اقتصادات عربية

    5 عوامل وراء ارتفاع سعر الدولار في مصر

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •7 دقائق
    سعر الدولار في مصر

    تجاوز سعر الدولار في مصر حاجز الـ55 جنيها، وسط ضغوط متزايدة على سوق الصرف، نتيجة تخارج الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين الحكومية، وارتفاع فاتورة واردات الطاقة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، فضلا عن زيادة الالتزامات الخارجية واحتياجات التمويل.

    وقال الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، إن ارتفاع سعر الدولار في السوق المصرية يعكس مجموعة من الضغوط الاقتصادية والمالية، تتجاوز التحركات اليومية لأسعار الصرف، مشيرا إلى أن القضية الأساسية لا تتعلق بالمستوى الذي قد تسجله العملة الأمريكية خلال الأيام المقبلة، وإنما بمدى قدرة الاقتصاد المصري على توفير موارد مستدامة من النقد الأجنبي لمواجهة احتياجاته التمويلية.

    وأشار إلى أن ارتفاع الدولار أمام الجنيه المصري يرتبط بخمسة عوامل رئيسية، تشمل تخارج الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين الحكومية، وارتفاع فاتورة الطاقة، وقوة الدولار عالميًا، والتوترات الجيوسياسية، والالتزامات الخارجية واحتياجات التمويل.

    تخارج الاستثمارات الأجنبية يضغط على الجنيه المصري

    قال الدكتور أحمد شوقي إن تحركات الاستثمارات الأجنبية في أذون وسندات الخزانة المصرية تمثل أحد أبرز العوامل المؤثرة في سوق الصرف على المدى القصير، نظرا لسرعة انتقال هذه الأموال بين الأسواق وفقا لتغير مستويات العائد والمخاطر.

    وأوضح أن قيام المستثمرين الأجانب ببيع أدوات الدين الحكومية وتحويل حصيلة استثماراتهم إلى الخارج يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار، وهو ما قد يفرض ضغوطًا إضافية على قيمة الجنيه المصري.

    وأشار إلى أن تقارير اقتصادية خلال أكتوبر 2026 رصدت تخارجات أجنبية من أدوات الدين المصرية، تضمنت صافي مبيعات بلغ نحو 505.5 مليون دولار خلال إحدى جلسات التداول في السوق الثانوية.

    وأضاف أن خطورة هذه الاستثمارات تكمن في سرعة تغير اتجاه تدفقاتها، إذ يمكن للعوائد المحلية المرتفعة أن تجذب المستثمرين الأجانب، بينما قد تؤدي زيادة المخاطر أو تغير توقعات أسعار الفائدة الأمريكية إلى دفعهم نحو تقليص استثماراتهم.

    وأكد شوقي أن تقييم تأثير هذه التخارجات لا ينبغي أن يعتمد على نتائج جلسة تداول واحدة، وإنما على مدى استمرار صافي المبيعات وانعكاساتها الفعلية على الطلب على العملة الأجنبية.

    ارتفاع أسعار النفط والغاز يزيد الضغوط الدولارية

    وأوضح الخبير الاقتصادي أن ارتفاع فاتورة الطاقة يمثل العامل الثاني وراء الضغوط التي يتعرض لها سوق الصرف المصري، خاصة مع زيادة أسعار النفط والغاز عالميا.

    وأشار إلى تجاوز سعر خام برنت مستوى 108 دولارات للبرميل، وسط مخاوف مرتبطة باضطرابات إمدادات الطاقة في المنطقة.

    وأضاف أن أهمية هذا التطور تتزايد في ضوء ارتفاع عجز الميزان التجاري البترولي المصري إلى نحو 18.3 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، مقارنة بنحو 13.9 مليار دولار خلال السنة المالية السابقة.

    ولفت إلى أن قيمة الواردات البترولية ارتفعت إلى نحو 24.9 مليار دولار، وهو ما يعكس حجم الاحتياجات التمويلية المرتبطة بتوفير الطاقة.

    وأوضح شوقي أن ارتفاع الأسعار العالمية للنفط والغاز، بالتزامن مع زيادة الكميات المستوردة، قد يؤدي إلى زيادة تكلفة تدبير احتياجات الطاقة، وبالتالي ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية.

    وأكد أن تزامن زيادة فاتورة الطاقة مع تخارج الاستثمارات الأجنبية وارتفاع الالتزامات الخارجية يمكن أن يؤدي إلى مضاعفة الضغوط على سوق الصرف.

    اقرأ أيضًا: المصرية تحت ضغط التوترات الجيوسياسية

    قوة الدولار عالميا تعزز جاذبية الأصول الأمريكية

    وأشار الدكتور أحمد شوقي إلى أن العامل الثالث يتمثل في قوة الدولار عالميًا وارتفاع جاذبية الأصول المالية الأمريكية، في ظل التطورات النقدية والمالية الدولية.

    وأوضح أن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية، أو زيادة التوقعات باستمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، قد يدفع المستثمرين الدوليين إلى تفضيل الأصول المقومة بالدولار.

    وأضاف أن المستثمر الأجنبي لا يقارن فقط بين مستويات العائد في السوق المصرية ونظيرتها الأمريكية، وإنما يأخذ في اعتباره مخاطر سعر الصرف والسيولة والمخاطر المرتبطة بالاستثمار.

    وأكد أن استمرار جاذبية الأصول الأمريكية، بالتزامن مع ارتفاع المخاطر في الأسواق الناشئة، قد يؤدي إلى الحد من التدفقات الاستثمارية الأجنبية إلى مصر، أو دفع بعض المستثمرين إلى تقليص استثماراتهم القائمة.

    وشدد على أن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية لا يؤدي بالضرورة إلى خروج الاستثمارات من مصر، إذ يظل القرار الاستثماري مرتبطًا بمستويات العائد المحلي والتوقعات المستقبلية ومخاطر السوق.

    التوترات الجيوسياسية تؤثر على السياحة وقناة السويس

    وأكد شوقي أن التوترات الجيوسياسية تمثل العامل الرابع المؤثر في سعر صرف الدولار أمام الجنيه، موضحا أن تداعياتها لا تقتصر على أسواق المال، وإنما تمتد إلى حركة التجارة الدولية وتكاليف الطاقة والشحن والتأمين.

    وأشار إلى أن تصاعد التوترات الإقليمية قد يؤدي إلى زيادة الطلب العالمي على الدولار، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف النقل والطاقة واضطراب سلاسل الإمداد.

    وأوضح أن مصر تتأثر بهذه التطورات نتيجة ارتباط جزء من مواردها من النقد الأجنبي بإيرادات السياحة وقناة السويس، إلى جانب تأثر تكلفة الواردات بالتغيرات التي تشهدها حركة التجارة والملاحة الدولية.

    وأضاف أن أي اضطرابات تؤثر على حركة الملاحة أو النشاط السياحي قد تنعكس على تدفقات النقد الأجنبي، بما يزيد أهمية تنويع مصادر الموارد الدولارية.

    60.9 مليار دولار التزامات خارجية خلال 2026/2027

    وقال الخبير إن العامل الخامس يتمثل في الالتزامات الخارجية واحتياجات التمويل، موضحا أن الطلب على الدولار في الاقتصاد المصري لا يقتصر على تمويل الواردات السلعية والخدمية.

    وأضاف أن الاحتياجات الدولارية تشمل أيضًا سداد أقساط الديون الخارجية والفوائد والالتزامات المالية المستحقة على الحكومة والقطاع الخاص.

    وأشار إلى أن الالتزامات الخارجية لمصر خلال السنة المالية 2026/2027 تُقدر بنحو 60.9 مليار دولار، مؤكدا أن هذا الرقم لا يعني استحقاق المبلغ بالكامل في توقيت واحد.

    وأوضح أن أهمية هذا المؤشر ترتبط بضرورة إدارة جدول الاستحقاقات الخارجية، وضمان توفير مصادر تمويل مستدامة تسمح بالوفاء بالالتزامات دون التسبب في ضغوط إضافية على سوق الصرف.

    وأشار إلى أن التأثير الفعلي لهذه الالتزامات يتوقف على مواعيد السداد، ومدى إمكانية إعادة التمويل، وحجم التدفقات الدولارية الداخلة، ومستويات السيولة المتاحة.

    وأكد أن استدامة موارد النقد الأجنبي تمثل أولوية أكبر من الاعتماد على التدفقات المالية المتقلبة أو الحلول التمويلية قصيرة الأجل.

    احتياطي النقد الأجنبي يرتفع إلى 57.35 مليار دولار

    وفيما يتعلق بالعوامل الداعمة لاستقرار الجنيه المصري، أكد شوقي أن الاقتصاد يمتلك عددا من مصادر النقد الأجنبي المهمة التي تساعد على دعم السيولة الدولارية.

    وأشار إلى ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى نحو 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، وهو ما يمثل أحد المؤشرات المهمة المرتبطة بقدرة الاقتصاد على مواجهة احتياجاته الخارجية.

    وأوضح أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج سجلت نحو 33.9 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026، بزيادة بلغت 27.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

    وأضاف أن تحويلات المصريين بالخارج خلال أغسطس وحده بلغت نحو 4.2 مليار دولار، بما يعكس أهمية هذا المورد في دعم تدفقات النقد الأجنبي إلى الاقتصاد المصري.

    وأكد أن ارتفاع الاحتياطيات الدولية وتحويلات العاملين بالخارج يمثل عاملًا داعمًا للسيولة الأجنبية، لكنه لا يضمن بمفرده استقرار سعر الصرف.

    اقرأ أيضًا: منتدى مصر 2026.. هل تتحول التوصيات إلى استثمارات حقيقية؟

    ميزان المدفوعات يحقق فائضًا رغم عجز الحساب الجاري

    وأوضح شوقي أن ميزان المدفوعات المصري سجل فائضًا إجماليًا بنحو 2.8 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، رغم تسجيل الحساب الجاري عجزا بلغ 22.5 مليار دولار.

    وأشار إلى أن الحساب الرأسمالي والمالي سجل تدفقات صافية بلغت نحو 23.2 مليار دولار خلال الفترة نفسها.

    وأكد أن هذه المؤشرات تعكس قدرة الاقتصاد المصري على جذب موارد تمويلية خارجية مهمة، لكنها توضح في الوقت ذاته استمرار الحاجة إلى التدفقات الأجنبية لتغطية جانب من الاحتياجات التمويلية.

    وأضاف أن ارتفاع الاحتياطي النقدي وزيادة تحويلات المصريين بالخارج لا يكفيان وحدهما للحكم على استقرار الجنيه، إذ يعتمد الأمر على مدى استدامة هذه الموارد وتوازنها مع الاحتياجات الفعلية من النقد الأجنبي.

    6 مؤشرات تحدد سعر الدولار في مصر

    وشدد الدكتور أحمد شوقي على أن تقييم المسار المستقبلي لسعر الدولار في مصر يتطلب متابعة مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والمالية بصورة متكاملة، بدلًا من التركيز على تحركات سعر الصرف اليومية وحدها.

    وأوضح أن أبرز هذه المؤشرات تشمل صافي تدفقات المستثمرين الأجانب في أدوات الدين الحكومية، وتطور أسعار النفط والغاز وتكلفة الواردات البترولية، إلى جانب عوائد السندات الأمريكية واتجاهات الدولار في الأسواق العالمية.

    وأشار كذلك إلى أهمية متابعة تطور تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات السياحة وقناة السويس، باعتبارها من المصادر الرئيسية للنقد الأجنبي.

    وأضاف أن نمو الصادرات المصرية وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر يمثلان مؤشرين مهمين على قدرة الاقتصاد على توفير موارد دولارية أكثر استدامة.

    وأكد ضرورة متابعة تطور الاحتياطي النقدي وجدول الالتزامات الخارجية، لتقييم مدى توافق الموارد المتاحة مع احتياجات الاقتصاد خلال الفترات المقبلة.

    وأوضح أن تحليل هذه المؤشرات بصورة مجتمعة يساعد على تحديد ما إذا كانت التدفقات الدولارية المستدامة كافية لتلبية الاحتياجات، أم أن الاقتصاد يواجه ضغوطا متزايدة تتطلب تدفقات تمويلية إضافية.

    أحمد شوقي: المشكلة ليست وصول الدولار إلى 55 جنيها

    واختتم الدكتور أحمد شوقي، تصريحاته بالتأكيد على أن تجاوز الدولار مستوى 55 جنيها يعكس ضغوطًا اقتصادية تستحق الدراسة والتحليل، لكنه لا يمثل دليلا كافيا على دخول سوق الصرف في موجة صعود مستدامة.

    وشدد على أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في مستوى محدد لسعر الدولار، وإنما في قدرة الاقتصاد المصري على ضمان استدامة موارد النقد الأجنبي، وتحقيق التوازن بين التدفقات الدولارية والاحتياجات التمويلية.

    وأوضح أن تقييم استقرار الجنيه يتطلب النظر إلى مجمل المؤشرات الاقتصادية، ومدى قدرة مصادر النقد الأجنبي المستدامة على مواجهة الضغوط الناجمة عن الاستثمارات الأجنبية والطاقة والتطورات العالمية والالتزامات الخارجية.

    قد يهمّك أيضًا: تصنيف مصر الائتماني.. هل ينعكس على معيشة المواطنين؟