اتفاق غرينلاند المرتقب بين الولايات المتحدة والدنمارك وحكومة الجزيرة يضع نهاية مؤقتة لأشهر من التوتر، لكنه يفتح سؤالًا أكبر: هل حصلت واشنطن على السيطرة التي تحدث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أم أن ما تحقق هو اتفاق أمني واسع يبقي السيادة لدى الدنمارك؟
حتى الآن، لا تزال الإجابة النهائية معلقة على نص الاتفاق نفسه، الذي لم يُنشر، لكن البيانات الرسمية والتفاصيل التي كشفتها مصادر أميركية تشير إلى تسوية تجمع بين توسيع الوجود العسكري الأميركي في الجزيرة، ومنع خصوم واشنطن من إقامة قواعد عسكرية أو تنفيذ بعض الاستثمارات الحساسة، مع الإبقاء على السيادة الدنماركية وحق سكان غرينلاند في تقرير مصيرهم.
ومن المقرر أن توقع الحكومات الثلاث الاتفاق خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع المقبل، على أن يخضع بعد ذلك للإجراءات البرلمانية اللازمة قبل دخوله حيز التنفيذ، وفقًا للحكومة الدنماركية.
اتفاق غرينلاند لم يُنشر بعد
الموقف الرسمي الدنماركي لا يتحدث عن نقل السيادة أو ملكية الأرض إلى الولايات المتحدة. فقد قالت رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن إن الاتفاق المرتقب سيعزز الأمن في القطب الشمالي وشمال الأطلسي، وفي الوقت نفسه يعترف بسيادة المملكة وسلامة أراضيها وحق شعب غرينلاند في تقرير المصير.
أما رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، فقال إن الاتفاق يعترف بمصالح غرينلاند ومكانتها في التعاون الدولي. وهذه الصياغة مهمة، لأن الجزيرة تتمتع بحكم ذاتي واسع لكنها لا تزال جزءًا من مملكة الدنمارك.
اقرأ أيضا: 190 مليار درهم حتى 2030.. كيف يغيّر المونديال اقتصاد المغرب؟
في المقابل، استخدم ترامب لغة أكثر اتساعًا، قائلًا إن الاتفاق يمنح الولايات المتحدة «سيطرة دائمة» على أمن غرينلاند، وإن واشنطن ستظل قادرة على القيام بما تراه ضروريًا لحماية الجزيرة والولايات المتحدة.
لكن الفارق بين الصياغتين كبير. فبينما يتحدث ترامب عن سيطرة دائمة، تتحدث كوبنهاغن ونوك عن اتفاق أمني يحترم السيادة. ولذلك فإن تحديد الصلاحيات الفعلية لواشنطن سيتوقف بدرجة كبيرة على النص النهائي وآليات تنفيذه.
ماذا حصلت واشنطن من غرينلاند؟
بحسب المعلومات التي نقلتها رويترز ووسائل إعلام أميركية، يتضمن الترتيب المرتقب توسيع الوجود العسكري الأميركي في غرينلاند، ومنع الدول غير الأعضاء في حلف الناتو من إقامة قواعد عسكرية في الجزيرة، إلى جانب قيود على بعض الاستثمارات التي تعتبر حساسة من الناحية الأمنية.
كما صُمم الاتفاق بحيث يستمر حتى إذا حصلت غرينلاند مستقبلًا على الاستقلال عن الدنمارك. وتكمن أهمية هذه النقطة في أن واشنطن لا تريد أن يصبح أي استقلال مستقبلي للجزيرة سببًا لفقدان الترتيبات العسكرية الأميركية القائمة هناك.
لكن المعلومات المتاحة لا تشير إلى انتقال السيادة إلى الولايات المتحدة، كما نقلت واشنطن بوست عن أشخاص مطلعين على المفاوضات أن الاتفاق لا يمنح واشنطن حق نقض قرارات غرينلاند، رغم أن تصريحات ترامب قد توحي بصلاحيات أوسع.
كما أن منع القواعد العسكرية غير التابعة للناتو لا يعني احتكار الولايات المتحدة للوجود العسكري الأجنبي؛ فالصيغة التي أوردتها واشنطن بوست تتحدث عن السماح لدول الناتو بوجود عسكري، بينما تشمل القيود الاستثمارية دول الناتو والاتحاد الأوروبي بحسب ما نقلته الصحيفة عن المطلعين على المفاوضات.
أميركا تملك حقوقًا واسعة
لفهم حجم ما تغير، يجب العودة إلى اتفاق الدفاع الأميركي-الدنماركي لعام 1951.
فالوثيقة، المسجلة لدى الأمم المتحدة، منحت الولايات المتحدة صلاحيات عسكرية واسعة داخل مناطق الدفاع المتفق عليها في غرينلاند. وتشمل هذه الصلاحيات تطوير المنشآت، وبناء وتشغيل المعدات العسكرية، وتخزين الإمدادات، وإيواء الأفراد، وحماية المناطق العسكرية، وتنظيم حركة السفن والطائرات والمركبات داخلها.
لكن الاتفاق نفسه وضع قيدًا أساسيًا: ممارسة هذه الحقوق تتم من دون المساس بسيادة مملكة الدنمارك. كما أن إنشاء مناطق دفاع جديدة يتطلب اتفاقًا بين الحكومتين، وليس قرارًا أميركيًا منفردًا.
والاتفاق ليس مؤقتًا بطبيعته؛ إذ يرتبط بمعاهدة شمال الأطلسي، ما يعني أن الأساس القانوني للوجود العسكري الأميركي في الجزيرة قائم منذ عقود.
ولهذا، فإن الاتفاق الجديد لا يبدأ من الصفر. الجديد المحتمل يتعلق بحجم الوجود الأميركي وشروط توسعه والضمانات المتعلقة باستمراره مستقبلًا، وليس بمجرد إنشاء حق أميركي جديد في الوجود العسكري.
ماذا أضاف اتفاق 2004؟
جاء تعديل إيغاليكو عام 2004 ليعكس التغير في وضع غرينلاند السياسي منذ اتفاق 1951.
فالوثيقة الموقعة في 6 أغسطس/آب 2004 أصبحت اتفاقًا بمشاركة حكومة غرينلاند إلى جانب الولايات المتحدة والدنمارك، ونصت على أن قاعدة ثول الجوية هي منطقة الدفاع الوحيدة القائمة في الجزيرة، مع بقاء إنشاء مناطق جديدة خاضعًا لقواعد اتفاق 1951.
اقرأ أيضا: الفيدرالي يعود لرفع الفائدة بعد 3 سنوات
كما عزز التعديل آليات التشاور بشأن الوجود العسكري الأميركي، ومنح حكومة غرينلاند دورًا أكبر في القضايا التي تمس مصالحها. ونص كذلك على التشاور بين الأطراف بشأن المسائل المتعلقة بالوجود العسكري الأميركي في الجزيرة.
وهذا يجعل الاتفاق المرتقب امتدادًا لتاريخ طويل من التعاون العسكري، وليس انتقالًا مفاجئًا لغرينلاند من النفوذ الدنماركي إلى الأميركي.
المعادن ليست ملكًا لأميركا
المعادن الحرجة تمثل جانبًا اقتصاديًا مهمًا من الاهتمام الأميركي بغرينلاند، لكن الأدلة المتاحة لا تثبت حصول الولايات المتحدة على حقوق حصرية في موارد الجزيرة بموجب الاتفاق المرتقب.
وتحتل غرينلاند المرتبة الثامنة عالميًا من حيث احتياطيات العناصر الأرضية النادرة، بنحو 1.5 مليون طن وفق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فيما تضم رواسب كبيرة مثل كفانيفيلد وتان بريز. لكن الجزيرة لم تبدأ حتى الآن إنتاج العناصر الأرضية النادرة على نطاق تجاري.
والسبب أن امتلاك الموارد لا يعني سهولة استخراجها. فالبيئة القطبية، ونقص البنية التحتية، وصعوبة النقل والطاقة، كلها ترفع تكلفة تطوير المناجم.
كما أن قانون التعدين الغرينلاندي، الذي دخل حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2024، يمثل الإطار القانوني لأنشطة التنقيب والاستغلال المعدني في الجزيرة، بينما تتولى حكومة غرينلاند إدارة حقوق استخدام الأراضي وإصدار تراخيص الاستغلال.
لذلك، فإن المعركة الاقتصادية حول غرينلاند لا تتعلق فقط بمن يملك المعادن، بل بمن يستطيع تمويل استخراجها وتطوير البنية التحتية اللازمة ونقلها إلى الأسواق العالمية.
لماذا تريدها واشنطن؟
القيمة الاقتصادية للجزيرة لا يمكن فصلها عن موقعها الجغرافي.
تقع غرينلاند في موقع حاسم بين أميركا الشمالية وأوروبا والقطب الشمالي، وتمنح الولايات المتحدة نقطة استراتيجية لمراقبة المجال الجوي والبحري والفضائي في شمال الأطلسي.
وتؤدي قاعدة بيتوفيك الفضائية، التي كانت تعرف سابقًا بقاعدة ثول، دورًا في الإنذار الصاروخي والدفاع الصاروخي ومراقبة الفضاء لصالح الولايات المتحدة وحلف الناتو.
كما أن تغير المناخ يضيف بعدًا اقتصاديًا واستراتيجيًا جديدًا، مع تراجع الجليد البحري وارتفاع إمكانية الوصول إلى مناطق كانت صعبة الوصول، سواء بالنسبة للملاحة أو الموارد الطبيعية.
وهنا تلتقي ثلاثة ملفات: الدفاع عن أميركا الشمالية، والمنافسة الاستراتيجية في القطب الشمالي، والمعادن الحرجة.
من الاستحواذ إلى التسوية
قبل الاتفاق الحالي، كانت الأزمة أكثر حدة بكثير.
ترامب طالب سابقًا بالسيطرة على غرينلاند، ولم يستبعد استخدام القوة في مرحلة من الأزمة، ما أثار اعتراضات شديدة من الدنمارك وغرينلاند وحلفاء أوروبيين داخل الناتو.
وفي المقابل، كانت كوبنهاغن مستعدة لمناقشة زيادة الوجود العسكري الأميركي وتعزيز أمن القطب الشمالي، لكن من دون التنازل عن السيادة.
وهذه النقطة تبدو جوهر التسوية الحالية: واشنطن تحصل على توسع أمني وعسكري كبير، بينما تحتفظ الدنمارك وغرينلاند بالسيادة وفق الصياغة الرسمية المعلنة.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، كانت مقترحات التفاوض تشمل بالفعل زيادة الوصول الأميركي إلى القواعد العسكرية، وتطوير استخراج المعادن، وتشديد الرقابة على الاستثمارات لمنع روسيا أو الصين من بناء موطئ قدم في الجزيرة، وفقًا لواشنطن بوست.
وبذلك، فإن بعض الأهداف التي كانت واشنطن تسعى إليها قبل الاتفاق الحالي ظهرت في النهاية داخل إطار تفاوضي بدلًا من انتقال الملكية.
ما الذي سيحسمه النص؟
حتى الآن، لا يمكن اعتبار الاتفاق نافذًا أو تقييم نطاقه القانوني بصورة نهائية، لأن النص لم يُنشر بعد، ولأن الحكومتين الدنماركية والغرينلاندية أكدتا أنه سيحتاج إلى الإجراءات البرلمانية اللازمة قبل دخوله حيز التنفيذ.
لذلك، ستكون التفاصيل الأكثر أهمية عند نشر الوثيقة هي: حجم الوجود العسكري الأميركي، والمواقع التي يمكن تطويرها، وآلية الموافقة على المنشآت الجديدة، وطبيعة القيود المفروضة على الاستثمارات، ودور غرينلاند في اتخاذ القرارات المتعلقة بوجود القوات الأجنبية.
حتى ذلك الحين، يمكن القول إن اتفاق غرينلاند المرتقب يمثل توسعًا مهمًا في الدور الأمني الأميركي، لكنه لا يثبت انتقال السيادة أو ملكية الأرض إلى الولايات المتحدة.
والمفارقة أن واشنطن لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك الجزيرة لتحقيق جزء كبير من أهدافها الاستراتيجية؛ فمنذ 1951 تمتلك أساسًا قانونيًا واسعًا للوجود العسكري، بينما يأتي الاتفاق الجديد، وفق ما أعلن حتى الآن، لتوسيع هذا الإطار وتحصينه على المدى الطويل، بما في ذلك في حال تغير الوضع الدستوري لغرينلاند مستقبلًا.
اقرأ أيضا: خلاف غرينلاند.. أوروبا تلوح بسلاح بيع أصولها في أمريكا
