تواجه أوروبا تحديات متزايدة في إعادة تعبئة مخزوناتها من الغاز قبل حلول فصل الشتاء، في ظل بقاء مستويات التخزين أقل بصورة واضحة من النسب المستهدفة، بالتزامن مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
وسببت موجة الحر غير المسبوقة التي شهدتها دول أوروبية خلال فصل الصيف في زيادة الطلب على الكهرباء والطاقة، ورفعت معدلات استهلاك الغاز، ما قلّص قدرة الدول الأوروبية على توجيه كميات كافية إلى منشآت التخزين استعدادًا لفصل الشتاء.
وقال الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إن الأزمة لا ترتبط فقط بتوافر شحنات الغاز، وإنما تشمل كذلك ارتفاع الأسعار وتزايد المنافسة الدولية على الغاز الطبيعي المسال، خصوصًا مع اتجاه جزء من الشحنات المتاحة إلى الأسواق الآسيوية التي أصبحت تقدم عروضًا أكثر جاذبية للموردين مقارنة ببعض المشترين الأوروبيين.
مخزونات الغاز في أوروبا تهوي إلى 54%
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن مستويات تخزين الغاز في أوروبا بلغت نحو 54% فقط من السعة المستهدفة، في وقت كان من المفترض أن تقترب فيه المخزونات من مستوى 80% قبل بداية فصل الشتاء.
وأكد أن الوصول إلى النسبة المستهدفة أصبح أمرًا بالغ الصعوبة في ظل الظروف الحالية، موضحًا أن مخزونات الغاز الأوروبية سجلت أدنى مستوياتها منذ نحو خمس سنوات، أو منذ الفترة التي سبقت اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وما ترتب عليها من تراجع كبير في إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا.
وقال عبد الهادي إن استمرار انخفاض المخزونات لا يعني بالضرورة حدوث انقطاع كامل في الإمدادات، لكنه يجعل السوق الأوروبية أكثر حساسية تجاه أي اضطراب جيوسياسي أو فني، كما يرفع احتمالات حدوث قفزات مفاجئة في الأسعار إذا اشتد الطلب خلال الشتاء أو تعرضت خطوط النقل والشحن لمزيد من التعطل.
اقرأ أيضًا: موجات الحر في أوروبا تبرز الاعتماد التجاري على الصين
بلجيكا تتأثر بمنافسة الأسواق الآسيوية
وأوضح أن بلجيكا تُعد من الدول الأوروبية المتأثرة بالوضع الحالي، نظرًا لاعتمادها على كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال الذي يصل عبر موانئها، إلى جانب ارتباطها بعقود طويلة الأجل مع شركات الطاقة القطرية.
وأضاف أن وصول بعض هذه الإمدادات تأثر بالحرب الدائرة في إيران والتوترات المحيطة بمنطقة مضيق هرمز، فضلًا عن تحويل جزء من شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى شركات وأسواق آسيوية تنافس نظيراتها الأوروبية على الكميات المتاحة في السوق العالمية.
وأكد أن المشكلة لا تخص بلجيكا وحدها، وإنما تمثل أزمة أوروبية عامة؛ لأن دول الاتحاد الأوروبي أصبحت تعتمد بصورة أكبر على الغاز المسال المستورد بحرًا بعد تقليص الاعتماد على الغاز الروسي المنقول عبر خطوط الأنابيب.
وأوضح أن أي اضطراب في الممرات البحرية أو ارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين ينعكس سريعًا على أسعار الغاز في مختلف الدول الأوروبية، حتى في الدول التي لا تعتمد بصورة مباشرة على الإمدادات القادمة عبر مضيق هرمز.
ألمانيا تتحرك لتنويع مصادر الإمدادات
وقال الدكتور محمد عبد الهادي إن حماية المستهلكين والقطاع الصناعي من ارتفاع أسعار الطاقة أصبحت من أهم الأولويات بالنسبة للحكومة الألمانية، وهو ما ظهر في التحركات والاتصالات التي أجراها المستشار الألماني مع قادة عدد من الدول المصدرة للغاز.
وأشار إلى أن هذه التحركات شملت اجتماعات مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ورئيس أذربيجان إلهام علييف، في إطار مساعي ألمانيا لتعزيز التعاون في مجال الطاقة وزيادة كميات الغاز المتاحة للسوق الألمانية.
وأضاف أن ألمانيا وقعت مذكرات تفاهم تستهدف رفع حجم صادرات الغاز إليها، ضمن استراتيجية تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على دولة أو مورد واحد.
وأكد أن ألمانيا استفادت من تجربة الحرب الروسية الأوكرانية وما ترتب عليها من قطع أو تراجع الإمدادات الروسية، واتجهت منذ ذلك الوقت إلى تنويع مصادر الغاز وإنشاء بنية تحتية لاستقبال الغاز الطبيعي المسال وإبرام اتفاقات جديدة مع عدد من الدول المنتجة.
اقرأ أيضًا: ألمانيا تتجه إلى ديون قياسية في موازنة 2027
قفزات أسعار الغاز في ألمانيا
ورأى عبد الهادي أن ألمانيا لا تواجه في الوقت الراهن أزمة مباشرة في توافر الإمدادات بالمعنى التقليدي، لكن الخطر الأكبر يتمثل في ارتفاع الأسعار وتأثيره في المواطنين والشركات والقطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وأشار إلى أن ارتفاع تكلفة الطاقة تسبب خلال السنوات الأخيرة في فقدان عشرات الآلاف من فرص العمل، كما استمر هذا التأثير خلال العام الحالي، نتيجة الضغوط التي تعرضت لها المصانع والشركات الألمانية.
وأوضح أن الاقتصاد الألماني يعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات والقطاع الصناعي، ولذلك يتأثر بصورة مباشرة بارتفاع أسعار الغاز والكهرباء، لأن زيادة تكلفة الإنتاج تقلل القدرة التنافسية للصادرات الألمانية في الأسواق العالمية.
وقال إن ألمانيا كانت تشتري الغاز حتى عام 2022 بسعر يقارب 12 يورو لكل ميجاوات، بينما ارتفع السعر حاليًا إلى نحو 60 يورو، وهو ما يمثل زيادة كبيرة تضغط على الشركات والمستهلكين والاقتصاد بصورة عامة.
وأضاف أن اضطرار ألمانيا إلى شراء كميات أكبر من السوق الدولية يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار والمنافسة مع المشترين الآسيويين، وهو ما يفسر تكثيف برلين تحركاتها للبحث عن موردين جدد وعقود أكثر استقرارًا.
ارتفاع أسعار الغاز في بريطانيا بنسبة 50%
وأوضح الخبير الاقتصادي أن بريطانيا، شأنها شأن عدد من الدول الأوروبية الأخرى، شهدت موجة حر خلال فصل الصيف، وتترقب فصل شتاء تحيط به شكوك عديدة بشأن أسعار وإمدادات الغاز.
وأشار إلى أن الإمدادات المتاحة لبريطانيا لا تزال جيدة نسبيًا، كما أن البلاد لا تعتمد بصورة رئيسة على الإمدادات القادمة من مضيق هرمز، لكن أسعار الغاز بالجملة ارتفعت في السوق البريطانية بنسبة 50% خلال شهر واحد.
وأكد أن هذا الارتفاع يرجع إلى كون الغاز سلعة عالمية يتم تداولها في سوق مترابطة، وبالتالي فإن أي أزمة أو اضطراب في منطقة إنتاج أو عبور رئيسة يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في مختلف الأسواق، حتى في الدول التي لا تستورد مباشرة من المنطقة المتأثرة.
وقال إن رئيس الوزراء البريطاني الجديد أندي بيرنام اتخذ قرارًا بإلغاء ضريبة القيمة المضافة على فواتير الكهرباء اعتبارًا من أكتوبر المقبل، في محاولة لتخفيف الضغط على المستهلكين في مواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة.
وأضاف أن الغاز يُستخدم في توليد نحو 30% من الكهرباء في بريطانيا، ولا يقتصر استخدامه على التدفئة المنزلية، بل تعتمد عليه أيضًا قطاعات صناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وأشار إلى أن الهيئة المنظمة لأسعار الغاز والطاقة في بريطانيا تستعد لرفع سقف الأسعار المفروض على فواتير المستهلكين خلال أكتوبر، موضحًا أن موجة الارتفاع الحالية في أسعار الجملة قد تنعكس على السقف الجديد خلال شهرين أو ثلاثة أشهر.
اقرأ أيضًا: استقالة كير ستارمر.. وصعود بيرنهام يربك حزب العمال
أوروبا لا تواجه أزمة فورية في تأمين الطاقة
وأوضح الدكتور محمد عبد الهادي أن المفوضية الأوروبية تتابع تطورات أسواق الطاقة بصورة مستمرة، وأن مصدر القلق الأساسي لديها يتمثل في التغيرات السريعة بالأسعار، وليس في وجود مشكلة فورية بتأمين مصادر الطاقة.
وأضاف أن الاتحاد الأوروبي بدأ منذ عام 2022 تطبيق سياسة واسعة لتنويع مصادر الطاقة والابتعاد عن الاعتماد المفرط على روسيا، ما أتاح للدول الأوروبية الحصول على الغاز والطاقة من عدد أكبر من الموردين في الأسواق العالمية.
وأكد أن أوروبا لا تواجه حاليًا مشكلة مباشرة في توافر مصادر الطاقة، لكنها تتأثر بحالة عدم اليقين الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز، وما يترتب على ذلك من اضطراب في الأسواق العالمية وارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين والطاقة.
وأشار إلى أن استمرار إغلاق المضيق أو تصاعد التوترات في الشرق الأوسط قد يجعل الأسواق أكثر اضطرابًا، خصوصًا أنه لا أحدًا يستطيع تحديد المدة التي ستستمر خلالها الأزمة أو حجم تأثيرها النهائي في إمدادات الطاقة العالمية.
وضع أوروبا أفضل مقارنة بعام 2022
وقال عبد الهادي إن وضع أوروبا الحالي يختلف بصورة كبيرة عما كان عليه في عام 2022، عندما قطعت روسيا جزءًا كبيرًا من إمدادات الغاز المتجهة إلى الدول الأوروبية.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي نجح منذ ذلك الوقت في تنويع مصادره، وأصبحت النرويج والولايات المتحدة من أكبر موردي الغاز إلى أوروبا، إلى جانب دول أخرى توفر الغاز عبر خطوط الأنابيب أو في صورة غاز طبيعي مسال.
وأضاف أن أوروبا مستمرة في سياسة التنويع حتى لا تعود إلى الاعتماد على مورد واحد، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التعامل مع الأزمات الحالية مقارنة بدول أو مناطق أخرى لم تتخذ إجراءات مماثلة.
وأكد أن الخطط الأوروبية الراهنة ليست مجرد استجابة للحرب الحالية في الشرق الأوسط، وإنما امتداد لسياسة بدأت عقب أزمة عام 2022، بعدما أدركت الدول الأوروبية مخاطر الاعتماد الزائد على مصدر واحد للطاقة.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن قدرة أوروبا على تأمين الإمدادات لا تعني انتهاء الأزمة؛ لأن المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى المستهلكين والشركات تتمثل في الأسعار ومدى استقرارها خلال الأشهر المقبلة.
وقال إن المؤسسات الأوروبية تحاول اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق قدر من الاستقرار في السوق، لأن عدم اليقين والتقلبات الحادة يمثلان أخطر ما يمكن أن تواجهه أسواق الغاز والطاقة.
وأضاف أن أسعار الغاز الحالية لا تزال أقل من المستويات القياسية التي سجلتها خلال ذروة أزمة الطاقة في عام 2022، لكن استمرار التوترات وإغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة قد يؤديان إلى موجة جديدة من الارتفاعات.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن طول أمد الأزمة سيزيد الضغط على المخزونات الأوروبية، ويرفع كلفة إعادة تعبئتها، ويؤثر في فواتير المستهلكين وفي تكلفة الإنتاج الصناعي والنمو الاقتصادي.
قد يهمّك أيضًا: 13 مليار دولار من نفط فنزويلا.. أين ذهبت الأموال؟
