خلال ربع قرن، قلّصت الهند فجوتها مع بريطانيا في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي المقوّم بالدولار، من اقتصاد يعادل 28% من حجمه في 2000 إلى 98.8% في أحدث بيانات 2025، وفي الولايات المتحدة، اتسع التفوق في الناتج الحقيقي والإنتاجية على الاتحاد الأوروبي، ما يعيد رسم موازين القوة بين الاقتصادات الكبرى، في خريطة القوة الاقتصادية العالمية.
الهند وبريطانيا.. اقتصادان عند أربعة تريليونات دولار
بلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للهند نحو 468 مليار دولار في عام 2000، مقابل 1.67 تريليون دولار للمملكة المتحدة، وفق بيانات البنك الدولي، وكان الاقتصاد البريطاني وقتها أكبر بنحو 3.6 مرة من الاقتصاد الهندي.
بحلول 2025، اقترب اقتصاد الهند من 3.96 تريليون دولار، مقابل نحو 4 تريليونات دولار لبريطانيا، بفارق يقارب 46.5 مليار دولار فقط، وتحرك هذه المسافة الضيقة أسعار صرف الروبية والجنيه الإسترليني مقابل الدولار، إلى جانب التضخم ومراجعات الحسابات القومية.
انتقلت الهند من اقتصاد يعادل أقل من ثلث حجم اقتصاد بريطانيا إلى منافس مباشر له في الناتج الاسمي، وسجل الاقتصاد الهندي نمواً حقيقياً بلغ 7.6% في السنة المالية 2025/2026، مقابل 1.4% في بريطانيا خلال 2025، بحسب بيانات البنك الدولي.
تزامن الصعود الهندي مع سوق داخلية تضم نحو 1.46 مليار نسمة، وتوسع في الخدمات الرقمية والتصنيع والاستثمار في البنية التحتية، فضلاً عن حضور أكبر في سلاسل الإمداد العالمية، وتوفر هذه العناصر قاعدة واسعة للاستهلاك والإنتاج والعمالة، بما يمنح الاقتصاد الهندي قدرة أكبر على النمو السريع في خريطة القوة الاقتصادية العالمية.

حجم الاقتصاد لا يساوي دخل السكان
تقارب الناتج الكلي لا يلغي الفجوة الواسعة بين متوسط الناتج الاقتصادي للفرد في البلدين، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد في الهند نحو 2702 دولار في 2025، مقابل 57,602 دولار في بريطانيا، أي ما يزيد على 21 مرة.
ويقيس الناتج للفرد متوسط الناتج الاقتصادي المقوّم بالدولار، ويتأثر بتوزيع الدخل والخدمات العامة وتكلفة الحياة والقوة الشرائية، وتبقى بريطانيا أعلى بفارق كبير في متوسط الدخل الاقتصادي للفرد، بينما تعكس الهند قوة سوق ضخمة وقاعدة إنتاج واستهلاك تتسع بسرعة.
تضع هذه الأرقام صعود الهند في إطاره الحقيقي، من بلد كان اقتصادُه أقل كثيراً من اقتصاد بريطانيا بات ينافسه في الحجم الكلي، فيما تستمر فجوة كبيرة في مستوى الناتج للفرد.
اقرأ أيضاً: بريكس الجديدة وتأثيرها على الاقتصاد العالمي
خريطة القوة الاقتصادية العالمية.. أميركا تتفوق على أوروبا
على الجانب الآخر من خريطة القوة الاقتصادية العالمية، اتسع تفوق الولايات المتحدة على الاتحاد الأوروبي صاحب الـ27 دولة في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وبحساب الأسعار الثابتة لعام 2015، كان الناتج الأميركي أكبر من ناتج الاتحاد الأوروبي بما يزيد قليلاً على 15% في 2002، قبل أن يتسع الفارق إلى نحو 30% في 2023، وفق تقرير ماريو دراغي عن القدرة التنافسية الأوروبية.
ويقدّر التقرير أن فروق الإنتاجية تفسر نحو 70% من فجوة الناتج للفرد بين الطرفين عند تعادل القوة الشرائية، وترتبط الفجوة بتوسع الشركات الأميركية في التكنولوجيا والابتكار وأسواق رأس المال، مقابل تجزؤ السوق الأوروبية وارتفاع كلفة الطاقة وبطء توسع الشركات الرقمية والصناعية الكبيرة.
إنتاجية منطقة اليورو.. المحرك الخفي للفجوة
تظهر بيانات البنك المركزي الأوروبي أن إنتاجية العمل لكل ساعة ارتفعت بنحو 50% في الولايات المتحدة بين 1995 و2019، مقابل 28% في منطقة اليورو.
واتسع الفارق بعد جائحة كورونا؛ إذ زادت إنتاجية الساعة 6.7% في الولايات المتحدة بين الربع الأخير من 2019 والربع الثاني من 2024، مقابل 0.9% في منطقة اليورو، وهذه الأرقام تقيس نمو إنتاجية الساعة خلال الفترة، وتكشف سرعة التحسن في كل اقتصاد.
ويربط البنك المركزي الأوروبي جانباً من هذا التفاوت بصدمة أسعار الطاقة التي أثقلت الصناعة الأوروبية، واختلافات سوق العمل، والاستثمار الأقوى في الرقمنة داخل الولايات المتحدة، كما حققت قطاعات المعلومات والاتصالات والخدمات المهنية الأميركية نمواً أسرع في الإنتاجية، مدفوعة بشركات أكبر وأسواق تمويل أعمق.
اقرأ أيضاً: الاقتصاد العالمي في 2026.. تباطؤ التجارة وعودة شبح الحروب الجمركية
أميركا تتقدم 9.35 تريليون دولار بالناتج الاسمي
تضع توقعات صندوق النقد الدولي الصادرة في أبريل 2026 الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للولايات المتحدة عند 32.38 تريليون دولار، مقابل 23.03 تريليون دولار للاتحاد الأوروبي، بفارق مقدّر بنحو 9.35 تريليون دولار.
ويعكس هذا الفارق قيمة الاقتصادين بالدولار وأسعار الصرف السائدة في 2026، فيما تشرح بيانات الناتج الحقيقي والإنتاجية اتساع الفجوة على المدى الطويل، وتتقاطع المؤشرات في نتيجة واحدة، وهي أن الاقتصاد الأميركي ينمو بوتيرة أسرع في القطاعات التي تصنع القيمة المضافة والابتكار.
وما يبدو واضحاً من هذه البيانات، هو أن الهند تقترب من بريطانيا من أسفل خريطة الاقتصاد العالمي، بينما تبتعد الولايات المتحدة عن الاتحاد الأوروبي من أعلاها، ويتحدد موقع كل اقتصاد بقدرته على توسيع الإنتاجية، وتحويل السوق المحلية والاستثمار والابتكار إلى قوة اقتصادية مستدامة.
