مختارات إكونوميبيديا

    فيروسات سيبيريا .. خطر يوقظه ذوبان الجليد

    ذوبان الجليد في سيبيريا لا يكشف الأرض فحسب، بل قد يحرر مسببات أمراض بقيت معزولة آلاف السنين. وقد أظهرت حوادث سابقة أن الخطر ليس افتراضياً، لكن العلماء لا يعرفون بعد مدى احتمال انتقال هذه الفيروسات إلى البشر أو قدرتها على التسبب في تفشيات جديدة.

    بقلم Onboarding Account••آخر تحديث •4 دقائق
    ذوبان الأرض المتجمدة في سيبيريا واحتمال انكشاف فيروسات وبكتيريا قديمة

    قد لا يكون أخطر ما يكشفه ذوبان الجليد في سيبيريا هو المياه التي يطلقها، بل ما قد يخرج من الأرض التي ظلت متجمدة آلاف السنين من فيروسات وأمراض معدية.

    ففي هذه المنطقة الروسية الشاسعة، احتفظت طبقات الأرض المتجمدة ببقايا حيوانات ومواد بيولوجية وكائنات دقيقة قديمة. ومع ارتفاع درجات الحرارة، يدرس العلماء احتمال عودة بعض هذه الكائنات إلى النشاط، وما قد يعنيه ذلك للصحة العامة.

    وتزامن هذا القلق مع تقارير عن وفاة فنية مختبر في مؤسسة روسية متخصصة بأبحاث الطاعون في أكتوبر 2026. لكن السلطات الروسية لم تؤكد أن الطاعون كان سبب الوفاة، ولم تثبت وجود صلة بين الحادثة والميكروبات المحفوظة في الأرض المتجمدة. وتبقى القضية الأوسع هي ما إذا كان تغير المناخ قد يكشف مخاطر صحية ظلت معزولة لفترات طويلة.

    ماذا تخفي الأرض المتجمدة؟

    تضم سيبيريا مساحات شاسعة من الأراضي التي بقيت متجمدة على مدار العام لآلاف السنين. وفي هذه الطبقات، يمكن أن تبقى بقايا حيوانات قديمة وكائنات دقيقة ومواد عضوية محفوظة بفعل البرودة. لكن مع ارتفاع درجات الحرارة، تذوب أجزاء من الأرض، وتنكشف مواد كانت مدفونة ومعزولة عن البيئة المحيطة.

    ولا يعني ذلك أن كل فيروس قديم سيعود إلى الحياة أو يصبح قادراً على إصابة البشر. فبقاء الفيروس على قيد النشاط يعتمد على خصائصه والظروف التي تعرض لها، كما أن كثيراً من الفيروسات لا تستطيع إصابة الإنسان أصلاً.

    اقرأ أيضا: عوائد السندات الفرنسية تفوق اليونانية.. ومخاوف من أزمة ديون

    علماء أعادوا فيروسات قديمة

    في عام 2023، نشر باحثون دراسة عن فيروسات استعادوها من عينات أرض متجمدة قديمة في سيبيريا. وتمكنوا من إظهار أن بعض هذه الفيروسات لا يزال قادراً على إصابة الأميبات، وهي كائنات مجهرية وحيدة الخلية.

    لكن هذه التجربة لا تعني أن العلماء أعادوا فيروسات قادرة على إصابة البشر، ولا أنها تثبت وجود جائحة جديدة في المستقبل. أهميتها أنها تظهر أن بعض الفيروسات يمكن أن تحتفظ بقدرتها على العدوى بعد بقائها فترات طويلة في ظروف التجميد.

    ويثير ذلك تساؤلات إضافية بشأن البكتيريا القديمة، خصوصاً أن بعض البكتيريا المكتشفة في البيئات المتجمدة تحمل جينات مرتبطة بمقاومة المضادات الحيوية. ولا تزال الحاجة قائمة إلى مزيد من الأبحاث لفهم مدى قدرة هذه الكائنات على الانتقال إلى البيئة الحالية، وما إذا كانت تشكل خطراً فعلياً على الإنسان.

    عندما عاد مرض قديم

    الخطر ليس افتراضياً بالكامل. ففي صيف عام 2016، شهدت شبه جزيرة يامال في سيبيريا تفشياً لمرض الجمرة الخبيثة، أدى إلى وفاة طفل يبلغ 12 عاماً ونفوق أكثر من 2300 حيوان من الرنة.

    وربطت أبحاث علمية التفشي بارتفاع درجات الحرارة وذوبان الأرض المتجمدة، الأمر الذي ربما ساهم في كشف بقايا حيوانات مصابة بالبكتيريا. إنتاج أشكال شديدة المقاومة للظروف البيئية القاسية، والبقاء في التربة لفترات طويلة.

    لكن هذا المثال لا يثبت أن الفيروسات القديمة ستتسبب في أوبئة بشرية. فالجمرة الخبيثة مرض بكتيري معروف، وتختلف آلية انتقاله عن آليات انتقال الفيروسات. وتكمن أهمية الحادثة في أنها توضح كيف يمكن لتغير الظروف البيئية أن يعيد فتح مسارات للعدوى كانت محدودة أو معزولة.

    لماذا يتسارع الخطر؟

    ترتفع حرارة القطب الشمالي بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي، ما يسرّع ذوبان أجزاء من الأراضي المتجمدة في سيبيريا ومناطق أخرى. ولا تقتصر النتائج على احتمال انكشاف ميكروبات قديمة؛ إذ يؤدي ذوبان المواد العضوية أيضاً إلى إطلاق غازات دفيئة، مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان، التي تزيد بدورها من الاحتباس الحراري.

    اقرأ أيضا: سوفت بنك يطلب 100 مليار دولار من الخليج لرهان الذكاء الاصطناعي

    ويضاف إلى ذلك توسع الأنشطة الصناعية والتعدينية في بعض المناطق القطبية، وزيادة حركة العمال والسكان. وكلما ازداد الاحتكاك بين البشر والحيوانات والبيئات التي كانت معزولة، ارتفعت أهمية مراقبة الأمراض المحتملة.

    وتواجه الأبحاث تحديات أخرى، لأن جزءاً كبيراً من الأراضي المتجمدة في العالم يقع داخل روسيا. وقد أدت التوترات الدولية إلى تعقيد بعض أوجه التعاون العلمي وتبادل البيانات، ما يجعل الوصول إلى المعلومات الموثوقة أكثر أهمية لفهم المخاطر والاستعداد لها.

    هل يواجه العالم جائحة جديدة؟

    لا توجد أدلة تثبت أن ذوبان الأرض المتجمدة في سيبيريا سيؤدي حتماً إلى ظهور جائحة جديدة. كما لا توجد أدلة تثبت أن وفاة فنية المختبر في أكتوبر 2026 مرتبطة بفيروسات قديمة خرجت من الجليد.

    لكن غياب اليقين لا يعني تجاهل الاحتمال. فالمراقبة الصحية، ودراسة الحيوانات النافقة، وفحص الميكروبات المكتشفة، وتبادل المعلومات بسرعة، كلها وسائل تساعد على اكتشاف المخاطر قبل انتشارها.

    والدرس الأهم أن تغير المناخ لا يهدد المدن والسواحل والزراعة فقط؛ بل يغير أيضاً البيئات التي عاشت فيها كائنات دقيقة لآلاف السنين. وما قد يخرج من الأرض المتجمدة ليس بالضرورة وباءً جديداً، لكنه سبب كافٍ لتعزيز البحث العلمي والاستعداد الصحي، بدلاً من انتظار ظهور الخطر حتى يصبح التعامل معه أكثر صعوبة.

    اقرأ أيضا: كيف أصبحت الصين عقدة يصعب تجاوزها في اقتصاد العالم؟