نفّذت الولايات المتحدة تدخلًا نادرًا في سوق العملات، بشراء العملة اليابانية للمرة الأولى منذ 1998، في خطوة مشتركة مع اليابان استهدفت دعم الين الياباني بعد تراجعها إلى أدنى مستوياتها أمام الدولار منذ نحو 40 عاما.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن هذه الخطوة جاءت باعتبارها "بادرة صداقة" تجاه اليابان، مؤكدًا أنّ واشنطن تحركت لمساعدة طوكيو في مواجهة الضعف الحاد الذي أصاب عملتها.
ويستهدف التدخل الثنائي زيادة الطلب على الين والحد من التقلبات الحادة وغير المنتظمة في سعره أمام الدولار والعملات العالمية الرئيسة.
لماذا تهتم الولايات المتحدة بقوة الين؟
ترتبط مصلحة الولايات المتحدة في دعم الين بتأثير قوة الدولار في القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية، إذ إنّ ارتفاع قيمة العملة الأمريكية يجعل السلع والمنتجات القادمة من الولايات المتحدة أكثر تكلفة بالنسبة إلى المستهلكين والشركات في الأسواق الخارجية.
وفي المقابل، يمنح ضعف الين بعض المزايا للاقتصاد الياباني، خاصة للشركات المصدرة التي تحصل على عائداتها بالدولار والعملات الأجنبية، كما يجعل زيارة اليابان أقل تكلفة بالنسبة إلى السياح الأجانب.
لكن استمرار انخفاض قيمة العملة اليابانية يؤدي، في الوقت نفسه، إلى زيادة تكلفة الواردات، وفي مقدمتها النفط والغاز والمواد الغذائية، ما يرفع تكاليف الإنتاج والمعيشة ويغذي معدلات التضخم داخل البلاد.
اقرأ أيضاً: أزمة الثقة تهز الين والسندات اليابانية بعد خطة التحفيز
كيف وصل الين إلى أدنى مستوياته؟
رغم أن اليابان تعد واحدة من أكبر الاقتصادات العالمية، فإن عملتها تعاني ضعفًا ممتدًا منذ سنوات، نتيجة السياسات النقدية التي اتبعتها طوكيو منذ الانكماش والركود الاقتصادي اللذين ضربا البلاد خلال تسعينيات القرن الماضي.
وأبقت اليابان أسعار الفائدة عند مستويات شديدة الانخفاض لفترات طويلة، وصلت في بعض الأحيان إلى الصفر أو إلى مستويات سالبة، في محاولة لتحفيز الإنفاق والاستثمار وإنعاش النمو الاقتصادي.
واستمر هذا النهج طوال العقد الثاني من الألفية، في ظل معاناة الاقتصاد الياباني من ضعف الطلب المحلي وانخفاض معدلات التضخم، ودخوله أحيانًا في موجات من انكماش الأسعار.
اقرأ أيضًا: كيف تؤثر أسعار الفائدة على التضخم والاقتصاد العالمي
فجوة الفائدة تضغط على العملة اليابانية
رغم اتجاه اليابان إلى رفع أسعار الفائدة خلال عام 2024، واصل الين تراجعه أمام الدولار، لأن أسعار الفائدة اليابانية لا تزال أقل من نظيراتها في الاقتصادات الكبرى.
وفي المقابل، رفعت البنوك المركزية الغربية أسعار الفائدة بقوة خلال السنوات الماضية لمواجهة التضخم، ما زاد جاذبية الدولار والعملات التي تمنح المستثمرين عوائد أعلى مقارنة بالين.
ودفعت هذه الفجوة عددًا من المستثمرين إلى الاقتراض بالين منخفض التكلفة، ثم توجيه الأموال إلى أصول وعملات تحقق عوائد أعلى، وهو ما زاد الضغوط على العملة اليابانية ودفعها إلى مزيد من التراجع.
اقرأ أيضًا: ما هي السندات ذات العائد السلبي؟ رغبة في خسارة أم ملاذ آمن؟
الحرب مع إيران ترفع تكاليف الطاقة والغذاء
فاقمت الحرب مع إيران الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد الياباني خلال العام الجاري، بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية؛ حيث تعتمد اليابان بدرجة مرتفعة على استيراد النفط والغاز، إضافة إلى حصة كبيرة من احتياجاتها الغذائية، ما يجعلها شديدة التأثر بأي ارتفاع في أسعار الطاقة والسلع الأساسية عالميًا.
وضعف الين يؤدي إلى مضاعفة هذه الضغوط، لأن الشركات والمستهلكين اليابانيين يضطرون إلى دفع مبالغ أكبر بالعملة المحلية لشراء السلع المسعرة بالدولار، وفي مقدمتها النفط والغاز.
ونتيجة لذلك، ارتفعت تكاليف المعيشة داخل اليابان، وتزايد الضغط على الحكومة وبنك اليابان لاتخاذ إجراءات تحد من تراجع العملة وتمنع انتقال ارتفاع تكاليف الواردات إلى المستهلكين.
تدخلات سابقة لدعم الين الياباني
سبق لبنك اليابان التدخل في سوق الصرف الأجنبي لدعم الين خلال أواخر أبريل ومطلع مايو، بعدما تعرضت العملة اليابانية لموجة جديدة من الانخفاض.
وساهمت عمليات التدخل السابقة في رفع قيمة الين بصورة مؤقتة، لكنها لم تنجح في تغيير الاتجاه العام للعملة أو وقف تراجعها بصورة دائمة.
وأظهرت التجربة أن ضخ الأموال وشراء الين يمكن أن يحدا من سرعة الانخفاض ويواجها المضاربات، لكنهما لا يعالجان بصورة كاملة الأسباب الأساسية لضعف العملة، وفي مقدمتها فجوة أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة وارتفاع تكاليف استيراد الطاقة.
دعم الين الياباني.. خطوة أمريكية استثنائية
وفي هذا السياق، قال الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، إن التدخل الأمريكي المفاجئ لدعم الين الياباني يمثل خطوة استثنائية لم تلجأ إليها الولايات المتحدة منذ 1998، بعدما تحركت الحكومة الأمريكية بصورة مباشرة لوقف الخسائر الحادة التي تعرضت لها العملة اليابانية.
وأوضح شوقي أن عملية التدخل تمت بصورة مشتركة بين الولايات المتحدة واليابان، في محاولة لوقف الانخفاض المتواصل في قيمة الين، ومنع انتقال تداعياته من سوق الصرف اليابانية إلى أسواق المال والسندات العالمية.
التقارير أشارت إلى أنّ تنفيذ عملية التدخل تمّ من خلال شراء الين الياباني مقابل بيع الدولار أو اليورو، وهي آلية تستهدف زيادة الطلب على العملة اليابانية ودعم قيمتها أمام العملات الرئيسة.
ويقول شوقي إنّ القيمة المستخدمة في عملية التدخل بلغت ما لا يقل عن 34 مليار دولار، رغم عدم وجود بيانات رسمية مؤكدة، ما يعكس حجم الضغوط التي تعرضت لها العملة اليابانية، ومدى القلق من استمرار تراجعها وتأثير ذلك في الأسواق المالية داخل اليابان وخارجها، وفقًا لشوقي.

اقرأ أيضًا: كيف أنقذ الفيدرالي الين الياباني دون مساس بالدولار؟
سندات الخزانة.. المصالح الأمريكية وراء دعم الين
أكد الخبير الاقتصادي أن التحرك الأمريكي لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد مساعدة تقدمها واشنطن إلى طوكيو، فهو يرتبط بصورة مباشرة بالمصالح المالية والاقتصادية للولايات المتحدة، إذ تعد اليابان أكبر مالك أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية، وهي السندات التي تصدرها الحكومة الأمريكية وتطرحها أمام المستثمرين من أجل تمويل الإنفاق العام والاحتياجات المالية للدولة، وطوكيو تمتلك منها ما يقدر بنحو 1.14 تريليون دولار.
وتراجع الين -وفقًا لشوقي- تزامن مع انخفاض حيازات اليابان من سندات الخزانة الأمريكية بنحو 96 مليار دولار بين فبراير ومايو، وهو ما يرى عدد من المحللين أنه قد يعكس بيع جزء من تلك السندات لتوفير السيولة اللازمة للتدخل في سوق الصرف.
وأشار شوقي إلى أن زيادة مبيعات السندات يمكن أن تؤدي إلى انخفاض أسعارها وارتفاع العوائد عليها، الأمر الذي يرفع تكلفة الاقتراض التي تتحملها الحكومة الأمريكية. هذه التطورات تكتسب أهمية خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض الأمريكية بالفعل، ما يعني أن موجة بيع إضافية من جانب اليابان قد تفرض ضغوطًا أكبر على الموازنة الأمريكية وسوق الدين.
قد يهمّك أيضًا: كيف يهدد التصعيد بين الصين واليابان مصالح الطرفين؟
اضطراب الأسواق اليابانية يهدد الاقتصاد العالمي
وأضاف شوقي أن حماية سوق السندات الأمريكية ليست السبب الوحيد وراء التدخل، موضحًا أن اليابان تمتلك ثالث أكبر سوق للأسهم والسندات في العالم.
وأشار إلى أن القيمة الإجمالية لسوق الأسهم اليابانية تتجاوز 8.6 تريليون دولار، بينما تتخطى قيمة سوق السندات الحكومية اليابانية 12 تريليون دولار.
وأوضح أن ضخامة السوق اليابانية تعني أن أي اضطراب حاد فيها لن يبقى محصورًا داخل اليابان، بل سينتقل سريعًا إلى الأسواق المالية العالمية، وفي مقدمتها السوق الأمريكية.
ولفت إلى أن استمرار ضعف الين قد يدفع المستثمرين والمؤسسات اليابانية إلى إعادة ترتيب محافظهم الاستثمارية أو بيع جانب من أصولهم الخارجية، بهدف توفير السيولة اللازمة في الداخل، وهو ما قد يؤدي إلى تقلبات واسعة في أسواق الأسهم والسندات والعملات.
وهذا يعني أنّ التدخل المشترك يستهدف احتواء أزمة العملة اليابانية قبل تحولها إلى أزمة أوسع داخل أسواق المال العالمية، موضحًا أن الولايات المتحدة تسعى إلى حماية سوق السندات لديها، بالتوازي مع الحفاظ على استقرار أحد أكبر الاقتصادات والأسواق المالية في العالم.
ترامب لا يريد اضطرابات مالية جديدة
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب -بحسب شوقي- لا يريد مواجهة اضطراب مالي جديد خلال المرحلة الحالية، خاصة أن أي ارتفاع إضافي في عوائد السندات أو تكاليف الاقتراض يمكن أن ينعكس سلبًا على الاقتصاد الأمريكي والأسواق المالية.
لا سيّما أنّ أي هزة قوية في السوق اليابانية، التي تتجاوز قيمة سوق الأسهم فيها 8.6 تريليون دولار، وتبلغ قيمة سوق السندات الحكومية بها أكثر من 12 تريليون دولار، قد تمتد تداعياتها إلى الولايات المتحدة وبقية الأسواق العالمية.
واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن التدخل الأمريكي لدعم الين لا يعبر عن تحرك منفصل لحماية الاقتصاد الياباني فقط، بل يمثل إجراءً وقائيًا لحماية المصالح الأمريكية، والحد من ارتفاع تكلفة الاقتراض، ومنع اليابان من بيع كميات إضافية من سندات الخزانة، وتجنب اضطراب مالي قد يؤثر في الاقتصاد العالمي بأكمله.
