دخلت الولايات المتحدة سوق الصرف إلى جانب اليابان لدعم الين، في تحرك نادر أكدته طوكيو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد أيام من الضغوط القوية على العملة اليابانية.
وقالت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما إن بلادها اشترت الين بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأمريكية، مع إبقاء احتمال تكرار التدخل قائماً إذا عادت التقلبات الحادة.
لكن ما لفت الأسواق لم يكن التدخل الأمريكي نفسه فقط، بل طريقة تنفيذه؛ فقد أفادت صحيفة "فايننشال تايمز" بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك باع اليورو واشترى الين نيابة عن وزارة الخزانة الأمريكية، بدلاً من بيع الدولار مباشرة، ولم تكشف الخزانة الأمريكية عن حجم العملية أو تفاصيلها الفنية.
أول تدخل أمريكي لشراء الين منذ 1998
تدخل واشنطن لشراء الين ليس إجراءً معتاداً، فبحسب السجل التاريخي لوزارة الخزانة الأمريكية كانت آخر مرة اشترت فيها السلطات النقدية الأمريكية الين في يونيو 1998، عندما بلغت قيمة العملية 833 مليون دولار.
وتعطي المشاركة الأمريكية التدخل وزناً أكبر من عمليات الشراء اليابانية المنفردة؛ فالأسواق لا تقرأها باعتبارها محاولة قصيرة الأجل ومنفردة لتحسين سعر صرف الين فحسب، بل باعتبارها رسالة سياسية أيضاً، مفادها أن الإدارة الأمريكية ترى أن هبوط الين أصبح سريعاً ومضطرباً بدرجة تستدعي التحرك السريع.
وكان الدولار قد تجاوز مستوى 163 ين قبل التدخلات الأخيرة، ثم تراجع إلى ما دون 160 ين. وبعد الإعلان الرسمي عن العملية المشتركة اقترب من 155 ين في التعاملات الآسيوية يوم الاثنين، وفقاً لبيانات نقلتها أسوشيتد برس.
اقرأ المزيد حول: كواليس الشراء الأمريكي للين الياباني لأول مرة منذ 1998
لماذا تم الشراء عبر اليورو لا الدولار؟
بيع اليورو مقابل شراء الين يسمح للخزانة الأمريكية بدعم العملة اليابانية دون الظهور في السوق كبائع مباشر للدولار، وهذه نقطة مهمة لإدارة تتمسك علناً بسياسة الدولار القوي، ولا تريد أن تبدو وكأنها تستهدف خفض عملتها لتحسين تنافسية الصادرات الأمريكية.
ولا يعني ذلك أن العملية بلا أثر أوسع في سوق الدولار، لكنه يغيّر الرسالة المباشرة للتدخل؛ فبدلاً من صفقة دولار مقابل ين تصبح العملية بين عملتين أجنبيتين تملكهما الولايات المتحدة ضمن احتياطياتها الرسمية.
ويمتلك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك صلاحية تنفيذ عمليات الصرف نيابة عن صندوق استقرار الصرف التابع للخزانة، وتضم الاحتياطيات الأمريكية بالفعل أرصدة باليورو والين.
كما أن اختيار اليورو عملي من ناحية السيولة، فهو ثاني أكثر العملات تداولاً في العالم، وظهر في 28.9% من معاملات الصرف العالمية في أبريل 2025 في سوق بلغ متوسط التداول اليومي فيها 9.6 تريليون دولار. بحسب بنك التسويات الدولية.
اقرأ أيضًا: ديون الاقتصادات المتقدمة تقترب من 76 تريليون دولار
ضعف الين يضغط على طوكيو
يعود ضعف الين أساساً إلى اتساع الفجوة بين أسعار الفائدة في الولايات المتحدة واليابان، فالعائد الأعلى على الأصول المقومة بالدولار يدفع المستثمرين إلى بيع الين وشراء الدولار، بينما أبقى بنك اليابان والاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعيهما الأخيرين.
وتتحمل اليابان كلفة مرتفعة لهذا الضعف؛ فالبلاد تعتمد على استيراد الطاقة والغذاء وجزء كبير من احتياجاتها الاستهلاكية، ما يجعل تراجع العملة عاملاً مباشراً في رفع الأسعار المحلية، وقد زادت قفزة أسعار الطاقة من حساسية الملف سياسياً واقتصادياً.
بالنسبة للحكومة اليابانية، قد يفيد الين الضعيف المصدرين ويجذب السائحين، لكنه يضغط في المقابل على الأسر والشركات التي تشتري الوقود والمواد الخام والغذاء من الخارج، لذلك لا تستهدف طوكيو بالضرورة مستوى محدداً لسعر الصرف بقدر ما تحاول وقف التحركات السريعة التي تزيد كلفة الواردات وتغذي التضخم.
هل ينجح التدخل المشترك في حماية الين؟
ينسجم التدخل مع البيان المشترك الصادر عن وزارتي مالية البلدين في سبتمبر 2025، والذي أكد أن أسعار الصرف يجب أن تحددها السوق، وأن التدخل يظل أداة مخصصة لمواجهة التقلبات المفرطة والتحركات غير المنتظمة.
ولهذا، قد ينجح التدخل في إجبار المضاربين على إعادة حساباتهم، خاصة مع مشاركة واشنطن، لكنه لا يعالج وحده أسباب ضعف الين، وفي مقدمتها فارق الفائدة وتكلفة الطاقة والوضع الاقتصادي في اليابان.
والأهم في العملية هي الطريقة التي اختارت بها الولايات المتحدة مساندة حليف رئيس، دون أن تضع الدولار في واجهة الصفقة، بينما سيعتمد استمرار تعافي الين في النهاية على السياسة النقدية اليابانية ومسار الفائدة الأمريكية، لا على تدخل واحد مهما كان حجمه.
قد يهمّك أيضًا: هل يتأخر الفيدرالي الأمريكي في مواجهة التضخم؟
