أثار قرار وكالة “موديز" العالمية رفع تصنيف مصر الائتماني طويل الأجل بالعملتين المحلية والأجنبية من” Caa1" إلى “B3”، مع الإبقاء على النظرة المستقبلية الإيجابية، حالة من التفاؤل بشأن قدرة الاقتصاد المصري على تجاوز التحديات المالية وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، في ظل استمرار جهود الإصلاح الاقتصادي وتحسين المؤشرات المالية والنقدية.
وأكد خبراء الاقتصاد، أن القرار يعكس تحسن تقييم المخاطر السيادية لمصر، مدعوما بالانضباط المالي ومرونة سعر الصرف وتحسن إدارة الدين العام.
أحمد شوقي: مصر تستحق تصنيفًا ائتمانيًا أفضل من مستواها الحالي
وقال الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، إن قرار وكالة موديز برفع التصنيف الائتماني لمصر، يمثل خطوة إيجابية تعكس تحسن تقييم المخاطر السيادية للاقتصاد المصري، وقدرته على التعامل مع الضغوط المالية والخارجية والوفاء بالتزاماته المستقبلية.
وأوضح أن الانتقال من التصنيف "Caa1" إلى "B3" يعكس تراجع مستوى المخاطر الائتمانية مقارنة بالتقييم السابق، مشيرًا إلى أن التصنيف القديم كان يضع مصر ضمن فئة شديدة المضاربة، المرتبطة بمخاطر ائتمانية مرتفعة للغاية.
وأضاف أن التصنيف الجديد يمثل تحسنًا ملموسًا، لكنه لا يعني خروج الاقتصاد المصري بالكامل من نطاق المخاطر المرتفعة، وإنما يشكل خطوة مهمة تتطلب مواصلة الإصلاحات وتعزيز المركز المالي للدولة.
وأشار شوقي إلى أن قرار موديز استند إلى استمرار الانضباط المالي وتحقيق فوائض أولية بالموازنة، وتحسين إدارة الإيرادات والإنفاق العام، إلى جانب تحسن مسار الدين الحكومي وتوقعات تراجع أعباء الفوائد، رغم استمرار ارتفاع تكلفة خدمة الدين.
ولفت إلى أن مرونة سعر الصرف وتشديد السياسة النقدية ساهما في تعزيز قدرة الاقتصاد على استيعاب الصدمات الخارجية، بالتزامن مع استمرار الإصلاحات الهيكلية الهادفة إلى تحسين الكفاءة الاقتصادية وجذب الاستثمارات.
وأكد أن الإبقاء على النظرة المستقبلية الإيجابية يعكس إمكانية حدوث تحسن إضافي في التصنيف، إذا استمر تراجع أعباء الدين والفوائد وتحولت الإصلاحات الاقتصادية إلى نتائج مستدامة.
الاقتصاد المصري يمتلك مقومات تؤهله لتصنيف أعلى
وأوضح شوقي أن مصر تمتلك مقومات اقتصادية وإنتاجية تؤهلها للحصول على تصنيف ائتماني أفضل، في مقدمتها تنوع الاقتصاد، واتساع السوق المحلية، والقاعدة الإنتاجية والخدمية، والموقع الاستراتيجي، فضلًا عن الإمكانات المتاحة في الصناعة والسياحة والزراعة والطاقة والخدمات اللوجستية.
وأشار إلى أن الاستفادة من هذه المقومات ترتبط بقدرة الدولة على تحويلها إلى مؤشرات مالية واقتصادية قوية، خاصة فيما يتعلق بإدارة الدين وتوفير النقد الأجنبي وخفض تكلفة الاقتراض وتحقيق النمو المستدام.
وشدد على أهمية الحفاظ على سجل الوفاء بالالتزامات المالية، موضحًا أن الثقة الائتمانية لا ترتبط فقط بانتظام السداد خلال الفترات السابقة، وإنما تعتمد أيضًا على قدرة الدولة على مواجهة استحقاقاتها المستقبلية بأقل تكلفة ومخاطر ممكنة.
اقرأ أيضًا: 30 مليون سائح في مصر يختبرون طاقة الفنادق والمطارات
خفض خدمة الدين وزيادة الصادرات أبرز أولويات المرحلة المقبلة
وأكد شوقي أن تحسين التصنيف الائتماني يتطلب معالجة اختلالات الموازنة العامة، من خلال توسيع القاعدة الضريبية، وتحسين كفاءة التحصيل، وترشيد الإنفاق غير المنتج، وتعزيز كفاءة توجيه الموارد.
وأوضح أن تحقيق فائض أولي لا يكفي إذا استمرت فوائد الدين في الاستحواذ على نسبة كبيرة من الإيرادات الحكومية، مشددًا على ضرورة خفض أعباء خدمة الدين تدريجيًا، وإطالة آجال الاستحقاق، وتنويع مصادر التمويل وتقليل مخاطر إعادة التمويل.
وأشار إلى أهمية زيادة الموارد المستدامة من النقد الأجنبي، عبر دعم الصادرات وتعميق التصنيع المحلي وتنمية السياحة وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر المنتج، مع تقليل الاعتماد على التدفقات المالية قصيرة الأجل.
وأضاف أن تعزيز دور القطاع الخاص يستلزم توفير بيئة تنافسية مستقرة وتحقيق تكافؤ الفرص وتيسير الإجراءات، بما يدعم الإنتاجية والاستثمار وتوفير فرص العمل.
وأكد أن المعيار الحقيقي للنمو الاقتصادي لا يقتصر على ارتفاع معدلاته، وإنما يمتد إلى قدرته على زيادة الإنتاج والصادرات والإيرادات العامة وتحسين مستويات معيشة المواطنين.
حنان رمسيس: تحسن التصنيف الائتماني يعزز تدفقات الاستثمار الأجنبي
من جانبها، أكدت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، أن تحسن التصنيفات الائتمانية للاقتصاد المصري يعكس قدرة الدولة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والسياسية العالمية والإقليمية، ويعزز ثقة المستثمرين الأجانب في السوق المصرية.
وأوضحت أن التصنيفات الائتمانية تمثل مؤشرا مهما لاتجاهات الأداء الاقتصادي والسياسات التي تتبعها الدولة لمعالجة المشكلات وتحقيق المرونة في مواجهة الأزمات.
وأشارت إلى التقييمات الائتمانية الصادرة عن وكالتي “فيتش” و"ستاندرد آند بورز" ، إلى جانب استمرار وجود السوق المصرية ضمن مؤشر الأسواق الناشئة عقب المراجعة الدورية، معتبرة أن هذه المؤشرات تعكس قدرة الاقتصاد على التكيف مع التحديات.
وأضافت أن تقييمات الجدارة الائتمانية ترتبط بمرونة الاقتصاد وسعر الصرف، والقدرة على تحمل الصدمات، ومدى كفاءة السياسات الاقتصادية والنقدية، إلى جانب قوة النظام المصرفي.
مرونة سعر الصرف وتحويلات المصريين تدعمان رفع تصنيف مصر الائتماني
وأوضحت رمسيس أن تحركات سعر الصرف خلال الفترة الحالية جاءت في ظل قوة الدولار الأمريكي عالميًا، مشيرة إلى أن البنك المركزي المصري اتجه إلى التعامل مع هذه المتغيرات بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية.
وأضافت أن تحريك سعر الصرف قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار بعض السلع داخل السوق المحلية، إلا أن التفاعل المدروس مع المتغيرات العالمية يمثل ضرورة لتحقيق التوازن بين الاستقرار النقدي والتطورات الاقتصادية الدولية.
وأشارت إلى أهمية تحويلات المصريين العاملين بالخارج والاستثمارات الأجنبية في توفير موارد النقد الأجنبي ودعم النشاط الاقتصادي.
كما لفتت إلى جهود الدولة لتنفيذ التزاماتها المرتبطة ببرنامج صندوق النقد الدولي، خاصة فيما يتعلق بالطروحات الحكومية وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
صناديق الاستثمار الأجنبية قد تزيد استثماراتها في مصر
وأكدت خبيرة أسواق المال أن التحسن في التصنيفات الائتمانية قد يشجع صناديق استثمار جديدة على دخول السوق المصرية، سواء من خلال الاستثمار في أذون الخزانة أو الأسهم، أو ضخ استثمارات مباشرة في قطاعات اقتصادية مختلفة.
وأوضحت أن تدفقات رؤوس الأموال يمكن أن تتجه إلى القطاعات العقارية والزراعية والتجارية، بما يساهم في تنشيط الاقتصاد وزيادة عدد المشروعات.
وأشارت إلى تزايد المشروعات التي ينفذها مستثمرون أجانب من الدول العربية وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ودول شرق آسيا.
ولفتت إلى أهمية الجولات الخارجية للرئيس عبد الفتاح السيسي، خاصة في دول شرق آسيا، لجذب الاستثمارات وتعزيز التعاون الاقتصادي مع دول من بينها كوريا وماليزيا وإندونيسيا.
وأكدت أن تنوع مصادر الاستثمار الأجنبي يمثل عاملًا داعمًا لزيادة تدفقات رؤوس الأموال وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التحديات.
رقابة الأسواق وزيادة الإنتاج شرط استفادة المواطنين
وحول انعكاس التحسن الاقتصادي على المواطنين، أكدت رمسيس أن الاستفادة المباشرة من المؤشرات الإيجابية تتطلب تعزيز الرقابة على الأسواق، خاصة في ظل استمرار ارتفاع أسعار عدد من السلع رغم توافرها.
وأشارت إلى أهمية التوسع في الإنتاج المحلي وزيادة نسبة المكون المصري في المنتجات، بما فيها الصناعات التي تنفذ بالتعاون مع دول أخرى، إلى جانب تقليل الاعتماد على استيراد السلع التي تتوافر لها بدائل محلية.
وأضافت أن زيادة الإنتاج المحلي تساهم في توفير فرص العمل وتنشيط حركة رؤوس الأموال وتعزيز التدفقات النقدية، بما يدعم قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات الخارجية.
قد يهمّك أيضًا: ماذا يعني إبقاء "فوتسي راسل" على تصنيف البورصة المصرية؟
القطاع المصرفي يدعم استقرار الاقتصاد المصري
وأكدت رمسيس أن تحسن التصنيفات الائتمانية يمثل خطوة إيجابية للقطاع المصرفي المصري، باعتباره من القطاعات الاستراتيجية التي تدعم الاستقرار الاقتصادي.
وأوضحت أن قدرة البنوك على التعامل مع المتغيرات الاقتصادية، بما في ذلك التضخم وتحركات أسعار الفائدة والسياسات النقدية والمالية، تعزز دورها في دعم النشاط الاقتصادي ومدخرات القطاع العائلي.
وأضافت أن استمرار الاستقرار الاقتصادي والتقييمات الدولية الإيجابية يساعد القطاع المصرفي على أداء دوره في تمويل الأنشطة الاقتصادية والتعامل مع التحديات.
وأشارت إلى أن قوة الاقتصاد المصري والقطاع المصرفي تمتد آثارها إلى الدور الإقليمي والإفريقي لمصر، خاصة مع مشاركتها في التكتلات الاقتصادية المختلفة، ومن بينها تجمع بريكس.
وأكدت أن استمرار تحسن المؤشرات الاقتصادية يعزز قدرة مصر على التفاعل مع الاقتصادات الإقليمية والدولية والاستفادة من فرص التعاون والاستثمار، مع ضرورة أن ينعكس ذلك على زيادة الإنتاج وفرص العمل وتحسين مستويات المعيشة.
