اقتصادات عربية

    برنامج مصر الوطني بعد صندوق النقد.. مفاتيح التعافي

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •7 دقائق
    صندوق النقد الدولي.
    صندوق النقد يصرف 7.2 مليار دولار لمصر حتى الآن، والحكومة ترسم خارطة طريق تعافي الاقتصاد المصري بعد التمويل.

    وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة المصرية لإعداد برنامج وطني لمرحلة ما بعد التعاون مع صندوق النقد الدولي، في خطوة تفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول قدرة الاقتصاد المصري على الانتقال من الاعتماد على التمويل الخارجي إلى الاعتماد على موارده الذاتية.

    وفي هذا الشأن، قال الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، إن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي تمثل لحظة فارقة في مسار الاقتصاد المصري، لأنها تفتح الباب أمام نقاش واسع حول ما سيحدث بعد انتهاء البرنامج، وكيف يمكن للاقتصاد المصري أن يعبر من مرحلة “العلاج المؤقت” إلى مرحلة الاعتماد على الذات.

    وأشار إلى أن صندوق النقد الدولي ارتبط لسنوات طويلة ببرامج الإصلاح الاقتصادي في مصر، سواء في برنامج عام 2016 أو البرنامج الحالي الذي بدأ في عام 2022، ثم جرى توسيعه لاحقًا ليصل إلى نحو 8 مليارات دولار، في إطار مواجهة الضغوط الاقتصادية العالمية، ونقص العملات الأجنبية، وارتفاع معدلات التضخم.

    وأضاف أن مصر حصلت بالفعل على عدة شرائح من هذا التمويل، بينما لا تزال بعض المراجعات والدفعات قيد الاستكمال، لافتًا إلى أن البيانات الحديثة تشير إلى أن إجمالي ما تم صرفه لمصر من البرنامج الحالي يقترب من 7.2 مليار دولار بعد المراجعات الأخيرة.

    تجارب دولية في التحرر من تمويل صندوق النقد

    وأكد العسيلي أن صندوق النقد الدولي لا يجب أن يكون هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة مؤقتة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي واستعادة الثقة في الاقتصاد الوطني، موضحًا أن الدول الناجحة لا تقيس نجاحها بحجم القروض التي تحصل عليها، وإنما بقدرتها على الوصول إلى مرحلة لا تحتاج فيها إلى الاقتراض الخارجي إلا في الحدود الطبيعية التي تخدم خطط التنمية.

    وقال الخبير الاقتصادي إن التجارب الدولية أثبتت أن الخروج من عباءة صندوق النقد الدولي ليس أمرًا مستحيلًا، مشيرًا إلى أن دولًا عديدة مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا وتركيا استطاعت، بعد فترات من الاعتماد على برامج الصندوق، أن تنتقل إلى الاعتماد بصورة أكبر على قدراتها الذاتية.

    وأوضح أن هذه الدول نجحت في ذلك من خلال زيادة الإنتاج، وتعزيز الصادرات، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستدامة، وهو ما يؤكد أن الطريق إلى الاستقلال الاقتصادي يبدأ من الداخل، وليس من الاعتماد المستمر على التمويل الخارجي.

    وأضاف أن مصر تمتلك مقومات مهمة تؤهلها للانتقال إلى هذه المرحلة، لكنها تحتاج إلى حزمة متكاملة من الإصلاحات العميقة، التي تتجاوز الإصلاحات المالية والنقدية التقليدية إلى إصلاحات إنتاجية ومؤسسية وهيكلية قادرة على تغيير طبيعة الاقتصاد نفسه.

    اقرأ أيضًا: التمويل الخارجي لمصر.. ماذا يعني العودة لسندات الساموراي؟

    مكافحة الفساد شرط أساسي لأي إصلاح اقتصادي

    وأكد العسيلي أن مكافحة الفساد الإداري والمالي بكل صوره وأشكاله تأتي في مقدمة الإصلاحات المطلوبة لمرحلة ما بعد صندوق النقد، لأنها تمثل شرطًا جوهريًا لنجاح أي برنامج اقتصادي وطني.

    وأوضح أن الفساد لا يهدر الأموال العامة فقط، بل يقتل الثقة، ويطرد الاستثمار، ويضعف كفاءة الإنفاق الحكومي، ويؤدي إلى تراجع جودة الخدمات، ويفتح الباب أمام ممارسات غير عادلة تضر بالمواطن والمستثمر والدولة في الوقت نفسه.

    وأضاف أن تعزيز الحوكمة والشفافية، وتفعيل الرقابة، وتطبيق القانون بعدالة، كلها عناصر ضرورية لبناء اقتصاد قادر على جذب الاستثمار، وتحسين إدارة الموارد، وتوجيه الإنفاق العام إلى القطاعات ذات الأولوية.

    إصلاح الهيكل الإنتاجي للاقتصاد

    وأشار الدكتور حسين العسيلي إلى أن إصلاح الهيكل الإنتاجي للاقتصاد المصري يمثل أحد أهم محاور مرحلة ما بعد صندوق النقد، مؤكدًا أن مصر لا تحتاج فقط إلى اقتصاد يستهلك ويستورد، بل إلى اقتصاد ينتج ويصدر.

    وقال إن كل دولار يتم توفيره من الواردات أو تحقيقه من الصادرات يعادل في أهميته دولارًا يتم اقتراضه من الخارج، بل إنه أكثر استدامة وأقل تكلفة، لأنه يأتي من قدرة إنتاجية حقيقية لا من التزامات تمويلية تفرض أعباء مستقبلية على الدولة.

    وأضاف أن دعم الصناعة الوطنية، وزيادة المكون المحلي في الإنتاج، وتعميق التصنيع، وتوسيع قاعدة الصادرات، كلها مسارات ضرورية لتقليل الاعتماد على الخارج، وتوفير النقد الأجنبي، وتحسين الميزان التجاري، ودعم استقرار سعر الصرف.

    اقرأ أيضًا: هل تتراجع البورصة المصرية لسوق مبتدئة؟ الأبعاد والتداعيات

    تمكين القطاع الخاص إنتاجياً

    وأوضح العسيلي أن زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد لم تعد رفاهية اقتصادية، بل أصبحت ضرورة ملحة، لأن التجارب العالمية تؤكد أن الحكومات تنظم وتراقب وتضع السياسات، بينما يقود القطاع الخاص النشاط الإنتاجي والتشغيلي، ويوفر فرص العمل، ويخلق القيمة المضافة.

    وأشار إلى أهمية تسريع تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة، وتوسيع قاعدة مشاركة القطاع الخاص في مختلف الأنشطة الاقتصادية، بما يضمن خلق بيئة تنافسية عادلة، ويزيد كفاءة إدارة الموارد، ويفتح المجال أمام الاستثمارات المحلية والأجنبية.

    وأضاف أن تمكين القطاع الخاص لا يعني انسحاب الدولة من دورها، بل يعني انتقالها إلى دور المنظم والمحفز والضامن للعدالة والمنافسة، مع ترك مساحة أكبر للمبادرات الاستثمارية والإنتاجية القادرة على توليد فرص عمل حقيقية.

    ترشيد الإنفاق العام

    وقال العسيلي إن من أهم الإصلاحات الضرورية أيضًا إعادة هيكلة أولويات الإنفاق العام وترشيده، بحيث تتجه الموارد بصورة أكبر نحو التعليم، والصحة، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، والتدريب المهني.

    وأوضح أن هذه القطاعات تمثل الركائز الأساسية لأي اقتصاد حديث قادر على المنافسة، لأنها تبني رأس المال البشري، وترفع الإنتاجية، وتدعم الابتكار، وتؤهل الشباب لسوق العمل، وتساعد الدولة على الانتقال من اقتصاد منخفض القيمة المضافة إلى اقتصاد أكثر تطورًا وقدرة على المنافسة.

    وأضاف أن ترشيد الإنفاق لا يعني تقليص الإنفاق التنموي، بل يعني توجيه الموارد إلى المجالات الأكثر تأثيرًا في النمو المستدام وتحسين جودة حياة المواطنين.

    الدين العام وتكلفة خدمته تحدٍ رئيسي

    وأكد الخبير الاقتصادي أن الحديث عن مرحلة ما بعد صندوق النقد لا يمكن أن يكتمل دون التوقف أمام قضية الدين العام، موضحًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الدين، وإنما في تكلفة خدمته وقدرة الاقتصاد على توليد موارد كافية لسداده دون الضغط على مستويات المعيشة.

    وقال إن أفضل سياسة لإدارة الدين ليست التوسع في الاقتراض الجديد، وإنما زيادة الناتج المحلي الإجمالي، ورفع معدلات النمو الحقيقي، وزيادة الإنتاج، والتصدير، وتوسيع قاعدة الإيرادات المستدامة.

    وأضاف أن الاقتصاد القادر على النمو والإنتاج يستطيع التعامل مع أعباء الدين بصورة أفضل، بينما الاقتصاد الذي يعتمد على الاقتراض لسداد الالتزامات أو تمويل الاستهلاك يظل معرضًا للضغوط والصدمات الخارجية.

    المقومات الجاذبة للاستثمار المباشر في مصر

    وأشار العسيلي إلى أنه رغم الظروف الجيوسياسية المعقدة التي تشهدها المنطقة والعالم، من اضطرابات سلاسل الإمداد إلى التوترات العسكرية وتقلبات أسعار الطاقة، فإن مصر تمتلك فرصًا مهمة يمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة.

    وأوضح أن أبرز هذه الفرص يتمثل في الموقع الجغرافي الاستثنائي لمصر، وقناة السويس، وقطاع الطاقة، والسياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، واتفاقيات التجارة الحرة، إلى جانب السوق المحلية الضخمة التي تتجاوز مائة مليون مستهلك.

    وأضاف أن هذه المزايا لا تتحول تلقائيًا إلى قوة اقتصادية ما لم يتم توظيفها ضمن استراتيجية إنتاجية وتصديرية واضحة، قادرة على جذب الاستثمارات، ورفع كفاءة البنية التحتية، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي للتصنيع والتجارة والخدمات.

    اقرأ أيضًا: هل تجاوز الاقتصاد المصري اختبار التوترات الجيوسياسية؟

    من الأموال الساخنة إلى الاستثمار الحقيقي

    وشدد العسيلي على ضرورة الانتقال من اقتصاد يعتمد على تدفقات الأموال الساخنة إلى اقتصاد يعتمد على الاستثمار والإنتاج والتصدير، موضحًا أن الأموال الساخنة قد تأتي سريعًا وقد تغادر سريعًا، بينما المصانع والمشروعات الإنتاجية تبقى وتخلق وظائف وتولد دخلًا مستدامًا.

    وقال إن الاعتماد على الأموال الساخنة يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للتقلبات العالمية وتحركات أسعار الفائدة والمخاطر الجيوسياسية، بينما الاستثمار المباشر والمشروعات الإنتاجية يمنحان الاقتصاد قاعدة صلبة للنمو والاستقرار.

    وأضاف أن بناء اقتصاد قوي يتطلب توجيه السياسات نحو جذب الاستثمارات طويلة الأجل، خاصة في الصناعة، والزراعة، والطاقة، والتكنولوجيا، والخدمات القابلة للتصدير.

    اقرأ أيضًا: عودة الأموال الساخنة تقود الجنيه المصري لأقوى أداء عالمي

    5 مفاتيح لتعافي الاقتصاد المصري

    وأوضح الدكتور حسين العسيلي أن هناك خمسة مفاتيح رئيسة لتعافي الاقتصاد المصري بصورة مستدامة خلال مرحلة ما بعد صندوق النقد.

    • المفتاح الأول: مكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة والشفافية، باعتبارها الأساس الذي تُبنى عليه الثقة بين الدولة والمستثمر والمواطن.

    • المفتاح الثاني: دعم الصناعة الوطنية وزيادة المكون المحلي في الإنتاج، بما يقلل الاعتماد على الواردات ويدعم التصنيع المحلي.

    • المفتاح الثالث: مضاعفة الصادرات السلعية والخدمية، باعتبارها المصدر الأكثر استدامة للنقد الأجنبي.

    • المفتاح الرابع: تمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمارات المباشرة، بما يوسع قاعدة الإنتاج والتشغيل.

    • المفتاح الخامس: الاستثمار المكثف في رأس المال البشري من خلال التعليم والتدريب والتكنولوجيا، لأن الإنسان المؤهل هو المحرك الحقيقي لأي اقتصاد حديث.

    من الشعار إلى نقطة انطلاق حقيقية

    وأكد العسيلي أنه في حال نجحت الحكومة في تنفيذ هذه المحاور بصورة متوازنة، فإن مرحلة ما بعد صندوق النقد قد تتحول من مجرد شعار سياسي إلى نقطة انطلاق حقيقية نحو اقتصاد أكثر قوة وقدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.

    وأوضح أن التحدي الأكبر أمام مصر اليوم ليس الحصول على قرض جديد أو اجتياز مراجعة جديدة، وإنما بناء اقتصاد يستطيع أن يقف على قدميه بثقة، ويعتمد على موارده الذاتية، وينمو من خلال الإنتاج والابتكار والتصدير.

    وأضاف أن القروض قد تمنح الاقتصاد فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها لا تمنحه القدرة على الاستمرار، لأن الإنتاج وحده هو الذي يبني الاستدامة، ويخلق الوظائف، ويحسن الدخول، ويزيد قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها التنموية.

    واختتم الدكتور حسين العسيلي تصريحاته بالتأكيد على أن برامج صندوق النقد تمثل مرحلة علاجية مؤقتة، بينما العلاج الدائم يظل في الإنتاج، والتصدير، والابتكار، والانضباط المالي والإداري.

    وقال إنه عندما تصبح موارد الدولة الذاتية قادرة على تمويل احتياجاتها التنموية، وعندما تتحول معدلات النمو إلى فرص عمل حقيقية وتحسن ملموس في مستوى معيشة المواطنين، يمكن عندها القول إن مصر دخلت بالفعل مرحلة ما بعد صندوق النقد الدولي.

    وأكد أن هذه المرحلة لا يجب النظر إليها باعتبارها نهاية لبرنامج تمويلي فقط، بل باعتبارها بداية لعصر جديد من الاعتماد على الذات والتنمية المستدامة، بشرط أن تتحول الإصلاحات إلى إجراءات تنفيذية واضحة يشعر بها الاقتصاد والمواطن معًا.

    اقرأ أيضًا: المركزي المصري يسحب سيولة أقل من البنوك.. لماذا ؟