أسواق الطاقة

    مصر تؤمّن بدائل للطاقة بعد حادث ميناء دمياط

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •5 دقائق
    ناقلة الغاز المسال العملاقة (GOLAR GLACIER) أثناء استقبالها في ميناء دمياط.

    أعلنت رئاسة مجلس الوزراء المصرية أن التحقيقات الأولية في الحريق الذي اندلع داخل سفينتين بميناء دمياط، شمالي البلاد، أظهرت أنه نجم عن هجوم بطائرة مسيّرة. وأكدت الحكومة أنه لم تعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليتها عن الحادث، مشيرة إلى استمرار التحقيقات لكشف كافة الملابسات وتحديد مصدر الطائرة والجهة المقاتلة التي أطلقتها، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمن مصر ومصالحها الوطنية.

    وأكد الرئيس عبدالفتاح السيسي أن الجهات المعنية بدأت التحقيقات للوقوف على تفاصيل حادث ميناء دمياط وتحديد ملابساتها والجهة المسؤولة عنها. فيما أوضح الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الدولة تحركت سريعًا لتوفير بدائل تضمن تغطية احتياجات البلاد من الطاقة، عقب الأضرار الكبيرة التي لحقت بسفينة الغاز الموجودة بالميناء.

    وأشار مدبولي إلى العثور على بقايا الطائرة المسيّرة التي استهدفت الميناء في ساعة متأخرة من مساء الأربعاء، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، موضحًا أن الجهات المختصة بدأت فحص تلك البقايا لتحديد نوع الطائرة ومصدرها ومسارها وكشف تفاصيل الحادث بصورة دقيقة.

    توجيه 8 شحنات غاز إلى العقبة

    وأكد رئيس الوزراء أن منظومة الطاقة لم تتأثر بالحريق، بعدما لجأت الحكومة إلى تشغيل بدائل مؤقتة شملت استخدام السولار والمازوت، بالتنسيق بين وزارة المالية والبنك المركزي المصري لتوفير الاحتياجات التمويلية اللازمة، إلى جانب الاستفادة من سفينة لإعادة التغويز في ميناء العقبة الأردني، تُستخدم في حالات الطوارئ.

    وفي هذا السياق، تعتزم وزارة البترول والثروة المعدنية توجيه 8 شحنات من الغاز الطبيعي المسال إلى ميناء العقبة خلال أغسطس، لإعادة تغويزها وضمان استقرار الإمدادات بالسوق المصرية. وتتراوح سعة كل شحنة بين 150 ألفًا و155 ألف متر مكعب من الغاز المسال، على أن تُخصص الكميات الناتجة لتلبية احتياجات محطات توليد الكهرباء التقليدية والمصانع في مصر، عبر خط الغاز العربي.

    وتأتي هذه الشحنات لتعويض الكميات التي كان مقررًا إعادة تغويزها خلال الأسابيع المقبلة عبر وحدة "إنرجوس وينتر"، التي تضررت جراء الحريق، بما يضمن استمرار تدفق الغاز إلى السوق المحلية لحين الانتهاء من الفحوص الفنية والإصلاحات اللازمة والتأكد من جاهزية السفينة للعودة إلى الخدمة بصورة كاملة.

    كما تعيد وزارة البترول توزيع شحنات الغاز المستوردة على وحدات إعادة التغويز الأخرى داخل مصر، لضمان عدم تأثر الإمدادات، وكانت الوزارة قد اكتفت خلال الأشهر الماضية بإعادة تغويز الشحنات الواردة محليًا، دون توجيه كميات إلى دول الجوار، قبل اللجوء إلى ميناء العقبة عقب الحادث.

    اقرأ أيضًا: هل أصبح خط سوميد حبل النجاة لأسواق النفط العالمية؟

    مغادرة سفن التغويز والتخزين رصيف دمياط

    كشفت بيانات تتبع حركة السفن مغادرة "إنرجوس وينتر" المخصصة لإعادة التغويز، و"غازلوغ سالم" المخصصة لتخزين الغاز، أرصفة ميناء دمياط بصورة مؤقتة، في إجراء احترازي عقب الحريق الذي اندلع على متنهما.

    وأظهرت البيانات توقف السفينتين داخل المياه الإقليمية المصرية، على بعد عدة كيلومترات من رصيف الميناء، لحين الانتهاء من أعمال الفحص الفني والتأكد من سلامة الوحدتين وعدم تأثر أنظمة التشغيل الرئيسة، قبل اتخاذ قرار بشأن عودتهما إلى العمل.

    وفي المقابل، أكدت هيئة ميناء دمياط استمرار النشاط التشغيلي بكامل الكفاءة، وانتظام حركة دخول السفن ومغادرتها، وأعمال الشحن والتفريغ وتداول البضائع بمختلف أنواعها، فضلًا عن استمرار الخدمات البحرية واللوجستية على مدار الساعة.

    اقرأ أيضًا: تراجع منسوب النيل يعيد أزمة سد النهضة إلى الواجهة

    حادث ميناء دمياط.. التحقيقات تحدد شكل الرد

    قال اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن الصورة بدأت تتضح عقب السيطرة على الحريق وبدء عمل لجنة التحقيق، موضحًا أن البيان الأول تحدث عن نشوب حريق، وهو أمر طبيعي في بداية الواقعة، لأن لجان التحقيق لا يمكنها دخول الموقع قبل إخماد النيران وتأمينه.

    وأضاف أن البيان الثاني صدر عقب بدء الفحوص، وأكد ارتباط الحادث بطائرة مسيّرة، مشيرًا إلى أن التحقيقات الإضافية تستهدف تحديد نوع الطائرة وسرعتها ومداها والجهات التي تمتلك هذا الطراز، إلى جانب تحليل بقاياها ومسارها، وهي بيانات ضرورية للوصول إلى الجهة التي أطلقتها.

    وأوضح أن عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها يجعل استكمال التحقيقات المدخل الأساسي لتحديد كيفية تعامل الدولة المصرية مع الحادث، لافتًا إلى أن خيارات الرد قد تكون سياسية أو عسكرية أو تجمع بين المسارين، بحسب نتائج التحقيقات وطبيعة التهديد.

    وأشار إلى إلى أنّ الطائرات المسيّرة الصغيرة تمثل تحديًا أمنيًا عالميًا بسبب صعوبة رصد بعضها بواسطة أنظمة الرادار التقليدية، مستشهدًا بقدرة طائرات صغيرة على اختراق منظومات دفاعية قوية في مناطق أخرى من العالم.

    وأكد أن استيعاب الموقف كان سريعًا، سواء من حيث إخماد النيران أو استعادة الميناء نشاطه الطبيعي، معتبرًا أن سرعة السيطرة على الحريق واستمرار التشغيل يعكسان كفاءة إدارة الأزمة في موقع حيوي واستراتيجي.

    تجنب الانجرار إلى صراع إقليمي

    وحول احتمال انخراط مصر عسكريًا في التصعيد الإقليمي إذا ثبت ارتباط الحادث بأحد أطراف الصراع، يرى الخبير أن هناك محاولة لجر دول المنطقة العربية إلى دائرة المواجهة، وأن مصر وبقية الدول العربية تدرك هذا الخطر وتعمل في مسارين متوازيين.

    المسار الأول يتمثل في مواصلة جهود التهدئة والوساطة بالتعاون مع دول عربية وإقليمية، بينما يقوم المسار الثاني على امتلاك القدرة على صد التهديدات واستيعابها والرد عليها إذا أصبح الرد ضروريًا.

    وأكد أن مصر ستسعى إلى إفشال محاولات جرها إلى صراع واسع، مع الاستمرار في دورها الداعم لخفض التصعيد، موضحًا أن الرد يظل حقًا أصيلا تكفله المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وأن الخيار العسكري يبقى أحد الاحتمالات، لكن دون الانخراط في استراتيجية تؤدي إلى إشعال المنطقة بأكملها.

    قد يهمّك أيضًا: لماذا شدد البنك المركزي المصري قواعد التوريق؟

    تعزيز دور الرباعية الإقليمية

    ولفت الخبير إلى دور الرباعية التي تضم مصر وتركيا والسعودية وباكستان، موضحًا أنها عقدت أربعة اجتماعات متتالية لبحث ترتيبات أمنية استباقية تهدف إلى استيعاب التصعيد من خلال دول المنطقة نفسها.

    ورجح أن يؤدي حادث دمياط إلى تعزيز دور الرباعية، وربما انضمام دول أخرى إليها، بما يدفع جهود التفاوض والترتيبات الأمنية الإقليمية إلى الأمام.

    وأكد أن مصر لن تتخلى عن دورها كوسيط، أو عن أدوارها في التهدئة والقضية الفلسطينية والملفات الإقليمية الأخرى، باعتبار ذلك جزءًا من سياسة مصرية واضحة وثابتة.

    أهمية ميناء دمياط

    وفيما يتعلق بمنظومة الغاز، أكد اللواء سمير فرج أنها تعمل بصورة طبيعية، وأنها قادرة على مواصلة العمل بكامل كفاءتها، بل وزيادة قدرتها مستقبلًا، مشددًا على أن الدولة تمتلك خبرة مرتفعة في إدارة أزمات مماثلة أو أكثر تعقيدًا.

    ويُعد ميناء دمياط أحد أهم الموانئ المصرية، مستفيدًا من موقعه على ساحل البحر المتوسط وقربه من قناة السويس وموانئ شرق المتوسط وجنوب أوروبا، وتم افتتاحه رسميا للملاحة البحرية في يوليو 1986، وواصل منذ ذلك الوقت تطوير بنيته وقدراته التشغيلية.

    ويبعد الميناء نحو 37 كيلومترا عن المدخل الشمالي لقناة السويس، ونحو 70 كيلومترا عن ميناء القناة، كما يرتبط بشبكة متكاملة للنقل متعدد الوسائط تشمل الطرق البرية والسكك الحديدية والنقل النهري.

    ويمتد الميناء على مساحة إجمالية تبلغ نحو 11.8 مليون متر مربع، وتضم واجهته البحرية 23 رصيفًا بإجمالي أطوال يصل إلى 5370 مترا، ما يسمح باستقبال ومناولة أنواع مختلفة من السفن والبضائع.

    وتتكامل الأرصفة مع ست محطات متخصصة للحاويات والبضائع العامة والصب السائل والجاف والحبوب والمواد الغذائية، إضافة إلى محطات الغاز والبتروكيماويات.

    وعلى الجانب البري، يمتلك الميناء شبكة طرق بطول نحو 22 كيلومترا، ترتبط بالطريق الدولي الساحلي وشبكة الطرق المؤدية إلى شرق الدلتا ومختلف أنحاء الجمهورية، إلى جانب سبع بوابات موزعة على امتداد مساحته.