اقتصادات عالمية

    ديون الاقتصادات المتقدمة تقترب من 76 تريليون دولار

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •4 دقائق
    متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك.

    تتجه الديون الحكومية في الاقتصادات المتقدمة إلى تسجيل مستوى قياسي جديد بنهاية العام الجاري، إذ تتوقع وكالة "فيتش ريتينغز" وصولها إلى 75.8 تريليون دولار، بما يعادل 104% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الاقتصادات.

    يعني ذلك أن الدين سيرتفع بنحو 4.2 تريليون دولار خلال عام واحد، وهذا الرقم لا يتعلق بدولة بعينها، بل بإجمالي اقتراض الحكومات في الاقتصادات المتقدمة، من الولايات المتحدة وأوروبا إلى اليابان وغيرها من كبار المقترضين.

    ورغم أن الحكومات خرجت تدريجياً من مرحلة الإنفاق الاستثنائي التي صاحبت جائحة "كوفيد-19". فإن العجز لم يعد إلى مستوياته السابقة؛ فقد جاءت الحرب في أوكرانيا، ثم التوترات في الشرق الأوسط، في وقت تواجه فيه الدول نفسها ضغوطاً متزايدة لتمويل الدفاع والرعاية الصحية والتكيف مع تغير المناخ.

    اطّلع على تفاصيل تحذير جيمي ديمون: الأسهم والسندات الأمريكية في منطقة الخطر

    عقدان من الاقتراض المتواصل

    قبل نحو 20 عاماً، بلغت الديون الحكومية في الاقتصادات المتقدمة 26 تريليون دولار، أو ما يعادل 68% من الناتج المحلي الإجمالي، أما اليوم فالقيمة المتوقعة بنهاية 2026 تقترب من ثلاثة أمثال هذا الرقم.

    الجدير بالذكر أنّ هذا الارتفاع لا يعود إلى أزمة واحدة؛ فالأزمة المالية العالمية في 2008 دفعت الحكومات إلى دعم البنوك والاقتصادات، ثم جاءت أزمة ديون منطقة اليورو، وبعدها الجائحة التي فرضت إنفاقاً واسعاً لحماية الوظائف والشركات. ولم تلبث هذه الضغوط أن تبعتها زيادة الإنفاق العسكري وأمن الطاقة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، ثم تداعيات الصراع الأمريكي الإيراني.

    في معظم هذه المحطات، اختارت الحكومات الاقتراض لتخفيف أثر الصدمة على الاقتصاد، لكن ما كان حلاً مؤقتاً في كل أزمة تحول مع مرور الوقت إلى رصيد دين أكبر، يحتاج إلى تمويل وإعادة تمويل بفوائد أعلى.

    وتقدر "فيتش" أن أكبر 10 اقتصادات متقدمة ستستحوذ وحدها على 69 تريليون دولار من إجمالي الدين، بما يعادل 114.5% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهذا يوضح أن الزيادة لا تأتي من اقتصادات صغيرة، بل من الدول التي تشكل الجزء الأكبر من الاقتصاد العالمي وسوق السندات.

    أمريكا تتصدر عجز الموازنة بين الاقتصادات المتقدمة

    تتوقع "فيتش" أن تسجل الولايات المتحدة أكبر عجز في الموازنة بين الاقتصادات المتقدمة الكبرى خلال 2026، عند 7.8% من الناتج المحلي الإجمالي، أو نحو 2.5 تريليون دولار.

    وبالمقارنة، من المتوقع أن يبلغ العجز في فرنسا 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي المملكة المتحدة 4.8%، وألمانيا 3.7%، واليابان 3.1%.

    ويمثل العجز الفرق بين ما تجمعه الحكومة من إيرادات وما تنفقه، وعندما يستمر هذا الفرق مرتفعاً تلجأ الدولة إلى إصدار مزيد من السندات لتمويله ما يضيف إلى الدين القائم ويزيد عبء الفوائد في السنوات التالية.

    وتتوقع الوكالة ارتفاع نسبة الدين الأمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 131.5% بحلول 2030، مقارنة بنحو 120% هذا العام. أما اليابان، فمن المرجح أن تسجل انخفاضاً محدوداً في نسبة دينها، لكنها ستبقى الأعلى بين الاقتصادات المتقدمة الكبرى عند نحو 192% من الناتج المحلي الإجمالي.

    اقرأ أيضًا: ألمانيا تتجه إلى ديون قياسية في موازنة 2027

    الإنفاق الدفاعي والفائدة يضغطان على الموازنات

    تواجه الحكومات اليوم التزامات لم تكن بالحجم نفسه قبل سنوات؛ فالإنفاق الدفاعي في أوروبا يرتفع مع تغير البيئة الأمنية. وتتوقع "فيتش" زيادة متوسط هذا الإنفاق بنحو 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي بين 2025 و2029.

    وفي الوقت نفسه، تزيد شيخوخة السكان كلفة المعاشات والرعاية الصحية، بينما تحتاج خطط مواجهة تغير المناخ إلى استثمارات في الطاقة والبنية التحتية والحماية من الظواهر الجوية المتطرفة.

    لكن العبء الأكثر إلحاحاً يتمثل في كلفة الاقتراض، فمع ارتفاع أسعار الفائدة تدفع الحكومات مبالغ أكبر لخدمة ديونها، خاصة عند استحقاق السندات القديمة وإصدار سندات جديدة بعوائد أعلى.

    وتشير "فيتش" إلى أن عوائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات في الاقتصادات الكبرى تراجعت قليلاً بعد ذروتها خلال الصراع الأمريكي الإيراني، لكنها لا تزال أعلى بنحو 51 نقطة أساس من مستويات ما قبل الحرب. وكل ارتفاع في العوائد يعني أن تمويل العجز يصبح أكثر كلفة، وأن مساحة الإنفاق على الخدمات والاستثمار تضيق.

    الذكاء الاصطناعي ليس حلاً مضموناً

    ترى "فيتش" أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد -خاصة في الولايات المتحدة- على رفع الإنتاجية وتحسين النمو، وهو ما قد يخفف نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بمرور الوقت.

    لكن الوكالة لا تتعامل مع هذا الاحتمال باعتباره نتيجة محسومة؛ فتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي قد يؤدي أيضاً إلى فقدان بعض الوظائف، وزيادة الإنفاق على الدعم الاجتماعي، وتراجع جزء من الإيرادات الضريبية إذا لم تتكيف أسواق العمل والأنظمة الضريبية بسرعة.

    لذلك، لا يكفي نمو الاقتصاد وحده لحل مشكلة الدين، فالمسألة ستبقى مرتبطة بقدرة الحكومات على تقليص العجز، وضبط كلفة الإنفاق، والحفاظ على ثقة المستثمرين في سوق السندات.

    وتظهر توقعات "فيتش" أن ملف الدين عاد إلى صدارة النقاش الاقتصادي في الدول المتقدمة، بعد سنوات من التعامل معه باعتباره نتيجة يمكن تأجيلها، فمع ارتفاع الفائدة وتزايد الإنفاق لم يعد الاقتراض خياراً بلا كلفة.

    قد يهمّك أيضًا: هل يواجه العالم خامس أزمة غذائية كبرى؟