تواجه أسواق السندات الأوروبية ضغوطًا متزايدة، بعدما تجاوزت عوائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات نظيرتها اليونانية بفارق 46.4 نقطة أساس خلال تعاملات الخميس 8 أكتوبر 2026، مقتربة من أعلى مستوياتها منذ عام 2002، في تطور يعكس تصاعد مخاوف المستثمرين بشأن الأوضاع المالية والسياسية في فرنسا، وسط تحذيرات من احتمالات تفاقم أزمة الدين السيادي وارتفاع تكاليف الاقتراض في عدد من دول جنوب أوروبا.
وسجل عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات، نحو 4.897%، مقابل 4.433% للسندات اليونانية المماثلة، وفقًا للبيانات التاريخية لعوائد السندات في فرنسا واليونان، قبل أن تتراجع العوائد خلال تعاملات الجمعة 9 أكتوبر مع انحسار حدة موجة البيع التي اجتاحت أسواق الدخل الثابت الأوروبية.
ورغم التباطؤ النسبي في الضغوط البيعية، ظلت تكاليف الاقتراض الحكومي الفرنسي عند مستويات مرتفعة، بعدما دفعت عمليات البيع المكثفة عوائد السندات لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوياتها منذ يوليو 2002، فيما واصلت عوائد السندات لأجل عامين التحرك عند مستويات مرتفعة، في ظل تجدد المخاوف التضخمية المرتبطة بصعود أسعار النفط، وتشديد الأوضاع النقدية، وتزايد القلق بشأن الاستقرار المالي على المدى الطويل.
ارتفاع تكاليف الاقتراض الفرنسي يمتد إلى أسواق جنوب أوروبا
وتصدرت فرنسا الأسواق الأوروبية المتأثرة بموجة ارتفاع عوائد السندات الحكومية، وسط تزايد المخاوف بشأن مستويات الدين العام وقدرة الحكومة على معالجة التحديات المالية، وهو ما انعكس على تقييم المستثمرين للمخاطر المرتبطة بأدوات الدين السيادي الفرنسي.
وامتدت الضغوط إلى سوق سندات الشركات الفرنسية، بعدما أصبحت بعض إصدارات ديون الشركات تحقق عوائد أقل من السندات الحكومية ذات آجال الاستحقاق المماثلة، في تحول يعكس تراجع الثقة في الدين السيادي مقارنة ببعض إصدارات الشركات ذات التصنيف الائتماني المرتفع.
وبحسب بيانات نشرتها وكالة بلومبرج، فإن نحو 38% من السندات الفرنسية الصادرة عن شركات ذات تصنيف استثماري، بقيمة تقارب 215 مليار يورو، كانت تحقق عوائد أقل من السندات الحكومية المماثلة في آجال الاستحقاق، مقارنة بنحو 12 مليار يورو فقط في بداية عام 2026.
ولم تقتصر موجة ارتفاع العوائد على السوق الفرنسية، بل امتدت إلى عدد من دول جنوب أوروبا، وفي مقدمتها إيطاليا واليونان، حيث تعرضت السندات الحكومية لضغوط بيعية دفعت العوائد إلى مستويات مرتفعة، بالتزامن مع استمرار المخاوف بشأن التضخم وارتفاع تكاليف التمويل.
وسجلت عوائد السندات الإيطالية ارتفاعات ملحوظة، فيما واجهت نظيرتها اليونانية ضغوطًا مماثلة، في ظل اتساع نطاق التقلبات التي تشهدها أسواق الدين الأوروبية، رغم تباين مستوى المخاطر المالية بين الدول.
اقرأ أيضًا: الاحتجاجات الطلابية في فرنسا تتسع.. والحكومة أمام اختبار صعب
أزمة موازنة 2027 والانقسام السياسي يزيدان الضغوط على السندات الفرنسية
تزامن ارتفاع تكاليف الاقتراض الفرنسي مع استمرار الخلافات السياسية بشأن موازنة عام 2027، في ظل صعوبة التوصل إلى توافق بين القوى السياسية يسمح بإقرارها، وعدم وضوح فرص حصول الحكومة على تأييد الأحزاب المعارضة، ما زاد حالة عدم اليقين بشأن مستقبل المالية العامة.
وفي هذا السياق، طالب وزراء مالية منطقة اليورو والبنك المركزي الأوروبي فرنسا بالإسراع في إقرار الموازنة، بهدف تهدئة أسواق السندات واستعادة ثقة المستثمرين، في ظل استمرار المخاوف بشأن قدرة السلطات الفرنسية على احتواء الضغوط المالية.
و ناقش وزراء مالية دول منطقة اليورو، خلال اجتماعهم في لوكسمبورغ يوم الخميس 8 أكتوبر، الارتفاع الحاد في تكاليف الاقتراض الفرنسي، مؤكدين ضرورة اتباع سياسات مالية حذرة، لا سيما في الدول التي تواجه مستويات مرتفعة من العجز أو الدين العام.
وفي تعليقه على هذه التطورات، قال محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إن الانقسام السياسي داخل فرنسا يمثل أحد أبرز مصادر القلق لدى المستثمرين في سوق السندات الحكومية، في ظل المخاوف من عدم قدرة الحكومة والبرلمان على اتخاذ قرارات سريعة وموحدة لتحسين أوضاع المالية العامة.
وأوضح عبد الهادي أن استمرار الخلافات بشأن الإجراءات المطلوبة لمعالجة الاختلالات المالية قد يؤدي إلى تأخير إقرار الموازنة، وإضعاف قدرة السلطات على الاستجابة للضغوط التي تواجه سوق الدين السيادي، مشيرًا إلى أن غياب التوافق السياسي يزيد حالة عدم اليقين بشأن مستويات العجز وتكاليف الاقتراض الحكومي.
وأضاف أن الأسواق تخشى عدم قدرة القوى السياسية الفرنسية على التحرك بالسرعة اللازمة لتحسين أوضاع الموازنة وتوقعاتها المستقبلية، وهو ما قد يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى مقابل تحمل المخاطر المرتبطة بالدين السيادي الفرنسي، ويزيد صعوبة استعادة الاستقرار في سوق السندات.
رمسيس: تجاوز العوائد الفرنسية نظيرتها اليونانية يعكس تصاعد المخاطر
وقالت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، إن المخاوف بشأن مستقبل سوق السندات الفرنسية تتزايد بعد تجاوز عوائدها نظيرتها اليونانية، في تطور يعكس تصاعد قلق المستثمرين من الأوضاع المالية والسياسية في فرنسا، واحتمالات استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض خلال الفترة المقبلة.
وأوضحت رمسيس أن هذا التحول يعكس تغيرًا في تقييم الأسواق للمخاطر المرتبطة بالديون السيادية، بعدما كانت اليونان في مقدمة الدول الأوروبية التي تعرضت لأزمات مالية حادة، فيما تواجه فرنسا حاليًا ضغوطًا متزايدة ترتبط بقدرة الحكومة على تحسين أوضاع المالية العامة والتوصل إلى توافق سياسي بشأن الموازنة.
وأشارت إلى أن التحركات المتزامنة التي تشهدها أسواق السندات العالمية تثير تساؤلات بشأن احتمالات تسجيل العوائد قفزات إضافية، ومدى قدرة المستويات المرتفعة للعوائد الأوروبية على جذب استثمارات جديدة من الأسواق الأخرى.
وأضافت أن استمرار ارتفاع العوائد قد يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية، من خلال التخارج من أدوات الدين منخفضة العائد في عدد من الأسواق العالمية، والتوجه نحو السندات الأوروبية للاستفادة من العوائد الأعلى، رغم استمرار المخاطر المرتبطة بالأوضاع المالية.
أزمة الديون اليونانية تعود إلى واجهة المقارنات مع فرنسا
من جانبه، قال محمد عبد الهادي إن الضغوط التي تواجهها السندات الحكومية الفرنسية تعيد إلى الأذهان أزمة الديون السيادية التي تعرضت لها اليونان، والتي بدأت عام 2010 واشتدت خلال السنوات التالية، بعدما أدت المخاوف بشأن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية إلى ارتفاعات حادة في عوائد السندات الحكومية.
وأوضح أن عوائد السندات اليونانية لأجل عشر سنوات وصلت خلال الأزمة إلى مستويات اقتربت من 40% في مارس 2012، ما شكل ضغطًا كبيرًا على السلطات اليونانية، ودفع الطبقة السياسية إلى إدراك خطورة الأوضاع المالية واتخاذ إجراءات لمعالجة المشكلات التي واجهتها البلاد.
وتشير البيانات التاريخية لعوائد السندات اليونانية إلى بلوغ العائد نحو 39.85% في 8 مارس 2012، قبل أن يتراجع خلال الفترة التالية.
وأضاف عبد الهادي أن اليونان شهدت خلال السنوات اللاحقة تغيرات في أوضاعها المالية وسوق ديونها، حتى أصبحت عوائد سنداتها الحكومية أقل من نظيرتها الفرنسية، في تحول يعكس اختلاف تقييم المستثمرين للمخاطر المرتبطة بالديون السيادية في البلدين.
وحذر من أن استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض الفرنسي، بالتزامن مع الانقسامات السياسية وصعوبة معالجة المشكلات المالية، قد يدفع البلاد نحو أزمة ديون، خاصة إذا استمرت حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الموازنة وقدرة السلطات على اتخاذ الإجراءات اللازمة لاستعادة ثقة المستثمرين.
تجارة الفائدة قد تفسر التحركات المتزامنة لعوائد السندات عالميًا
وفيما يتعلق بالعوامل العالمية المؤثرة في أسواق الدين، أوضح محمد عبد الهادي أن استراتيجية تجارة الفائدة، تمثل أحد العوامل التي قد تفسر الارتفاع المتزامن لعوائد السندات في مختلف أنحاء العالم، في ظل ارتباط حركة رؤوس الأموال بين الأسواق باختلاف مستويات الفائدة والعوائد الاستثمارية.
وقال إن هذه الاستراتيجية تعتمد على الاقتراض من الأسواق التي تتمتع بمعدلات فائدة منخفضة، ثم تحويل الأموال إلى عملات أخرى واستثمارها في أدوات مالية تحقق عوائد أعلى، بهدف الاستفادة من فروق أسعار الفائدة بين الدول.
وأشار إلى أن عددا كبيرا من المستثمرين والمقترضين اعتمدوا على السوق اليابانية للحصول على تمويل منخفض التكلفة، مستفيدين من مستويات أسعار الفائدة التي اقتربت من الصفر، قبل تحويل الأموال المقترضة إلى عملات أخرى وتوظيفها في شراء السندات من أسواق مختلفة حول العالم.
وأضاف أن تطور هذه العمليات الاستثمارية قد يساهم في تفسير التحركات المتناسقة التي تشهدها عوائد السندات عالميًا، نتيجة ارتباط تدفقات رؤوس الأموال باستراتيجيات الاقتراض والاستثمار القائمة على فروق العوائد وأسعار الفائدة.
وأوضح أن ارتفاع عوائد السندات الأوروبية يفتح المجال أمام احتمالات إعادة توجيه بعض الاستثمارات العالمية نحو أدوات الدين الأوروبية، خاصة إذا اتجه المستثمرون إلى التخارج من السندات منخفضة العائد في الأسواق الأخرى، بحثًا عن فرص استثمارية توفر عوائد أعلى.
توقعات باستمرار ارتفاع عوائد السندات الفرنسية
وتوقع محمد عبد الهادي استمرار الضغوط الصعودية على عوائد السندات الفرنسية خلال الفترة المقبلة، في ظل المخاوف المرتبطة بالأوضاع المالية والانقسامات السياسية التي قد تعرقل سرعة الاستجابة للتحديات الاقتصادية.
وأشار إلى أن ارتفاع عوائد السندات الفرنسية، رغم ما يعكسه من زيادة في تكاليف الاقتراض الحكومي، قد يسهم في جذب بعض المستثمرين الباحثين عن فرص استثمارية تحقق عوائد أعلى، الأمر الذي قد يؤدي إلى تدفقات مالية جديدة نحو أدوات الدين الأوروبية.
وأوضح أن عوائد السندات الحكومية الألمانية يُتوقع أن تظل عند مستويات أقل مقارنة بنظيرتها الفرنسية، في ظل استمرار التباين بين أسواق الدين السيادي الأوروبية واختلاف تقييم المستثمرين للمخاطر المرتبطة بكل سوق.
كما أشار إلى التحركات التي تشهدها عوائد السندات الأمريكية ضمن المشهد العام لأسواق الدين العالمية، في ظل استمرار تأثير السياسات النقدية وتدفقات رؤوس الأموال على توجهات المستثمرين.
وأكد عبد الهادي أن مستقبل سوق السندات الفرنسية سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الحكومة والقوى السياسية على التوصل إلى توافق يسمح بإقرار الموازنة واتخاذ إجراءات سريعة لتحسين أوضاع المالية العامة وتوقعاتها المستقبلية.
وحذر من أن استمرار الخلافات السياسية والضغوط المالية قد يدفع عوائد السندات الفرنسية إلى مزيد من الارتفاع، بما يزيد تكاليف الاقتراض الحكومي ويعمق المخاوف بشأن مستقبل الدين السيادي، في حين قد تساهم العوائد المرتفعة في جذب مستثمرين جدد يبحثون عن فرص استثمارية أكثر ربحية.
