مع تصاعد التوترات الجيوسياسية المحيطة بأهم الممرات البحرية في الشرق الأوسط، وارتفاع مخاطر تعطل إمدادات النفط وتكاليف الشحن والتأمين، عادت البنية التحتية المصرية للطاقة إلى صدارة المشهد العالمي، وفي مقدمتها خط سوميد.
وقال الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، إن خط أنابيب البترول العربي "سوميد" أصبح أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تمتلكها مصر في قطاع الطاقة، بعدما تحوّل من مشروع يعمل بعيدًا عن الأضواء إلى عنصر حاسم في إدارة مخاطر تجارة النفط وضمان استمرار تدفق الإمدادات بين الشرق والغرب خلال الأزمات الكبرى.
وأوضح العسيلي أن خريطة التجارة العالمية تتغير بصورة واضحة في أوقات الأزمات، إذ تبرز الأصول والبنى التحتية التي لم تكن تحظى باهتمام واسع، لتؤدي دورًا رئيسًا في ضمان استمرار حركة السلع الأساسية، وفي مقدمتها النفط والمنتجات البترولية.
الموقع المصري يجمع بين قناة السويس وخط سوميد
قال العسيلي إن تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، وارتفاع المخاطر التي تهدد عددًا من الممرات البحرية الحيوية خلال الأشهر الأخيرة، أعادا خط سوميد إلى واجهة الاهتمام العالمي، باعتباره أحد أبرز المسارات الاستراتيجية لنقل النفط القادم من الخليج العربي إلى أوروبا والأسواق الدولية.
وأشار إلى أن انشغال أسواق النفط بالمخاطر المحيطة بمضيق هرمز والبحر الأحمر ومضيق باب المندب دفع الأنظار مجددًا نحو مصر، التي تتمتع بميزة جغرافية نادرة تجمع بين قناة السويس وخط سوميد، أو خط السويس–البحر المتوسط.
وأكد أن امتلاك مصر هذين المسارين يمنحها موقعًا محوريًا في منظومة تجارة ونقل الطاقة العالمية، ويزيد قدرتها على توفير بدائل آمنة ومرنة أمام الدول والشركات المستوردة للنفط عند اضطراب طرق الشحن التقليدية.
ويعد خط سوميد واحدًا من أهم مشروعات البنية التحتية النفطية في المنطقة، إذ بدأ تشغيله عام 1977، ليربط بين ميناء العين السخنة على خليج السويس وميناء سيدي كرير على ساحل البحر المتوسط. ويبلغ طول الخط نحو 320 كيلومترًا، بينما تصل طاقته الاستيعابية إلى نحو 2.5 مليون برميل من النفط يوميًا، ما يجعله واحدًا من أكبر خطوط نقل الخام على مستوى العالم.
اقرأ أيضًا: كيف عززت أزمة هرمز صعود النقل البري في الخليج؟
مسار متكامل لنقل الخام بين الشرق والغرب
وقال العسيلي إن أهمية سوميد لا تقتصر على كونه خط أنابيب ينقل النفط عبر الأراضي المصرية، وإنما تكمن في كونه مسارًا استراتيجيًا متكاملًا يسمح باستمرار تدفقات الخام إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية، خاصة في أوقات اضطراب بعض الممرات البحرية أو ارتفاع تكلفة التأمين والشحن.
وأضاف أن وجود مسار بري يربط خليج السويس بالبحر المتوسط يتيح لشركات النفط نقل شحناتها بعيدًا عن بعض المخاطر البحرية، ويوفر قدرًا أكبر من المرونة في إدارة الإمدادات وتوجيهها إلى الأسواق المختلفة.
وأكد أن هذه الأهمية دفعت العديد من المؤسسات الدولية إلى وصف خط سوميد بأنه أحد أهم شرايين أمن الطاقة بين الشرق والغرب، في ظل الدور الذي يؤديه في الحفاظ على انسياب حركة النفط حتى خلال أصعب الظروف.
وأشار إلى أن الخط يمنح مصر ثقة كبيرة وقدرة استثنائية على المساهمة في استقرار تجارة الطاقة العالمية، فضلًا عن تعزيز مكانتها داخل سلاسل إمداد النفط الدولية.
اقرأ أيضًا: أزمة الغاز في أوروبا.. نقص المخزونات وارتفاع الأسعار
هل ينافس خط سوميد قناة السويس؟
وشدد العسيلي على أن خط سوميد لا يمثل منافسًا لقناة السويس من الناحية التشغيلية، وإنما يعمل المساران معًا ضمن منظومة متكاملة تخدم حركة التجارة ونقل الطاقة.
وأوضح أن قناة السويس تسمح بمرور أعداد ضخمة من السفن والناقلات والبضائع يوميًا، بينما يوفر خط سوميد حلًا فنيًا واقتصاديًا، خاصة لناقلات النفط العملاقة التي لا تستطيع عبور القناة بكامل حمولتها بسبب قيود الغاطس والحجم.
وأضاف أن الناقلات العملاقة تستطيع تفريغ جزء من حمولتها في منطقة العين السخنة، ليجري نقل الخام عبر خط "سوميد" إلى سيدي كرير على البحر المتوسط، بينما تكمل السفينة رحلتها عبر قناة السويس، قبل إعادة تحميل الكمية المنقولة من خلال الخط.
هذه المنظومة المتكاملة ترفع كفاءة مرور ناقلات النفط، وتقلل الوقت والتكاليف والمخاطر مقارنة ببعض المسارات البحرية البديلة، وعلى رأسها طريق الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.
عوامل تحديد التكلفة وأقساط التأمين
وفيما يتعلق بتكلفة نقل النفط عبر خط "سوميد"، قال العسيلي إن الرسوم لا تُعلن عادة بصورة موحدة، لأنها تختلف باختلاف حجم الشحنة والخدمات المطلوبة وظروف السوق والعقود التجارية المبرمة مع الشركات.
وأوضح أن شركات النفط العالمية لا تنظر إلى تكلفة استخدام الخط بمعزل عن باقي عناصر الرحلة، وإنما تقارنها بحجم ما يمكن توفيره من الوقت واستهلاك الوقود وتكاليف التأمين، إلى جانب المخاطر الجيوسياسية التي قد تواجه الناقلات على الطرق الأخرى، وهذا يعني أنّ تكلفة النقل عبر سوميد قد تبدو أعلى أو أقل وفقًا لطبيعة كل شحنة، لكن المعيار الأساسي يتمثل في التكلفة الإجمالية للرحلة.
وأشار إلى أن الطلب على استخدام الخط يرتفع عادة كلما ازدادت حدة التوترات في المنطقة، أو ارتفعت تكلفة المرور عبر المسارات البحرية البديلة، أو زادت أقساط التأمين المفروضة على السفن والناقلات.
استقرار العلاقات الأمريكية الإيرانية لا يقلل أهمية الخط
وحول مدى تأثر خط سوميد باحتمال عودة الاستقرار إلى العلاقات بين واشنطن وطهران، قال العسيلي إن انخفاض التوترات قد يؤدي إلى تراجع المخاطر الجيوسياسية وهبوط أقساط التأمين على السفن، وربما عودة جزء من تدفقات النفط إلى أنماطها ومساراتها التقليدية.
لكنه أكد أن أهمية سوميد لن تتراجع بصورة جوهرية حتى في حال استقرار الأوضاع السياسية والأمنية، لأن أسواق الطاقة الحديثة أصبحت أكثر اهتمامًا بتنويع طرق النقل وتعدد البدائل بهدف تأمين سلاسل الإمداد ضد الأزمات والمفاجآت المستقبلية، حيث أثبتت الأزمات المتتالية أن الاعتماد على مسار واحد يمثل مخاطرة كبيرة، حتى إذا كان هذا المسار مستقرًا في الظروف العادية.
وأضاف العسيلي أن الدول والشركات الكبرى أصبحت تضع خططًا بديلة مسبقة للتعامل مع احتمالات إغلاق الممرات البحرية أو ارتفاع تكاليف النقل أو تعرض المنشآت والموانئ لأزمات أمنية وتشغيلية، وسوميد يوفر أحد هذه البدائل الاستراتيجية، نظرًا إلى موقعه بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، وقدرته على نقل كميات كبيرة من النفط خلال فترات زمنية قصيرة نسبيًا.
كيف ترسخ مصر مكانتها كمركز إقليمي لتداول الطاقة؟
وقال العسيلي إن خط سوميد لم يعد مجرد مشروع لنقل النفط عبر الأراضي المصرية، بل أصبح أحد المكونات الرئيسة لمنظومة أمن الطاقة العالمي، خاصة مع تزايد الاضطرابات التي تشهدها الأسواق والممرات البحرية.
وأشار إلى أن تطوير القدرات التخزينية واللوجستية المرتبطة بالخط سيزيد قدرة مصر على استيعاب كميات أكبر من النفط، وتوفير خدمات إضافية لشركات الطاقة العالمية، مثل التخزين وإعادة الشحن وتوجيه الإمدادات إلى الأسواق المختلفة.
وأشار إلى أن استمرار تطوير منشآت الطاقة وخطوط النقل والموانئ ومراكز التخزين يمنح مصر فرصة حقيقية لترسيخ مكانتها باعتبارها مركزًا إقليميًا ودوليًا لتجارة وتداول الطاقة، فالموقع الجغرافي وحده لا يكفي لتحقيق هذا الهدف، وإنما يتطلب مواصلة الاستثمار في البنية التحتية، ورفع كفاءة التشغيل، وتطوير الخدمات اللوجستية، وضمان قدرة المنشآت على الاستجابة السريعة لتغيرات الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن الجمع بين قناة السويس وخط سوميد يمثل عنصر قوة نادرًا لمصر، إذ يتيح لها خدمة أنواع مختلفة من السفن والناقلات، وتوفير حلول متعددة لشركات النفط والتجارة الدولية.
واختتم الخبير الاقتصادي بتأكيد أن خط سوميد سيظل ورقة استراتيجية رابحة لمصر، ليس فقط خلال الأزمات، وإنما أيضًا ضمن منظومة طويلة الأجل تستهدف حماية أمن الإمدادات، وتنويع مسارات التجارة، وتعزيز المرونة والاستدامة في أسواق الطاقة العالمية.
قد يهمّك أيضًا: تراجع منسوب النيل يعيد أزمة سد النهضة إلى الواجهة
