اقتصادات عربية

    هل تطلق زيادة أسعار الكهرباء في مصر موجة تضخم جديدة؟

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •6 دقائق
    عداد كهرباء لقراءة ومراقبة استهلاك الطاقة.

    رفعت مصر أسعار الكهرباء لمختلف شرائح الاستهلاك المنزلي بمتوسط بلغ 12%، مع الإبقاء على أسعار الشريحة الأولى دون تغيير، في خطوة تستهدف تقليص الفجوة بين التكلفة الفعلية لإنتاج الكهرباء والقيمة التي يسددها المستهلكون، وضمان قدرة القطاع على مواصلة الإنتاج والنقل والتوزيع بصورة مستقرة.

    وأوضحت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة أن التعريفة الجديدة تُستثنى منها الشريحة الأولى لحماية الفئات الأكثر احتياجاً، على أن تُطبق الزيادة على باقي الشرائح بمتوسط 12%، تأكيداً لنهج الدولة في استمرار توجيه النسبة الأكبر من الدعم للمواطنين الأقل استهلاكاً.

    أسباب وخلفيات قرار زيادة أسعار الكهرباء في مصر

    وأكّدت الوزارة أن تعديل أسعار الكهرباء يأتي في إطار الحرص على استقرار التغذية الكهربائية وضمان توافر الطاقة بصورة مستدامة، إلى جانب الحفاظ على الاستقرار المالي للمنظومة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المرتبطة بإنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها إلى مختلف فئات المستهلكين.

    وأضافت أن الجهات المختصة بتسعير الخدمات الكهربائية أجرت الدراسات والقياسات اللازمة، وطبقت المعادلات المرتبطة بتحديد التكلفة، مع مراعاة التوجيهات الخاصة بالبعد الاجتماعي وتخفيف الأعباء عن المواطنين.

    وأكدت أن التعريفة الجديدة تستهدف تحقيق توازن بين الاعتبارات الاجتماعية والالتزامات المالية الحتمية التي تتحملها منظومة الكهرباء، في ظل ارتفاع تكلفة الوقود والتشغيل والصيانة والاستثمارات المطلوبة لتطوير الشبكات والمحطات.

    وقد جاءت زيادة أسعار الكهرباء في ظل أزمة عالمية بقطاع الطاقة ارتبطت بالحرب في منطقة الخليج وما نتج عنها من ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الاستيراد، الأمر الذي أدى إلى تضاعف فاتورة واردات مصر من الطاقة بأكثر من مثليها.

    وتستهلك مصر منتجات بترولية سنويًا بقيمة تقترب من تريليون جنيه، بما يعادل نحو 20 مليار دولار، يستخدم قرابة 60% منها في تشغيل محطات توليد الكهرباء، ما يضع ضغوطًا كبيرة على الموازنة العامة وعلى الموارد المتاحة بالنقد الأجنبي.

    اقرأ أيضًا: مصر تؤمّن بدائل للطاقة بعد حادث ميناء دمياط

    الدعم الحكومي لشرائح الكهرباء

    وأشارت وزارة الكهرباء إلى أن الدولة تتحمل نحو 100 مليار جنيه سنويًا، بما يعادل قرابة ملياري دولار، لتغطية الفجوة بين التكلفة الفعلية لإنتاج الكهرباء والتعريفات التي يدفعها المستهلكون.

    ولفتت إلى أن نسبة الدعم الحكومي تتراجع تدريجيًا كلما ارتفع استهلاك الأسرة، إذ تتحمل الدولة جزءًا من التكلفة يتراوح بين 12% و75% وفقًا لمستوى الاستهلاك الشهري؛ حيث يدفع المستهلك الذي يبلغ استهلاكه 50 كيلوواط/ساعة شهريًا نحو 25% فقط من التكلفة الفعلية، بينما تتحمل الدولة النسبة المتبقية، حمايةً للشرائح الأقل استهلاكًا.

    وترتفع مساهمة المستهلك إلى نحو 50% من التكلفة عند استهلاك 300 كيلوواط/ساعة شهريًا، بينما يسدد أصحاب الاستهلاك الذي يتراوح بين 500 و600 كيلوواط/ساعة قرابة 60% من تكلفة الإنتاج.

    أما المستهلكون الذين يتراوح استهلاكهم بين 700 و1000 كيلوواط/ساعة شهريًا، فيتحملون نحو 88% من التكلفة الفعلية، في حين تسدد الأسر التي يصل استهلاكها إلى 2000 كيلوواط/ساعة التكلفة كاملة دون الحصول على دعم حكومي.

    اقرأ أيضًا: الدعم النقدي في مصر.. كيف تقسم الشرائح وموعد التطبيق

    ضغوط إضافية على موازنات الأسر

    وفي تعليقه على القرار، أكد الدكتور ياسر حسين سالم، الخبير الاقتصادي، أن الزيادات المتتالية في أسعار الكهرباء تؤثر سلبًا في موازنات قطاع كبير من الأسر المصرية، وتضيف مزيدا من الضغوط إلى الأوضاع المعيشية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية.

    وقال حسين، في تصريحات خاصة، إن تأثير الزيادة لا يتوقف عند ارتفاع قيمة فواتير المنازل، بل يمتد إلى أسعار السلع والمنتجات التي تدخل الكهرباء ضمن تكاليف إنتاجها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

    وأوضح أن ارتفاع تكلفة الكهرباء ينتقل إلى مراحل تجهيز المواد الخام والتصنيع والتعبئة والنقل والتوزيع، ثم يصل في النهاية إلى منافذ البيع، ليتحمل المستهلك الزيادة الجديدة في أسعار السلع النهائية.

    انعكاسات تضخمية حتمية

    ومن ناحية أخرى، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن انعكاسات ارتفاع أسعار الكهرباء على معدلات التضخم تبدو حتمية، نظرًا إلى دخول الطاقة في مختلف مراحل الإنتاج وسلاسل الإمداد.

    وأضاف أن زيادة أسعار الكهرباء ترفع تكلفة السلع الوسيطة والمنتجات تامة الصنع، كما تزيد نفقات تشغيل المتاجر والمصانع والمخازن ووسائل النقل، ما يؤدي إلى موجة متتابعة من ارتفاع الأسعار.

    وأكد أن تأثير الزيادة سيكون متفاوتًا بين القطاعات، لكنه سيظهر بصورة أوضح في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، والأنشطة التي تعتمد على التبريد والتخزين والتشغيل المستمر.

    اقرأ أيضًا: برنامج مصر الوطني بعد صندوق النقد.. مفاتيح التعافي

    إصلاح شامل لمنظومة الكهرباء

    أكّد د. ياسر حسين أن مجرد زيادة الأسعار لا تُشكّل وحدها حلاً جذرياً لأزمة الطاقة، مشدداً على ضرورة تبنّي رؤية إصلاحية متكاملة توازن بين صيانة حقوق المواطنين والحفاظ على الاستقرار المالي للمنظومة.

    وأوضح أن هذا الإصلاح يقتضي العمل على محورين رئيسيين: الأوّل يتعلّق بتطوير وإصلاح هيكل السوق، والآخر يرتبط بترسيخ ثقافة الترشيد والحوكمة لدى المستهلكين والمؤسسات.

    إلغاء الدعم المباشر وفتح السوق للمنافسة

    ويرى الخبير الاقتصادي أن تحرير قطاع الكهرباء قد يمثل حلًا مستدامًا على المدى الطويل، بشرط إنهاء الاحتكار الحكومي وسماح الدولة بمشاركة أوسع للقطاع الخاص في عمليات الإنتاج والخدمة ضمن إطار من المنافسة العادلة والرقابة الفعالة.

    وأوضح أن توفير منافسة حقيقية بين شركات الإنتاج والتوزيع يمنح المستهلك خيارات أفضل من حيث السعر والجودة، ويدفع الشركات لرفع الكفاءة وتقليل الفاقد. في المقابل، فإن إلغاء الدعم دون إصلاح هيكلي للسوق سيلقي بأعباء إضافية على المواطنين دون تحسين ملموس في جودة الخدمة.

    وفي هذا السياق، دعا د. ياسر حسين إلى تحويل الدعم العيني لسلعة الكهرباء إلى دعم نقدي مباشر يُوجه حصراً للأسر الأكثر احتياجاً. وأشار إلى أن النظام الحالي يتيح لغير المستحقين -بمن فيهم بعض ذوي الدخول المرتفعة والأجانب والمقيمين- الاستفادة من الدعم الحكومي. وأكد أن التحول للدعم النقدي سيضمن كفاءة أعلى في الاستهداف وتوجيه الموارد، متى ما استند إلى قواعد بيانات دقيقة.

    اقرأ أيضًا: هل يدعم جهاز مستقبل مصر الإنتاج المحلي ويقلل الاستيراد؟

    ترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك

    وفي هذا السياق، قال د. ياسر حسين إن المجتمع المصري لا يزال بعيدًا عن ترسيخ ثقافة ترشيد استهلاك الكهرباء وحوكمة استخدامها، سواء على مستوى الأفراد والأسر أو المؤسسات العامة والخاصة، رغم أن الاستخدام الأمثل للطاقة يمثل أحد أهم أسس التنمية المستدامة.

    وأوضح أن الترشيد لا يعني منع استخدام الكهرباء أو تقييدها، وإنما يعني استهلاكها بصورة متوازنة وفق الحاجة الفعلية، مع الحد من التبذير والهدر والفاقد وسرقات التيار، والتزام المستهلكين بسداد الفواتير المستحقة.

    وأشار إلى أن ترشيد الاستهلاك يحقق وفرًا في الطاقة، ويخفض الأعباء عن الأسر والدولة، ويحافظ على المال العام والخاص، كما يقلل الحاجة إلى استثمارات إضافية مكلفة لتلبية الطلب المتزايد.

    وشدد د. ياسر حسين على ضرورة نشر وعي مجتمعي شامل بأهمية الاستخدام المتوازن للكهرباء، على أن يبدأ من المنزل ويمتد إلى المدارس والجامعات وأماكن العمل والمرافق العامة.

    وأوضح أن الاستخدام الأمثل يشمل الاستفادة من ضوء النهار الطبيعي، وإغلاق الأجهزة والإضاءة عقب الانتهاء من استخدامها، وتشغيل المعدات الضرورية فقط، واختيار الأجهزة الأعلى كفاءة في استهلاك الطاقة.

    كما أكد د. ياسر حسين ضرورة أن تقدم الأجهزة الحكومية نموذجًا عمليًا في ترشيد الكهرباء، مع إلزام الجهات المتأخرة بسداد فواتيرها، بما يعزز الانضباط المالي ويخفف الضغوط عن منظومة الإنتاج والتوزيع.

    حصر المستحقات ومواجهة سرقات التيار

    وأشار د. ياسر حسين إلى أن قيمة سرقات التيار الكهربائي في مصر خلال الفترة من يوليو 2024 إلى سبتمبر 2025 قُدِّرت بنحو 872 مليون دولار، أي ما يعادل قرابة 42 مليار جنيه، وقد شملت صور السرقة التوصيلات غير القانونية خلف العدادات، والحصول على الكهرباء من أعمدة الإنارة وصناديق التوزيع، إلى جانب بعض الممارسات المرتبطة بخطوط جهات حكومية نتيجة ضعف الرقابة والفساد.

    وأضاف أن القطاع يواجه كذلك متأخرات ضخمة في سداد الفواتير المستحقة على المواطنين والقطاع الخاص وبعض الجهات الحكومية، مشيرًا إلى أن المتأخرات والخسائر الناتجة عن الهدر والسرقات تصل إلى عشرات المليارات من الجنيهات. هذه الخسائر تمثل عقبة أمام كفاءة منظومة إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها، وتزيد الضغوط المالية على الشركات المسؤولة عن توفير الخدمة.

    وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي أن دعم الكهرباء المقدر في موازنة العام المالي 2026-2027 يبلغ نحو 104 مليارات جنيه، الأمر الذي يعكس حجم الأعباء التي تتحملها الخزانة العامة، ومعالجة هذه الأعباء -وفقًا لحسين- تتطلب تحصيل المتأخرات، ومواجهة السرقات، وتقليل الفاقد الفني والتجاري، وتحسين كفاءة المحطات والشبكات.

    قد يهمّك أيضًا: هل أصبح خط سوميد حبل النجاة لأسواق النفط العالمية؟

    التوسع في الطاقة المتجددة

    في ختام حديثه، دعا د. ياسر حسين إلى التوسع في إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على مستوى الحكومة والقطاع الخاص والمواطنين، بما يخفف الاعتماد على الوقود التقليدي ويعزز أمن الطاقة.

    وطالب بتخفيف القيود والاشتراطات البيروقراطية المرتبطة بإنتاج الكهرباء، والسماح للمواطنين والمصانع والمباني السكنية والمنتجعات السياحية والمنشآت الحكومية ومشروعات القطاع الخاص بتوليد احتياجاتها من الطاقة المتجددة.

    وأكد أن السماح بإنتاج الكهرباء بصورة أكثر مرونة يمكن أن يخفف الأعباء عن الدولة، ويجذب استثمارات جديدة، ويقلل الطلب على الوقود المستورد.