تقارير اقتصادية

    لماذا فصل ترامب مفاوضات مضيق هرمز عن الملف النووي الإيراني؟

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •9 دقائق
    الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

    أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن فصل المفاوضات المتعلقة بمضيق هرمز عن المحادثات الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني تساؤلات واسعة بشأن أهداف واشنطن من إدارة الملفين بصورة مستقلة، وما إذا كانت هذه الخطوة تعكس تحولًا في الاستراتيجية الأمريكية تجاه طهران.

    وفي تعليقه على القرار، قال منير أديب، الخبير بالشأن السياسي والأمن القومي، إن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التعامل مع المفاوضات مع الجانب الإيراني عبر مسارين منفصلين، يعكس إدراك الإدارة الأمريكية للاختلاف الكبير بين طبيعة الملفين والمدة الزمنية اللازمة لمعالجة كل منهما.

    مضيق هرمز أولوية اقتصادية عاجلة

    وأوضح أديب أنّ ملف مضيق هرمز يمثل أولوية سياسية واقتصادية عاجلة بالنسبة لترامب، بينما يحتاج الملف النووي الإيراني إلى مفاوضات دبلوماسية أكثر تعقيدًا، قد تستغرق أسابيع أو أشهرًا، وربما تمتد إلى فترة أطول بسبب تعدد القضايا الفنية والسياسية والأمنية المرتبطة به.

    والتجارب السابقة تؤكد أن التوصل إلى اتفاق نووي شامل مع إيران ليس أمرًا سهلًا أو سريعًا، فقد استغرقت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ما يقارب العامين حتى توصلت إلى خطة العمل الشاملة المشتركة الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني.

    وفي هذا السياق، أشار أديب إلى أن الاتفاق السابق، رغم كونه شاملًا، لم يكن مثاليًا، لكنه جاء نتيجة مفاوضات طويلة وتحركات دبلوماسية قامت، في جانب منها، على إظهار الطرفين قدرًا من حسن النية والاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة.

    وأكد أديب أن ترامب يدرك أن استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز أو بقاء المضيق تحت ضغط التحركات الإيرانية ستكون له تداعيات شديدة الخطورة على الاقتصاد العالمي، نظرًا إلى أهمية المضيق في حركة التجارة الدولية ونقل النفط والغاز والإمدادات البحرية.

    وأوضح أن تداعيات أزمة مضيق هرمز لن تقتصر على دول الشرق الأوسط أو الدول المنتجة للطاقة، بل ستمتد إلى الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها الاقتصاد الأمريكي، من خلال ارتفاع أسعار الوقود والطاقة والسلع والغذاء وتكاليف النقل والتأمين.

    اقرأ أيضًا: هل أصبح خط سوميد حبل النجاة لأسواق النفط العالمية؟

    التضخم الداخلي وشعبية ترامب

    ولفت أديب إلى أنّ التأثير الداخلي للأزمة يمثل أحد أهم دوافع ترامب للفصل بين مسار التفاوض بشأن المضيق ومسار الملف النووي، موضحًا أن الرئيس الأمريكي يحتاج إلى تحقيق تقدم سريع في ملف حرية الملاحة، حتى يتمكن من الحد من التداعيات الاقتصادية والسياسية للأزمة داخل الولايات المتحدة.

    ومن ناحية أخرى، قال أديب إن ترامب يواجه تراجعًا في مستويات القبول الشعبي المرتبطة بإدارته للحرب وسياسته الخارجية، في وقت لا تحظى فيه المواجهة الحالية بتأييد واسع داخل المجتمع الأمريكي.

    وأضاف أن الموقف الحالي يضع ترامب أمام تناقض واضح مع الوعود التي قدمها خلال حملته الانتخابية عام 2024، عندما أكد أنه لن يزج بالولايات المتحدة في حروب لا تنتهي، وأنه لا يريد العودة إلى الانخراط العسكري طويل الأمد في منطقة الشرق الأوسط.

    وأوضح أن استمرار المواجهة يعرّض ترامب لاتهامات بالتراجع عن وعوده الانتخابية، لا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، التي تمثل اختبارًا مهمًا لشعبية الرئيس وقدرة حزبه على الاحتفاظ بنفوذه داخل المؤسسات التشريعية الأمريكية.

    اقرأ أيضاً: حرب إيران ترفع كلفة المعيشة على الأسر الأمريكية

    انقسام داخل حركة «ماغا»

    وأشار أديب إلى أن ترامب يتعرض لضغوط قوية من داخل قاعدته الانتخابية، وبصفة خاصة من أنصار حركة "ماغا" (Make America Great Again)، الذين دعموا وصوله إلى السلطة على أساس رفض التدخلات العسكرية الخارجية والحد من الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة باعتبارها شرطيًا للعالم.

    وأوضح أن قطاعًا من أنصار ترامب لا يرغب في تعريض أفراد القوات المسلحة الأمريكية للخطر من أجل ملفات السياسة الخارجية أو الدخول في صراع خارجي ممتد، وهو ما يفسر الضغوط التي يتعرض لها الرئيس من جانب جزء مهم من قاعدته السياسية.

    وأضاف أن الضغوط لا تقتصر على الجانب السياسي أو العسكري، إذ يواجه ملايين الأمريكيين ارتفاعًا في أسعار الوقود والطعام والكهرباء والغاز الطبيعي، نتيجة التداعيات الاقتصادية للمواجهة واضطراب حركة الطاقة والتجارة.

    وتابع أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى تراجع إضافي في شعبية ترامب وتفكك جانب من قاعدته الانتخابية، إلى جانب اتساع حالة الغضب بين بقية فئات المجتمع الأمريكي، وهو ما قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى التحرك بصورة أسرع قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر.

    اقرأ أيضًا: قبعة "ترامب 2028" تعيد الجدل حول الولاية الثالثة

    التنازلات جزء أساسي من أي تسوية

    وأكد أديب أن أي جهد دبلوماسي جاد لإنهاء الصراع لن يمنح جميع الأطراف كل ما تريده، موضحًا أن التوصل إلى حل سلمي يتطلب بالضرورة تقديم تنازلات متبادلة من الولايات المتحدة وإيران.

    وأضاف أن المفاوضات لا يمكن أن تنجح إذا تمسك كل طرف بالحصول على جميع مطالبه دون الاستعداد للتحرك خطوة نحو الطرف الآخر، مشيرًا إلى أن التسويات السياسية تقوم عادة على موازنة المصالح وتقديم حوافز وضمانات متبادلة.

    وأوضح أن الضغوط السياسية والاقتصادية والانتخابية التي يواجهها ترامب قد تدفعه إلى تقديم بعض التنازلات للجانب الإيراني فيما يتعلق بمضيق هرمز، خاصة إذا لم تتمكن الولايات المتحدة من ضمان فتح المضيق بصورة كاملة من خلال الوسائل العسكرية.

    وأشار إلى أن ترامب لا يواجه ضغوطًا داخلية فقط، بل يتعرض أيضًا لضغوط من حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج، الذين يدركون أن استمرار المواجهة والمناوشات الحالية ليس أمرًا يمكن تحمله لفترة طويلة.

    اقرأ أيضاً: فاتورة حرب إيران تتسع.. من أمريكا إلى الخليج

    ضغوط خليجية لوقف التصعيد

    وقال أديب إن عددًا من القادة العرب أجروا اتصالات مع ترامب، وطالبوا بضرورة الانتقال إلى المفاوضات والتوصل إلى حل دبلوماسي يمنع اتساع نطاق المواجهة.

    وأوضح أن الدول الخليجية تدرك أن إيران قد لا تستهدف الأراضي الأمريكية مباشرة، لكنها تستطيع ضرب المصالح الاستراتيجية الأمريكية والغربية في المنطقة، إلى جانب استهداف منشآت ومواقع داخل دول مثل الإمارات والبحرين والكويت.

    وتطرق إلى التقارير التي تحدثت عن اتصال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيس الأمريكي، ومطالبته بضرورة إطلاق مفاوضات والتوصل إلى حل دبلوماسي، محذرًا من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع إقليميًا.

    وأضاف أن هذه الضغوط تجعل خيار التسوية أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية، خاصة مع تزايد المخاوف لدى دول المنطقة من تحول المواجهة إلى صراع مفتوح يصعب احتواؤه.

    خطاب ترامب يتأرجح بين التهديد والصفقة

    وأكد أديب أن أحد عناصر الغموض في الأزمة يرتبط بشخصية ترامب وأسلوبه في إدارة الملفات الدولية، موضحًا أنه من الصعب توقع القرار الذي يمكن أن يتخذه الرئيس الأمريكي في اللحظة الأخيرة.

    وأشار إلى أن ترامب يستخدم أحيانًا لغة شديدة التصعيد عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، ويتحدث عن توجيه ضربات قوية أو تدمير الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لكنه يعود في أوقات أخرى للحديث عن وجود اتفاق قريب، أو عن إمكانية إبرام صفقة يصفها بأنها ستكون الأكبر في التاريخ.

    وأوضح أن هذا التناقض بين لغة التهديد والرغبة في عقد صفقة يعكس أسلوب ترامب التفاوضي، الذي يعتمد على رفع سقف التصعيد والضغط قبل الانتقال إلى طاولة المفاوضات.

    وأضاف أن الحلفاء في المنطقة والناخبين الأمريكيين قد يشعرون بمرور الوقت بالإرهاق من سياسة ترامب وتحركاته المتقلبة، خاصة مع تكرار التراجع عن بعض الوعود أو تغيير المواقف المعلنة.

    وأكد أن ترامب يحتاج إلى إدراك أن المخرج الحقيقي من الأزمة سيكون من خلال حل وسط، يجمع الولايات المتحدة وإيران على طاولة واحدة، في ظل استعداد الطرفين للتفاوض بحسن نية وتقديم تنازلات متبادلة.

    وحذر من أن عدم اقتناع الطرفين بأنهما لن يحصلا على كل ما يريدانه سيؤدي إلى استمرار التصعيد واتساع نطاقه، بما يهدد المزيد من دول المنطقة، كما ظهر في الضربات والتوترات التي طالت الكويت وسلطنة عمان والإمارات والأردن ومصر.

    الأموال الإيرانية محور رئيس في التفاوض

    وأوضح أديب أن ملف الأموال والأصول الإيرانية المجمدة يمثل أحد المحاور الأساسية في أي مفاوضات بين واشنطن وطهران، خاصة في ظل مطالبة الجانب الإيراني بالإفراج عن جزء من هذه الأموال، باعتبار ذلك بادرة لحسن النية وحافزًا اقتصاديًا يمكن أن يدفع إيران إلى الاستمرار في المسار الدبلوماسي.

    وأشار إلى أن ترامب سبق أن أكد أنه لن يعيد أموالًا إلى إيران، قبل أن تطرح لاحقًا إمكانية إعادة جزء من الأموال من خلال مؤسسات أو آليات غير مباشرة تخضع لترتيبات وضوابط أمريكية.

    وأضاف أن الجدل بشأن الأصول الإيرانية المجمدة ليس جديدًا، إذ استخدم ترامب هذا الملف خلال حملاته الانتخابية عامي 2016 و2024، ووجه انتقادات إلى إدارة أوباما، متهمًا إياها بمنح إيران نحو 1.7 مليار دولار.

    وأوضح أن الأموال التي تم الإفراج عنها في السابق كانت في الأساس أموالًا إيرانية مودعة في مصارف خارجية، وليست أموالًا أمريكية تم منحها لطهران، مشيرًا إلى أن استعادة جانب من هذه الأصول تمثل مطلبًا أساسيًا بالنسبة إلى إيران.

    كما تطرق إلى ما ورد بشأن إمكانية تخصيص نحو 300 مليار دولار في صندوق لإعادة إعمار إيران، موضحًا أن مثل هذه المقترحات تثير اعتراضات داخل الولايات المتحدة، لكن الحوافز الاقتصادية تظل جزءًا مهمًا من أي تسوية شاملة.

    مضيق هرمز

    إعادة إعمار إيران والاندماج الاقتصادي

    وقال أديب إن عودة إيران إلى المجتمع الدولي والاقتصاد العالمي بصورة أكثر فاعلية تتطلب حصولها على بعض مواردها المالية وأصولها المجمدة، حتى تتمكن من الاستثمار في إعادة الإعمار وتحسين البنية التحتية.

    وأضاف أن حرمان طهران بصورة كاملة من الأموال والموارد الاقتصادية سيضعف الحوافز التي تدفعها إلى العودة إلى طاولة المفاوضات بحسن نية، مؤكدًا أن التوصل إلى اتفاق يتطلب تحرك الطرفين واستعدادهما لتقديم تنازلات، حتى لو بدت بعض هذه التنازلات صعبة أو غير مقبولة لدى قطاعات داخلية.

    كما أوضح أديب أن العامل الاقتصادي يمثل أحد الأسباب الرئيسة التي يمكن أن تعيد إيران إلى المفاوضات، خاصة في ظل القيود الأمريكية المفروضة على حركة الصادرات الإيرانية وما تستطيع طهران تصديره عبر مضيق هرمز.

    وأشار إلى أن العودة إلى طاولة التفاوض قد تسمح باستئناف تصدير جانب من النفط الإيراني، بما ينعش الخزانة الإيرانية ويوفر موارد تساعد الاقتصاد الإيراني على مواجهة الضغوط الداخلية.

    ولفت إلى أن السؤال المتعلق بمدى إسهام هذه الموارد في استمرار النظام الإيراني وبقائه يمثل أحد الأسئلة المطروحة بقوة في واشنطن والشرق الأوسط، خاصة أن رفع القيود الاقتصادية قد يمنح طهران قدرة أكبر على تجاوز تداعيات المواجهة.

    الحصار المتبادل يضر بالاقتصاد العالمي

    وأكد أديب أن الحديث عن حصار أمريكي لإيران أو حصار إيراني للملاحة في مضيق هرمز يجب أن يضع في الاعتبار أن كلا المسارين يترك تداعيات اقتصادية مباشرة على العالم والمجتمع الدولي.

    وأوضح أنه في حال موافقة إيران على ضمان حرية الملاحة، باعتبارها متطلبًا يرتبط بالقانون الدولي وقانون البحار التابع للأمم المتحدة، فسيكون من الضروري السماح بمرور السفن التجارية وناقلات الطاقة والحاويات عبر المضيق دون تهديد.

    وأضاف أنه في هذه الحالة لن تكون هناك حاجة إلى استمرار التحركات الأمريكية الرامية إلى حصار إيران أو تقييدها بحجة حماية الملاحة، لأن حرية المرور ستصبح جزءًا من الاتفاق المبرم بين الطرفين.

    وأشار إلى أن الولايات المتحدة وإيران يمكنهما، من خلال التوصل إلى تسوية، العمل من أجل حماية المصلحة العامة المرتبطة باستقرار الاقتصاد العالمي، بعد أن أدت الأزمة إلى ضغوط اقتصادية واسعة على المجتمعات والدول المختلفة.

    قد يهمّك أيضًا: إعلان إيران بإغلاق مضيق هرمز يوسع دائرة التصعيد مع واشنطن

    سيناريو التسوية الأفضل

    وقال أديب إن السيناريو الأفضل يتمثل في الوصول إلى معادلة تسمح لإيران بتحقيق قدر من التنمية والاستدامة الاقتصادية، بالتوازي مع احتفاظ الولايات المتحدة بمصالحها ومواقعها الاستراتيجية وعدم تقديم تنازلات كاملة لطهران مقابل فتح مضيق هرمز أو وقف المناوشات.

    وأضاف أن واشنطن لن تتخلى بصورة كاملة عن أوراقها الاستراتيجية لمجرد فتح المضيق، كما أن طهران لن تقبل وقف تحركاتها دون الحصول على مقابل سياسي أو اقتصادي واضح.

    واختتم منير أديب تصريحاته بالتأكيد على أن هذه التفاصيل تمثل جوهر الجهود الدبلوماسية، وأن نجاحها يتطلب وضع مصالح جميع الأطراف في الاعتبار؛ بما في ذلك أمن دول المنطقة، واستقرار الملاحة الدولية، وضمانات البرنامج النووي، إلى جانب الحوافز المالية والاقتصادية التي يمكن أن تشجع إيران على الالتزام بأي اتفاق يتم التوصل إليه.