قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، مواصلًا نهجه الحذر في إدارة السياسة النقدية، في ظل استمرار مراقبة تطورات معدلات التضخم وأداء النشاط الاقتصادي.
وبموجب القرار، استقر النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بين 3.50% و3.75%، دون تغيير عن مستوياته السابقة.
ويعكس تثبيت أسعار الفائدة استمرار البنك المركزي الأمريكي في تقييم تأثير السياسة النقدية الحالية على الاقتصاد، ومدى انعكاس مستويات الفائدة على التضخم والنمو والطلب والإنفاق.
ويستهدف البنك المركزي الأمريكي إعادة معدل التضخم إلى مستوى 2% على المدى الطويل، وهو المستوى الذي يراه متوافقًا مع تحقيق استقرار الأسعار ودعم النمو الاقتصادي بصورة مستدامة. ويشير قرار التثبيت إلى تمسك الفيدرالي بسياسة التريث وعدم التعجل في تغيير أسعار الفائدة، لحين التأكد من اتجاه التضخم ومدى استجابة الاقتصاد للإجراءات النقدية المطبقة.
هل يتأخر الفيدرالي الأمريكي في مواجهة التضخم؟
وفي تعليقه على القرار، قال الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، إن قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تثبيت أسعار الفائدة يثير مخاوف من تأخر البنك المركزي في مواجهة الضغوط التضخمية، بما قد يضطره لاحقًا إلى اتخاذ إجراءات نقدية أكثر تشددًا للسيطرة على ارتفاع الأسعار.
وأضاف الجرم أن الفيدرالي فضل الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، رغم تبنيه لهجة متشددة بشأن مستقبل السياسة النقدية واستمرار مخاطر التضخم، موضحًا أن هذا التباين بين الخطاب المتشدد والقرار الفعلي يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مدى تأثر السياسة النقدية ببعض التوجهات والضغوط السياسية.
وأشار إلى أن قرار تثبيت الفائدة قد يكون مدفوعًا جزئيًا برغبة الفيدرالي في التريث ومراقبة البيانات الاقتصادية المقبلة، لكنه لا يستبعد وجود اعتبارات سياسية تحيط بالقرار، بالنظر إلى التأثير الواسع لأسعار الفائدة على معدلات النمو والتوظيف والاستثمار والأسواق المالية.
اقرأ أيضًا: تفتيش أمريكي لمصانع صينية في فيتنام.. مخاوف من رسوم جمركية
تراجع بيانات التضخم يدعم قرار الفيدرالي
وأوضح الخبير الاقتصادي أن الفيدرالي الأمريكي استند، على الأرجح، إلى بيانات التضخم الأخيرة التي أظهرت تراجعًا ملحوظًا في مؤشر أسعار المستهلكين، وبصفة خاصة مؤشر التضخم الأساسي، وهو ما منحه مساحة للإبقاء على الفائدة عند مستوياتها الحالية وعدم اتخاذ قرار جديد برفعها.
ومع ذلك، أكد الجرم أن تراجع التضخم في بعض القراءات لا يعني انتهاء المخاطر، مشيرًا إلى أن التضخم لا يزال يتسم بالجمود، وقد يصعب خفضه بصورة مستدامة إلى المستويات المستهدفة دون استمرار السياسة النقدية المتشددة.
وتوقع أن تتحرك قراءة التضخم المقبلة في نطاق يتراوح بين 3.6% و3.7%، وهو مستوى يؤكد، وفقًا لرؤيته، أن الضغوط السعرية لا تزال قائمة، وأن التضخم لم يتراجع حتى الآن بالقدر الذي يسمح للفيدرالي بالاطمئنان الكامل إلى مساره المستقبلي.
وأشار إلى أن الفيدرالي كان بإمكانه اتخاذ إجراء استباقي من خلال رفع أسعار الفائدة، بما يساعد على كبح جماح التضخم واختصار الوقت اللازم لإعادته إلى المستويات المستهدفة، بدلًا من الانتظار حتى تتزايد الضغوط السعرية ويصبح التعامل معها أكثر صعوبة وتكلفة على الاقتصاد.
وأوضح الجرم أن اتخاذ خطوة استباقية كان من شأنه أيضًا تعزيز مصداقية الفيدرالي في مكافحة التضخم، وضبط توقعات المستهلكين والمستثمرين، ومنع ترسخ الاعتقاد بأن البنك المركزي قد يتسامح مع استمرار ارتفاع الأسعار لفترة أطول.
هل تحول الفيدرالي إلى سياسة نقدية أقل تشددًا؟
وأوضح الجرم أن تثبيت أسعار الفائدة لا يعني بالضرورة تحول الفيدرالي إلى سياسة نقدية أقل تشددًا، إذ إن اللهجة المتشددة التي صاحبت القرار يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في التأثير على الأسواق والحد من التوقعات التضخمية، خصوصًا إذا أكد البنك استعداده لرفع الفائدة مستقبلًا عند الضرورة.
وأكد أن التوجيهات المستقبلية وتصريحات مسؤولي الفيدرالي تمثل إحدى أدوات السياسة النقدية المؤثرة، إذ يمكن أن تدفع المستثمرين والمؤسسات إلى تعديل قرارات الاقتراض والإنفاق والاستثمار، حتى من دون إجراء تغيير فوري في سعر الفائدة.
لكنه شدد على أن الاكتفاء بالخطاب المتشدد قد لا يكون كافيًا إذا عادت معدلات التضخم إلى الارتفاع أو استمرت فوق المستويات المستهدفة، خاصة في ظل وجود عوامل خارجية لا يستطيع الفيدرالي السيطرة عليها بصورة مباشرة.
وأشار الجرم إلى أن التوترات السياسية والجيوسياسية الحالية تمثل أحد أهم العوامل التي ينبغي للفيدرالي وضعها في الحسبان عند تقييم التضخم وتحديد المسار المقبل لأسعار الفائدة، نظرًا إلى تأثيرها المباشر على أسواق الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
اقرأ أيضًا: قبعة "ترامب 2028" تعيد الجدل حول الولاية الثالثة
مخاوف من ارتفاع أسعار النفط
وأوضح أن تصاعد التوترات الجيوسياسية يضغط بصورة مباشرة على أسعار النفط ويدفعها إلى الارتفاع، وهو ما ينعكس على تكلفة الوقود والنقل والإنتاج والتوزيع، ثم ينتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات التي يتحملها المستهلك.
وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى موجة جديدة من التضخم المستورد، خاصة أن الطاقة تدخل بصورة أساسية في تكاليف معظم الأنشطة الاقتصادية، ما يجعل أي زيادة ممتدة في أسعارها عاملًا ضاغطًا على مؤشرات الأسعار.
كما لفت إلى أن الاضطرابات السياسية قد تؤثر سلبًا على سلاسل الإمداد الدولية، من خلال تعطيل حركة التجارة ورفع تكاليف الشحن والتأمين والنقل وتأخير وصول المواد الخام والسلع الوسيطة، وهو ما يضيف ضغوطًا جديدة على الأسعار.
وأكد الجرم أن الفيدرالي مطالب، بعد قرار تثبيت الفائدة، بمراقبة تطورات أسعار النفط وسلاسل الإمداد، إلى جانب بيانات التضخم وسوق العمل والنشاط الاقتصادي، لأن التركيز فقط على القراءات السابقة للتضخم قد يؤدي إلى التقليل من حجم المخاطر المستقبلية.
وأشار إلى أن القرار المقبل للفيدرالي سيعتمد بدرجة كبيرة على مدى استمرار تراجع التضخم، وما إذا كانت التوترات السياسية ستدفع أسعار النفط وتكاليف الإنتاج إلى الارتفاع مجددًا، مؤكدًا أن أي عودة قوية للضغوط السعرية قد تجبر البنك المركزي على رفع الفائدة في وقت لاحق.
واختتم الدكتور رمزي الجرم تصريحاته بالتأكيد على أن قرار تثبيت أسعار الفائدة يحمل مخاطرة التأخر في التحرك، مشددًا على أن الفيدرالي يحتاج إلى تحقيق توازن دقيق بين تجنب الضغط المفرط على الاقتصاد وعدم السماح للتضخم بالترسخ، لأن التأخر في مواجهته قد يفرض لاحقًا إجراءات نقدية أكثر تشددًا وأعلى تكلفة.
قد يهمك أيضًا: رهانات الذهب عند أعلى مستوى في 6 أشهر: ماذا يعني؟
