وقطر، بحيث تستفيد دول الخليج من بدائل تقلل الاعتماد الكلي على مضيق هرمز.
وأكد سلامة أن السعودية تمتلك بالفعل مخارج بديلة، لكنها تبقى مكلفة، خاصة أن جزءًا كبيرًا من زبائن النفط الخليجي موجودون في الأسواق الآسيوية، وأن مضيق هرمز يظل الأقرب جغرافيًا لهذه الأسواق المستهدفة، وهو ما يجعل التحول الكامل إلى بدائل أخرى عملية معقدة ومكلفة، لكنها أصبحت ضرورية من منظور الأمن الاقتصادي.
وأضاف أن الأمر نفسه ينطبق على الإمارات وبقية دول الخليج، إذ إن امتلاك بدائل لوجستية وموانئ وخطوط أنابيب خارج نطاق الخطر لم يعد رفاهية استراتيجية، بل ضرورة فرضتها الأزمات المتكررة في المضيق، حتى وإن تطلبت استثمارات ضخمة وتكاليف تشغيل مرتفعة.
واختتم الدكتور عمرو سلامة تصريحاته بالتأكيد على أن أزمة مضيق هرمز كشفت أن أمن الطاقة لم يعد مرتبطًا فقط بحجم الإنتاج، بل بقدرة الدول على ضمان مرونة التصدير وتعدد المسارات. وقال إن البدائل الخليجية، سواء عبر الممر الآمن العماني، أو إعادة التصدير البري، أو خطوط الأنابيب المستقبلية، تمثل رسالة واضحة بأن دول الخليج بدأت تتحرك من منطق رد الفعل إلى منطق التحوط الاستراتيجي، وهو ما قد يفاجئ إيران ويحد من قدرتها على استخدام المضيق كورقة ضغط اقتصادية وسياسية في المستقبل.
اقرأ أيضًا: ماذا بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني وهدوء الخليج؟
