لم تكن الانتخابات الأميركية التي جرت في 3 نوفمبر 2026 مجرد منافسة دورية على مقاعد الكونغرس وحكام الولايات، بل تحولت إلى اختبار سياسي لولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، وفرصة للناخبين للتعبير عن موقفهم من أداء إدارته، خصوصًا في ملفات الاقتصاد وتكاليف المعيشة والحرب مع إيران والهجرة.
وتكمن أهمية هذه الانتخابات في أنها تحدد الجهة التي ستمتلك النفوذ التشريعي والرقابي في واشنطن خلال العامين الأخيرين من ولاية ترامب. فالجمهوريون يسعون إلى الاحتفاظ بأغلبيتهم في مجلسي النواب والشيوخ، بينما يحاول الديمقراطيون استعادة السيطرة على أحد المجلسين أو كليهما، بما يمنحهم قدرة أكبر على مواجهة أجندة الرئيس والتأثير في التشريعات والإنفاق الحكومي.
وشملت المنافسة جميع المقاعد الـ435 في مجلس النواب، و35 مقعدًا في مجلس الشيوخ، إلى جانب انتخابات حكام الولايات في 36 ولاية. كما شهدت ولايات عديدة انتخابات تشريعية ومحلية، ما يجعل نتائج الاقتراع مؤثرة في مستويات متعددة من الحكم الأميركي.
اختبار إدارة ترامب
دخل ترامب الانتخابات بوصفه أحد أبرز محاور الحملة، رغم أن اسمه لم يكن مطروحًا على بطاقات التصويت. فقد ربط الجمهوريون حملاتهم بإنجازات الإدارة، وفي مقدمتها التخفيضات الضريبية، وتشديد سياسات الهجرة، بينما ركز الديمقراطيون على ارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات الحرب مع إيران، متعهدين باستخدام أي أغلبية جديدة لممارسة رقابة أكبر على الإدارة.
وبحسب استطلاع أجرته «رويترز/إبسوس» ونشر في 20 أكتوبر 2026، تراجعت نسبة تأييد ترامب إلى 31%، وهو مستوى وصفته الوكالة بأنه الأدنى في ولايته الثانية حتى ذلك التاريخ. وأصبح تقييم الناخبين لأداء الرئيس عاملًا حاضرًا في عدد من السباقات التنافسية، خصوصًا أن ترامب نفسه دعا أنصاره إلى التعامل مع الانتخابات باعتبارها تصويتًا على أجندته السياسية.
لكن نتائج الانتخابات لا تقيس شعبية الرئيس وحدها؛ فالناخبون يصوتون لمرشحين محليين لديهم برامج ومواقف مختلفة، كما تتأثر المنافسة بخصوصية كل ولاية ودائرة انتخابية. ومع ذلك، فإن ارتباط الحملات باسم ترامب جعل نتائج الجمهوريين اختبارًا سياسيًا لأداء البيت الأبيض، حتى من دون وجود الرئيس على ورقة الاقتراع.
الاقتصاد في صدارة الانتخابات الأميركية
كان الاقتصاد القضية الأكثر حضورًا في حسابات الناخبين، مع استمرار القلق بشأن تكاليف السكن والغذاء والرعاية الصحية والطاقة. وأظهر استطلاع لمركز «Pew Research Center»، أُجري بين 28 سبتمبر و4 أكتوبر 2026، أن 84% من الناخبين المسجلين يعتبرون الاقتصاد مهمًا جدًا عند تحديد تصويتهم في انتخابات الكونغرس.
اقرأ أيضا: أقوى أسلحة أميركا؟ ليس الجيش ولا F-35.. بل الدولار
وجاءت الديمقراطية ومستقبل النظام السياسي في المرتبة التالية ضمن القضايا التي شملها الاستطلاع، إذ اعتبرها 73% مهمة جدًا، تلتها الرعاية الصحية بنسبة 68%، ثم الهجرة بنسبة 59% والسياسة الخارجية بنسبة 57%، فيما بلغت نسبة من اعتبروا سياسة الطاقة مهمة جدًا 54%.
وتعكس هذه الأرقام اتساع مفهوم الاقتصاد في الحملة الانتخابية؛ فلم يعد النقاش محصورًا في معدلات النمو أو أداء الأسواق المالية، بل امتد إلى قدرة الأسر على تحمل الفواتير الشهرية، وأسعار الوقود والغذاء، وتكاليف التأمين والعلاج والسكن.
وتواجه إدارة ترامب تحديًا في إقناع الناخبين بأن سياساتها الاقتصادية انعكست على حياتهم اليومية، في وقت يركز فيه الديمقراطيون على أن تخفيض الضرائب لا يكفي إذا ظلت تكاليف الخدمات الأساسية مرتفعة. كما أصبحت الرعاية الصحية محورًا للخلاف، خصوصًا بعد التغييرات التي طالت الإنفاق الفيدرالي على برنامج «ميديكيد» المخصص للفئات ذات الدخل المنخفض.
حرب إيران تدخل الانتخابات
لم تبقَ الحرب مع إيران بعيدة عن الحسابات الانتخابية الأميركية، بل أصبحت من الملفات التي ربطت السياسة الخارجية مباشرة بتكاليف المعيشة، خصوصًا من خلال تأثيرها في أسعار الطاقة والوقود.
وأظهر استطلاع «Gallup» المنشور في 29 أكتوبر 2026 أن 47% من الناخبين المسجلين يعتبرون الوضع في إيران مهمًا للغاية عند تحديد تصويتهم، لتأتي القضية ضمن أبرز الملفات التي تؤثر في خياراتهم، بعد الاقتصاد والرعاية الصحية اللذين تصدرا قائمة الأولويات بنسبة 50% لكل منهما.
وتتجاوز أهمية الحرب البعد العسكري والسياسي؛ فارتفاع أسعار البنزين والديزل ينعكس على تكاليف النقل والشحن والإنتاج، وقد ينتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات. وبذلك يجد الناخب الأميركي نفسه أمام علاقة مباشرة بين قرارات السياسة الخارجية والميزانية التي يدير بها شؤون أسرته.
ووفقًا لبيانات نقلتها «رويترز» عن جمعية السيارات الأميركية، بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 4.28 دولارات للغالون في 20 أكتوبر، بزيادة 1.20 دولار مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما وصل متوسط سعر الديزل إلى 6.32 دولارات للغالون، بزيادة 2.70 دولار.
وتضع هذه التطورات إدارة ترامب أمام أسئلة تتعلق بكلفة الحرب وتداعياتها الاقتصادية، بينما يستفيد الديمقراطيون من ربط ارتفاع أسعار الوقود بقرارات الإدارة. وفي المقابل، يركز الجمهوريون على مواقفهم من الأمن القومي والهجرة والملفات الاجتماعية.
الهجرة والرعاية الصحية
احتلت الهجرة موقعًا متقدمًا في الحملات الانتخابية، مع اختلاف واضح بين الحزبين في تقييم سياسات الإدارة. فالجمهوريون دافعوا عن تشديد الرقابة على الحدود وتمويل أجهزة إنفاذ قوانين الهجرة، معتبرين أن خفض تدفقات المهاجرين يمثل أحد أبرز إنجازات ترامب.
اقرأ أيضا: الديزل الروسي إلى أميركا.. هل تنخفض الأسعار؟
وفي المقابل، انتقد الديمقراطيون أساليب تنفيذ حملات الترحيل، وطالبوا بمزيد من الرقابة على أداء الوكالات الفيدرالية، خصوصًا بعد حوادث أثارت جدلًا بشأن تعامل عناصر الهجرة مع المواطنين والمقيمين.
وبحسب بيانات أولية لوزارة الأمن الداخلي نقلتها «رويترز»، انخفضت حالات توقيف المهاجرين على الحدود الجنوبية الغربية بنسبة 95% مقارنة بفترة إدارة الرئيس السابق جو بايدن. لكن هذا التراجع لم ينهِ الخلاف السياسي حول الهجرة، بل انتقل النقاش إلى حجم التمويل المخصص لأجهزة إنفاذ القانون، وصلاحياتها، وتداعيات سياساتها على المجتمعات المحلية.
أما الرعاية الصحية، فكانت مرتبطة بصورة مباشرة بالنقاش الاقتصادي. فقد أثار خفض الإنفاق على برنامج «ميديكيد» وبرامج صحية أخرى خلافًا بين الحزبين، خصوصًا أن أي تغيير في التمويل الفيدرالي قد ينعكس على الولايات والمستشفيات ومقدمي الخدمات والمستفيدين من التغطية الصحية.
وهكذا لم تكن الهجرة والرعاية الصحية ملفين منفصلين عن الاقتصاد، بل جزءًا من نقاش أوسع حول أولويات الإنفاق العام ودور الحكومة الفيدرالية في توفير الخدمات وتنظيم الحدود.
سباق على الكونغرس
تتركز أهمية انتخابات مجلسي النواب والشيوخ في الصلاحيات التي تمنحها الأغلبية للحزب المسيطر. فمجلس النواب يمتلك دورًا أساسيًا في إقرار التشريعات والإنفاق والرقابة على الإدارة، بينما يشارك مجلس الشيوخ في إقرار القوانين والمصادقة على التعيينات الرئاسية والاتفاقيات الدولية.
وكان الجمهوريون يدخلون الانتخابات بأغلبية ضيقة في المجلسين، ما جعل عددًا محدودًا من السباقات المتنافس عليها قادرًا على التأثير في التوازن السياسي داخل واشنطن.
وفي مجلس الشيوخ، برزت المنافسة في ولايات مثل ألاسكا وأيوا وكانساس وماين وميشيغان وأوهايو وتكساس، حيث حملت بعض السباقات أهمية تتجاوز حدود الولاية بسبب تأثيرها المحتمل في الأغلبية. أما في مجلس النواب، فتوزعت الدوائر التنافسية على مناطق مختلفة، وكان التحدي الأساسي أمام الحزبين تحويل الدعم الانتخابي إلى مقاعد فعلية.
ولا تقتصر أهمية هذه المعركة على تمرير القوانين؛ فامتلاك الأغلبية يمنح الحزب المسيطر قدرة أكبر على تحديد جدول الأعمال التشريعي، وإجراء التحقيقات وجلسات الاستماع، وممارسة الرقابة على الوزارات والوكالات الفيدرالية.
لكن حتى إذا خسر الجمهوريون السيطرة على أحد المجلسين أو كليهما، فلن يفقد ترامب صلاحياته التنفيذية أو حق استخدام الفيتو الرئاسي. وهذا يعني أن تغير الأغلبية قد يؤدي إلى مزيد من المواجهة السياسية والتعطيل التشريعي، لكنه لا يعني انتقال السلطة التنفيذية إلى الحزب المعارض.
فاتورة انتخابية قياسية
لم تقتصر المنافسة على البرامج السياسية والظهور الإعلامي، بل شهدت إنفاقًا ماليًا ضخمًا يعكس حجم الرهانات المرتبطة بالسيطرة على الكونغرس.
وبحسب بيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية التي نقلتها «Associated Press»، تجاوز إجمالي الإنفاق على الحملات الانتخابية والجماعات السياسية المرتبطة بها 11.9 مليار دولار. وشمل ذلك إنفاق الحزبين والمرشحين واللجان السياسية المستقلة، التي تلعب دورًا مؤثرًا في تمويل الإعلانات والحملات الإعلامية.
وجمعت اللجنة الوطنية الجمهورية واللجان المرتبطة بها والجماعات المتحالفة معها أكثر من 2.2 مليار دولار، مقابل نحو 1.3 مليار دولار للجنة الوطنية الديمقراطية والجهات المتحالفة معها. لكن المرشحين الديمقراطيين جمعوا على المستوى الفردي أكثر من 2.3 مليار دولار، مقارنة بنحو 1.6 مليار دولار للمرشحين الجمهوريين.
اقرأ أيضا: اتفاق غرينلاند.. ماذا كسبت أميركا؟
وتكشف هذه الأرقام عن اتساع دور التمويل السياسي في الانتخابات الأميركية، خصوصًا أن الإنفاق لا يقتصر على الحملات الرسمية للمرشحين، بل يشمل إعلانات مستقلة ومجموعات ضغط تسعى إلى التأثير في خيارات الناخبين.
ماذا تعني النتائج؟
تحدد الانتخابات الأميركية أكثر من هوية المشرعين الذين سيمثلون الولايات والدوائر في واشنطن؛ فهي ترسم أيضًا طبيعة العلاقة بين الكونغرس والبيت الأبيض خلال ما تبقى من ولاية ترامب.
فاحتفاظ الجمهوريين بالأغلبية يمنح الإدارة مساحة أكبر لتمرير أولوياتها التشريعية، بينما قد يؤدي انتقال السيطرة إلى الديمقراطيين إلى تشديد الرقابة البرلمانية وفتح مواجهات جديدة حول الإنفاق والضرائب والهجرة والسياسة الخارجية.
أما على المستوى الاقتصادي، فستظهر أهمية النتائج في الملفات التي تحتاج إلى موافقة الكونغرس، مثل تمويل الحكومة وسقف الدين والإنفاق على البرامج الاجتماعية والدفاعية. وقد يؤدي الانقسام بين البيت الأبيض والكونغرس إلى صعوبة التوصل إلى تسويات، خصوصًا في القضايا المالية التي تتطلب موافقة المجلسين.
وحتى وقت إعداد هذا التقرير في 4 نوفمبر 2026، لم تكن النتائج النهائية لجميع سباقات مجلسي النواب والشيوخ قد حُسمت وفق لوحة متابعة النتائج لدى «Ballotpedia». لذلك لا يمكن الجزم بعدد المقاعد التي انتقلت بين الحزبين أو تحديد الجهة التي ستسيطر نهائيًا على المجلسين.
وفي المحصلة، وضعت انتخابات 2026 إدارة ترامب أمام اختبار سياسي واقتصادي واسع، عنوانه قدرة الجمهوريين على الاحتفاظ بأغلبيتهم، ومدى استعداد الناخبين لمنح الديمقراطيين دورًا أكبر في مراقبة السلطة التنفيذية. وستحدد نتائجها شكل المواجهة في واشنطن، ومساحة المناورة المتاحة أمام الإدارة في ملفات الاقتصاد والطاقة والهجرة والإنفاق العام خلال العامين المقبلين.
اقرأ أيضا: خريطة القوة الاقتصادية.. الهند تنافس بريطانيا وأميركا تُبعد أوروبا
