تقارير الطاقة

    أزمة مضيق هرمز تحرق الاقتصادات العربية

    تسببت أزمة مضيق هرمز في اضطراب حاد لحركة الطاقة والتجارة، مع تقدير الإسكوا كلفة النزاع على الاقتصادات العربية بنحو 150 مليار دولار خلال الشهر الأول من حرب إيران. ويمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا، فيما تكشف البيانات تراجع التدفقات والشحن، وارتفاع مخاطر الإمدادات والطاقة والأسمدة عالميًا.

    بقلم Onboarding Account••آخر تحديث •6 دقائق
    مضيق هرمز وتأثير اضطرابات الملاحة على الاقتصاد العالمي
    150 مليار دولار خسرتها الاقتصادات العربية في أول شهر من حرب إيران

    تحول مضيق هرمز من ممر رئيسي للطاقة إلى واحدة من أكبر نقاط الضغط على الاقتصاد العالمي، بعدما أدت الحرب والتوترات الأمنية في الشرق الأوسط إلى تراجع حاد في حركة السفن وتهديد تدفقات النفط والغاز والتجارة. وقدرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا" كلفة النزاع على الاقتصادات العربية بنحو 150 مليار دولار خلال الشهر الأول من الأزمة، بما يعادل قرابة 4% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة.

    لكن أهمية مضيق هرمز لا تتعلق فقط بالخسائر المباشرة التي تتكبدها الدول والشركات، بل بكونه حلقة رئيسية في شبكة التجارة العالمية. فالممر الذي يفصل بين إيران وسلطنة عُمان يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، وتمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز المتجهة خصوصًا إلى الأسواق الآسيوية.

    أهمية مضيق هرمز

    وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، يمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يعادل قرابة 25% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا. كما تمر عبره إمدادات تمثل نحو 19% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، مع اعتماد كبير على الممر لنقل صادرات قطر والإمارات من الغاز.

    وتزداد حساسية هذه الأرقام لأن نحو 80% من النفط الذي يعبر المضيق يتجه إلى آسيا، ما يجعل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية من أبرز الأسواق المعرضة لتداعيات أي اضطراب طويل في حركة الملاحة. وفي عام 2025، مر عبر المضيق قرابة 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات، وفق وكالة الطاقة الدولية.

    اقرأ أيضا: لماذا فصل ترامب مفاوضات مضيق هرمز عن الملف النووي الإيراني؟

    وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن متوسط تدفقات النفط عبر المضيق بلغ 20.9 مليون برميل يوميًا في النصف الأول من 2025، قبل أن يتراجع بصورة حادة في 2026 مع تصاعد الأزمة. كما قدرت الوكالة، الطاقة البديلة المتاحة لتجاوز المضيق عبر خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية بنحو 3.5 إلى 5.5 مليون برميل يوميًا، ما يعني أن البدائل لا تستطيع تعويض كامل التدفقات المعتادة.

    الملاحة تتراجع بشدة

    انعكست المخاطر الأمنية سريعًا على حركة السفن. ووفق بيانات نقلتها رويترز في 21 سبتمبر، لم تعبر سوى 17 سفينة للسلع الأساسية مضيق هرمز خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقابل 37 سفينة في الأسبوع السابق، وبفارق كبير عن متوسط ما قبل الحرب البالغ نحو 125 سفينة يوميًا.

    وهذا يوضح نقطة اقتصادية مهمة: اضطراب التجارة لا يحتاج بالضرورة إلى إغلاق رسمي للممر البحري حتى يبدأ تأثيره. فارتفاع المخاطر الأمنية يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى تغيير المسارات، وتأجيل الرحلات أو البحث عن ترتيبات بديلة، فيما ترتفع تكاليف التأمين والنقل.

    وتظهر البيانات الرسمية الأميركية حجم التحول بوضوح أكبر. فقد بلغ متوسط تدفقات النفط عبر مضيق هرمز 14.9 مليون برميل يوميًا في الربع الأول من 2026، قبل أن يهبط إلى 4.9 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني. وفي الفترة نفسها، انخفضت تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق من 7.4 مليار قدم مكعبة يوميًا إلى 0.8 مليار قدم مكعبة يوميًا.

    فاتورة تتجاوز النفط

    الخطر الاقتصادي لا يتوقف عند أسعار الطاقة. فدول الخليج لاعب رئيسي في سلاسل توريد صناعية وزراعية تشمل الكبريت والأمونيا والأسمدة والبتروكيماويات والألمنيوم.

    ويشير البنك الدولي إلى أن نحو 15% من التجارة العالمية للأمونيا تمر عبر مضيق هرمز، بينما تمر عبره قرابة ثلث التجارة العالمية من الكبريت ونحو 15% من تجارة فوسفات ثنائي الأمونيوم، وهي مواد تدخل في إنتاج الأسمدة. وهذا يعني أن اضطرابات الملاحة يمكن أن تنتقل من سوق الطاقة إلى تكاليف الزراعة والغذاء.

    وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن اقتصادات الخليج توفر أكثر من نصف صادرات الكبريت العالمية ونحو ربع صادرات النفثا العالمية، إضافة إلى حصة مهمة من صادرات البولي إيثيلين والبولي بروبيلين. ولذلك فإن استمرار الاضطرابات قد يضغط على قطاعات صناعية لا ترتبط بالنفط مباشرة.

    وهنا تظهر طبيعة الصدمة الاقتصادية: ارتفاع كلفة الشحن والطاقة والمواد الأولية يمكن أن يضغط على الشركات، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، التي تكون عادة أقل قدرة على تغيير الموردين أو الأسواق بسرعة.

    150 مليار دولار

    في كلمتها أمام اجتماع مجلس الأمن بصيغة "آريا" في 17 سبتمبر، قالت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والأمينة التنفيذية للإسكوا رانيا المشاط إن تقديرات اللجنة تشير إلى أن كلفة النزاع خلال الشهر الأول من الأزمة بلغت 150 مليار دولار، أي نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي.

    اقرأ ايضا: بعد رفض رسوم إيران.. هل أحكمت أمريكا قبضتها على مضيق هرمز؟

    ومن المهم التعامل مع الرقم بدقة: 150 مليار دولار هو تقدير لكلفة النزاع على الاقتصادات العربية خلال الشهر الأول، وليس فاتورة مؤكدة ناتجة بالكامل عن إغلاق مضيق هرمز. وهذا التفريق مهم لأن آثار الأزمة تشمل الطاقة والتجارة والنقل والاستثمار والتمويل، إلى جانب الأضرار المباشرة في مناطق النزاع.

    وكانت تقديرات سابقة للإسكوا، في مارس 2026، قد أشارت إلى خسائر تقارب 63 مليار دولار خلال أول أسبوعين، مع احتمال اقترابها من 150 مليار دولار إذا استمرت الحرب شهرًا. ويظهر ذلك أن الرقم الذي أعلنته المشاط في سبتمبر يأتي ضمن تقديرات الإسكوا لتكلفة الأزمة الإقليمية.

    البدائل تواجه حدودًا

    أظهرت الأزمة أيضًا أن وجود مسارات بديلة لا يعني بالضرورة القدرة على استبدال مضيق هرمز بالكامل.

    فالسعودية والإمارات تمتلكان خطوط أنابيب يمكنها نقل جزء من صادرات النفط بعيدًا عن المضيق، لكن الطاقة المتاحة لهذه المسارات محدودة مقارنة بحجم التدفقات المعتادة. كما أن اضطرابات البحر الأحمر وباب المندب تقلص قدرة بعض المسارات البديلة على العمل بكفاءة.

    وفي 21 سبتمبر، أفادت رويترز بأن منتجي النفط في المنطقة لجؤوا بصورة متزايدة إلى عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قرب سلطنة عُمان للحفاظ على تدفق الصادرات، لكن تكلفة هذه العمليات مرتفعة، مع تجاوز تكاليف شحن بعض الناقلات العملاقة 30 دولارًا للبرميل.

    وهذا يفسر لماذا لا تعني إعادة توجيه الشحنات انتهاء المشكلة؛ فحتى عندما تصل السلعة إلى السوق، يمكن أن تصل بتكلفة أعلى، ما يضغط على هوامش الشركات والأسعار النهائية.

    الطاقة والأسواق العالمية

    بدأت تداعيات الأزمة بالظهور خارج المنطقة أيضًا. فقد أشارت رويترز في سبتمبر إلى أن اضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط أدت إلى فقدان نحو 36 مليون طن من الإمدادات، بينما ارتفعت أسعار الغاز الفورية في آسيا من نحو 10 دولارات إلى قرابة 30 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية خلال فترة الاضطراب.

    كما قالت قطر للطاقة في 21 سبتمبر إن الأزمة قد تؤخر بعض مراحل توسعة حقل الشمال الشرقي للغاز الطبيعي المسال، بعد تضرر منشآت في رأس لفان، ما يوضح أن تأثير اضطراب الملاحة قد يمتد إلى قرارات الاستثمار والإنتاج المستقبلية، وليس فقط الشحنات الحالية.

    وفي سوق النفط، بقيت الأسعار مرتفعة رغم محاولات المنتجين إيجاد طرق بديلة. ففي 16 سبتمبر، أغلقت العقود الآجلة لخام برنت عند 105.83 دولار للبرميل، وفق رويترز، في وقت كانت فيه الأسواق تراقب تداعيات اضطراب الإمدادات من الشرق الأوسط.

    ما الذي يعنيه ذلك؟

    تضع أزمة مضيق هرمز الاقتصاد العالمي أمام اختبار يتعلق بمرونة سلاسل الإمداد أكثر من مجرد تأمين ممر بحري واحد. فالنفط والغاز والمواد الكيميائية والأسمدة والسلع تتحرك ضمن شبكة مترابطة، وأي اضطراب في إحدى حلقاتها يمكن أن يرفع تكاليف النقل والإنتاج والتأمين في حلقات أخرى.

    ولهذا ركزت المشاط في اجتماع الأمم المتحدة على ثلاثة مسارات: حماية حرية الملاحة وسلامة السفن التجارية، الحد من اتساع الصراع وتداعياته العابرة للحدود، وتعزيز الجاهزية الإقليمية لحماية الإمدادات والخدمات الأساسية.

    اقرا أيضا: سوريا بديل لمضيق هرمز.. ممر جديد لنقل نفط العراق والخليج

    وتعمل الإسكوا، وفق الكلمة، مع الدول العربية على فريق إقليمي للنقل واللوجستيات وسلاسل الإمداد، بهدف دعم الاستجابة للأزمات وتعزيز التنسيق والرصد المبكر واستمرارية الأعمال.

    لكن التطور الأهم سيبقى مرتبطًا بمدة الاضطراب. فكلما طال تراجع حركة الملاحة، زادت احتمالات انتقال الصدمة من تكاليف الشحن والطاقة إلى التضخم والاستثمار والإنتاج وسلاسل الإمداد. أما عودة حركة السفن إلى مستوياتها الطبيعية، فستكون العامل الأساسي في تحديد ما إذا كانت الخسائر ستبقى صدمة مؤقتة أم تتحول إلى أثر اقتصادي أطول.

    الخلاصة

    تكشف أزمة مضيق هرمز أن أهمية الممرات البحرية لا تقاس بحجم التجارة التي تمر عبرها فقط، بل بمدى صعوبة استبدالها. ومع تقدير الإسكوا كلفة النزاع بنحو 150 مليار دولار في شهر واحد، أصبح أمن الملاحة عنصرًا مباشرًا في حسابات الطاقة والتجارة والاستثمار والتنمية في المنطقة والعالم.

    اقرأ أيضا: نفط العراق عبر سوريا.. هل يستمر الطريق بعد أزمة مضيق هرمز؟