لا يحتاج النفوذ الأميركي دائماً إلى حاملة طائرات أو مقاتلة متقدمة كي يضغط على اقتصاد خصمٍ ما، فأحياناً تبدأ المعركة من سؤال آخر، بأي عملة سيدفع هذا الخصم ثمن وارداته؟ وفي أي بنك ستُسوّى معاملاته؟ وهل يستطيع الوصول إلى احتياطياته عندما يحتاجها؟ هنا يتحول الدولار من عملة محلية أميركية إلى بنية تحتية مالية عالمية، فالقوة لا تأتي من ورقة الدولار وحدها، بل من شبكة التجارة، والاقتراض، والبنوك المراسلة، والأسواق، والقواعد القانونية التي تجعل التعامل بالدولار جزءاً من النشاط الاقتصادي في معظم أنحاء العالم، ومن هذه المكانة تنشأ قدرة واشنطن على استخدام الوصول إلى النظام المالي كأداة ضغط اقتصادي.
أرقام تشرح قوة الدولار
في سوق العملات الأجنبية، بلغ متوسط التداول اليومي نحو 9.6 تريليون دولار في أبريل 2025، وكان الدولار حاضراً في أحد طرفي 89.2% من المعاملات، مقابل 28.9% لليورو و8.5% لليوان الصيني.
وعندما يتعلق الأمر باحتياطيات البنوك المركزية، بقي الدولار في الصدارة أيضاً، فقد بلغت حصته 56.7% من احتياطيات النقد الأجنبي التي يرصدها مسح "COFER" في الربع الثاني من 2026، من إجمالي بلغ 13.22 تريليون دولار، وهذه النسبة لا تتضمن الذهب.
وتتجاوز الهيمنة الاحتياطيات، فبحسب الاحتياطي الفيدرالي، شكّل الدولار نحو 47% من المدفوعات الدولية عبر "سويفت" في 2024، و60.6% من إصدارات الديون بعملة أجنبية، كما مثّل 56.4% من المطالبات المصرفية الدولية و63.2% من الالتزامات المصرفية المقومة بعملة أجنبية.
كيف يتحول الدولار إلى سلاح اقتصادي؟
تظهر قوة الدولار السياسية حين يحتاج بلد أو شركة إلى التمويل أو التسوية أو التحويل عبر مؤسسات مرتبطة بالنظام المالي الأميركي، فعندما تفرض واشنطن قيوداً على بنك أو شركة أو قطاع كامل، لا تمنعها فقط من التعامل مع جهات أميركية، بل ترفع أيضاً مخاطر تعامل بقية المؤسسات العالمية معها، خشية فقدان الوصول إلى السوق الأميركية أو إلى المقاصة بالدولار.
لكن من المهم عدم تبسيط الصورة أكثر من اللازم، فنظام "سويفت" ليس مؤسسة أميركية، وليس كل تعامل بالدولار يمر مباشرة عبر واشنطن، لكن النفوذ الأميركي يتولد من اجتماع عدة عناصر: مركزية الدولار، والبنوك المراسلة، والقواعد الأميركية، وسيولة أسواق السندات، وتعاون الحلفاء في تنفيذ العقوبات.
أوضح مثال على ذلك جاء بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، ففي 28 فبراير 2022، حظرت وزارة الخزانة الأميركية تعامل الأشخاص والمؤسسات الأميركية مع البنك المركزي الروسي وصندوق الثروة ووزارة المالية الروسية، ما قيّد قدرة موسكو على استخدام أصول تقع في الولايات المتحدة أو لدى أشخاص أميركيين، وبعدها بأشهر، قال فريق "REPO"، المعني بتعقب أصول النخب الروسية والذي ضم الولايات المتحدة وشركاءها، إنه عطّل الوصول إلى نحو 300 مليار دولار من أصول البنك المركزي الروسي.
لهذا لا تحتاج واشنطن دائماً إلى استهداف منشأة أو ميناء كي تضغط على اقتصاد خارجي؛ فقد يكفي أن تضيق مساحة استخدام أمواله، أو أن تجعل الوسطاء والبنوك وشركات التأمين أكثر تردداً في التعامل معه.

السلاح نفسه يدفع الآخرين إلى شراء التأمين
تثير هذه القدرة سؤالاً مقلقاً للدول التي تخشى العقوبات أو تجميد الأصول، فما الأصل الذي يمكن الاحتفاظ به خارج التزامات الحكومات الأجنبية والمصارف العابرة للحدود؟
هنا يبرز الذهب، فدراسة لصندوق النقد الدولي وجدت ارتباطاً بين التعرض للعقوبات المالية، أو خطرها، وارتفاع حصة الذهب في احتياطيات البنوك المركزية، كما أشارت إلى أن نصف أكبر الزيادات السنوية في حيازات الذهب منذ مطلع القرن ارتبط بحالات تعرض للعقوبات أو مخاطرها.
وتكمن جاذبية الذهب في أنه - إذا حُفظ مادياً داخل الدولة - لا يمثل التزاماً على حكومة أجنبية أو بنك خارجي، ولكنه ليس محصناً بصورة مطلقة، فترتيبات الحفظ والمكان والقواعد القانونية تظل مؤثرة، كما أن الذهب أقل سيولة، وأعلى كلفة في النقل والتخزين والتأمين، وأقل ملاءمة للمدفوعات اليومية من الودائع أو السندات.
قدّر مجلس الذهب العالمي صافي مشتريات البنوك المركزية والمؤسسات الأخرى بنحو 863 طناً في 2025، وهو أقل من مشتريات 2024، لكنه يبقى أعلى بكثير من متوسط 473 طناً سنوياً بين 2010 و2021.
اقرأ أيضاً: أسباب استمرار صدارة الدولار في احتياطيات النقد الأجنبي
الذهب يصعد.. لكن السعر يشارك في القصة
وصل وزن الذهب إلى 27% من الاحتياطيات الرسمية العالمية بالقيمة السوقية بنهاية 2025، مقابل 22% لسندات الخزانة الأميركية و15% لليورو، وفق البنك المركزي الأوروبي، وقد تبدو هذه الأرقام دليلاً مباشراً على هجرة واسعة من الدولار، لكنها تحتاج إلى تفسير أدق.
فالبنك المركزي الأوروبي يشير إلى أن سعر الذهب ارتفع بنحو 60% في 2025، بعد ارتفاع يقارب 30% في 2024، أي أن شراء البنوك المركزية للذهب مهم، لكن ارتفاع سعر المعدن ساهم أيضاً بقوة في تضخيم وزنه داخل محافظ الاحتياطيات، وعند تثبيت سعر الذهب عند مستوى نهاية 2023، ينخفض وزنه إلى نحو 16% فقط.
المشهد إذاً، ليس استبدالاً سريعاً للدولار بالذهب، بل بناء طبقة تأمين إضافية ضد عالم قد تتحول فيه الاحتياطيات نفسها إلى أداة ضغط.
اقرأ أيضاً: الصين توسع المقاصة باليوان وتقلص الاعتماد على الدولار
هل بدأ العالم فعلاً في الخروج من الدولار؟
حتى الآن، لا تظهر البيانات انهياراً في هيمنة الدولار، فحصته في معاملات الصرف ارتفعت من 88.4% في 2022 إلى 89.2% في 2025، صحيح أن حصة اليوان صعدت من 7% إلى 8.5% خلال الفترة نفسها، وأصبح زوج الدولار/اليوان ثالث أكثر أزواج العملات تداولاً عالمياً، لكن الفجوة ما زالت واسعة جداً.
كما يرى الاحتياطي الفيدرالي أن استخدام الدولار دولياً ظل مستقراً إلى حد كبير حتى 2024، وأن العقوبات على روسيا لم تؤدِ إلى إعادة تخصيص واسعة للاحتياطيات بعيداً عن الدولار، ويعود ذلك إلى أن البديل لا يحتاج فقط إلى عملة قوية، بل إلى سوق سندات عميقة، ومؤسسات موثوقة، وسيولة ضخمة، وقدرة على امتصاص طلب العالم كله.
ولكن على الجانب الآخر، بيانات مسح "COFER" التابع لصندوق النقد الدولي أظهرت أن حصة الدولار كانت تقارب 71.5% من الاحتياطيات المعلنة في 2001، ثم انخفضت إلى 58.4% في 2022، ثم إلى 56.7% في الربع الثاني من 2026، وهذا يكشف اتجاهاً طويل الأجل نحو تنويع الاحتياطيات، سبق تجميد الأصول الروسية بسنوات طويلة.
وهذه هي المفارقة، فالدولار ما زال أقوى عملة في العالم، وهذه القوة تمنح واشنطن أحد أكثر أدوات الضغط الاقتصادي فاعلية، ولكن كلما تحول الوصول إلى النظام المالي إلى سلاح متكرر الاستخدام، زادت لدى خصوم الولايات المتحدة وحلفائها المحتملين الرغبة في تنويع الاحتياطيات وقنوات الدفع.
حتى الآن، لا يوجد بديل قادر على إزاحة الدولار، ولكن استخدامه كسلاح قد يكون أقوى حافز للعالم كي يبحث ولو ببطء، عن بدائل تقلل كلفة الاعتماد عليه.
