دفعت أزمة مضيق هرمز العراق إلى نقل زيت الوقود عبر سوريا، والآن يجري الإعداد لتنفيذ خط أنابيب بتكلفة تقديرية تبلغ نحو 5.7 مليار دولار، يوفر للعراق منفذاً إضافياً للتصدير، وقد يمنح سوريا أيضاً في نفس الوقت دخلاً يساعدها على إعادة الإعمار.
تغادر شاحنات محملة بزيت الوقود مصافي جنوب العراق متجهة إلى ميناء بانياس السوري، وهناك تُحمّل هذه الشحنات على سفن في البحر المتوسط، لتكمل رحلتها من دون المرور بمضيق هرمز.
بدأ استخدام هذا الطريق في أبريل 2026، بعدما دفعت الحرب مع إيران واضطرابات الملاحة المصدرين العراقيين إلى البحث عن منفذ آخر، وأتاح ذلك لسوريا زيادة العمل في مجالات النقل والتخزين وخدمات الموانئ، بعد سنوات أضعفت اقتصادها، وألحقت أضراراً واسعة بطرقها ومنشآتها.
وتسعى دمشق إلى توسيع هذا النشاط عبر خط أنابيب ينقل النفط العراقي إلى ساحلها، ولكن استمرار عمل هذا الطريق بعد انتهاء الأزمة الإيرانية، سيتوقف على قدرته على منافسة الشحن البحري في التكلفة والأمان وسرعة التسليم.
مكاسب سوريا من نقل الوقود
قال مسؤول في الشركة السورية للبترول لصحيفة "واشنطن بوست" إن نحو خمسة آلاف شاحنة تصل يومياً من العراق، وتنقل هذه الشاحنات زيت الوقود المنتج في المصافي العراقية، فيما سيخصص خط الأنابيب المقترح لنقل النفط الخام.
وتوفر حركة الشاحنات عملاً للسائقين وورش الصيانة وشركات النقل، كما تحتاج هذه الشحنات إلى التخزين والتفريغ والتحميل في الميناء، وهي خدمات تستطيع الشركات السورية تحقيق دخل منها، حتى مع ضعف إنتاج البلاد من النفط.
وتزداد أهمية هذه الإيرادات في ظل ضعف قطاع النفط السوري نفسه، فحقل العمر، أحد أبرز الحقول السورية، لا ينتج حالياً سوى نحو عُشر ذروة إنتاجه قبل الحرب بحسب مسؤول نفطي سوري، بعد سنوات من الأضرار وسوء الإدارة ونقص الاستثمار، وكان النفط يوفر قبل الحرب نحو 30% من إيرادات سوريا، ما يجعل استعادة جزء من دور البلاد في تجارة الطاقة مصدراً محتملاً للعملة الصعبة حتى إذا لم يعد إنتاجها المحلي إلى مستوياته السابقة.
وقد يتيح إنشاء خط الأنابيب إيرادات إضافية من رسوم العبور وتشغيل المنشآت، ولكن حجم ما ستحصل عليه سوريا سيتحدد وفق الاتفاقات التجارية، وكميات النفط التي ستمر عبر الخط.
وساعد إنهاء العقوبات الاقتصادية الأميركية الشاملة على سوريا، في فتح المجال أمام التعاملات والاستثمارات الجديدة، ولا تزال هناك عقوبات تستهدف أشخاصاً وجهات محددة، بحسب وزارة الخزانة الأميركية.

مشروع لنقل مليوني برميل يومياً
وقّع الجانبان السوري والعراقي في شهر يوليو 2026 اتفاقات أولية لإحياء الربط النفطي بين البلدين، بمشاركة "شيفرون" و"يو سي سي" القطرية و«"تي آي كابيتال".
وتشمل الاتفاقات إعداد الدراسات الفنية والمالية وتأهيل خط "حديثة - بانياس"، ويستهدف المشروع نقل نحو مليوني برميل من الخام يومياً عند اكتماله، وفق تفاصيل المشروع التي نشرتها وكالة سانا.
وعرضت "واشنطن بوست" خطة لربط البصرة بميناء بانياس عبر مسار يصل طوله تقريبا إلى نحو 1600 كيلومتر، بتكلفة تقديرية تبلغ نحو 5.7 مليار دولار، وقد يستغرق البناء عامين ونصف العام على الأقل.
لكن التوقيع على الاتفاقات الأولية لا يعني بدء عمليات البناء، فبحسب بيان الائتلاف، لا يزال تحديد المسار النهائي للمشروع والتمويل وموعد التنفيذ، مرتبطاً بالدراسات والمفاوضات والموافقات الحكومية.
اقرأ أيضاً: رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. الآثار الاقتصادية
الطرق والأمن يرفعان كلفة النقل
تكشف رحلات الشاحنات الحالية جانباً من الصعوبات التي تواجه تنفيذ هذا المسار، فأحد السائقين العراقيين قال لـ"واشنطن بوست" إنه يتقاضى نحو 1800 دولار عن رحلة ذهاب وعودة بين البصرة وبانياس تستغرق عشرة أيام، ويشكو من تهالك الطريق والحفر التي تتلف الإطارات، وأيضا ارتفاع معدلات الحوادث.
ومع زيادة عدد الشحنات، ستحتاج هذه الطرق إلى عمليات إصلاح شاملة وسريعة، كما سيحتاج الميناء إلى رفع قدرة التفريغ والتخزين لاستقبال عدد أكبر من الشاحنات العراقية، لأن كل تأخير أو عطل، يضيف نفقات أكثر إلى الرحلة، ويجعل الطريق أقل جاذبية للمصدرين.
وتواجه الشاحنات أيضاً مخاطر أمنية، فقد تحدث مسؤول نفطي سوري عن هجمات متفرقة على بعضها، فيما لا تزال خلايا لتنظيم الدولة الإسلامية وجماعات مسلحة تنشط في المنطقة.
وسيحتاج المستثمرون - قبل تمويل خط الأنابيب - إلى معرفة من سيحميه وكيف سيستمر تشغيله، فحراسة الخط ومحطات الضخ وإصلاح أي أضرار، ستضيف نفقات إلى كلفة نقل النفط بين العراق وسوريا.
كذلك تحتاج الشركات إلى شحنات منتظمة لسنوات، حتى تسترد أموالها وتحقق أرباحاً، ولهذا فهي حريصة على أن يكون الطلب على استخدام هذا الطريق مستمر حتى بعد انتهاء الحرب، وليس حجم الشحنات خلال الأزمة وحدها.
وتناقش الشركات، بحسب مسؤول في المؤسسة السورية للبترول، استخدام الطائرات المسيّرة وتقنيات المراقبة المتقدمة لحماية المنشآت، إضافة إلى دعم أمني أميركي، وهذا يعني أن تكلفة المشروع لن تتوقف عند إنشاء الأنابيب ومحطات الضخ، بل ستشمل أيضاً الحماية والتأمين والصيانة وإصلاح أي أضرار محتملة.
اقرأ أيضاً: السعودية وسوريا توقّعان عقودًا استثمارية بمليارات الريالات
هل يغني الطريق السوري عن مضيق هرمز؟
يستطيع الطريق السوري خدمة جزء من الصادرات العراقية، لكنه أصغر من أن يعوض حركة النفط عبر المضيق، ففي عام 2024، مر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، وتعادل طاقة الخط العراقي السوري المقترح نحو عُشر هذا الحجم، إذا اكتمل وعمل بكامل قدرته.
كما أن خط النفط لا ينقل الغاز الطبيعي المسال، ولا يوفر منفذاً لجميع دول الخليج، فربط دول أخرى بالساحل السوري يحتاج إلى خطوط ومنشآت واتفاقات جديدة.
وقد تتغير خيارات المصدرين عندما تعود الملاحة في مضيق هرمز إلى طبيعتها، فإذا أصبح النقل البحري أقل كلفة وأكثر انتظاماً، فمن المرجح أن تعود إليه شحنات تستخدم الطريق البري حالياً.
ومع ذلك، قد يرغب العراق في الاحتفاظ بالمنفذ السوري حتى لا يعتمد على طريق واحد، وستكون فرصة سوريا أكبر، إذا استطاعت تقديم خدمة آمنة ومنتظمة بسعر ينافس البدائل البحرية، حتى بعد انتهاء أزمة مضيق هرمز.
