تسعى مجموعة سوفت بنك اليابانية إلى جمع ما يصل إلى مئة مليار دولار من مستثمرين في الخليج، في خطوة قد تمنح مؤسسها ورئيسها التنفيذي ماسايوشي سون تمويلًا إضافيًا لتوسيع رهانه على الذكاء الاصطناعي، في وقت تتزايد فيه الاستثمارات في هذه التكنولوجيا وتتنامى المخاوف بشأن تكلفتها والعوائد التي يمكن أن تحققها.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز في التاسع من أكتوبر 2026، أجرى سون محادثات خلال الأسابيع الأخيرة مع شخصيات مالية بارزة، من بينها مسؤولون في الإمارات العربية المتحدة، بشأن جمع الأموال. لكن المحادثات لا تعني التوصل إلى اتفاق نهائي، إذ لا يوجد ضمان لنجاح عملية التمويل، كما لم تعلن سوفت بنك رسميًا عن تفاصيلها.
ولا يتعلق الأمر بمجرد ضخ أموال إضافية في شركات التكنولوجيا، بل بخطة استثمارية أوسع تستهدف الاستحواذ على شركات قائمة، ثم استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة لتحسين عملياتها وزيادة كفاءتها. وهي استراتيجية قد توسع حضور سوفت بنك في قطاعات تتجاوز شركات البرمجيات ومطوري النماذج الذكية.
سوفت بنك يوسع رهانه
يقود ماسايوشي سون تحولًا جديدًا في استراتيجية المجموعة اليابانية، التي انتقلت عبر مراحل مختلفة من الاتصالات والاستثمارات التكنولوجية إلى التركيز المتزايد على الذكاء الاصطناعي.
ويأتي التحرك الجديد بعد التزامات استثمارية ضخمة تجاه شركة أوبن إيه آي، المطورة لـChatGPT. ففي الأول من أكتوبر 2026، أعلنت سوفت بنك إتمام استثمار إضافي بقيمة ثلاثين مليار دولار في الشركة، لترتفع استثماراتها التراكمية فيها إلى نحو 64.6 مليار دولار، مقابل حصة ملكية تقارب 13%، وفقًا لبيانات سوفت بنك الرسمية.
اقرأ أيضا: مخاطر وكلاء الذكاء الاصطناعي على خصوصية البيانات
وتوضح هذه الأرقام حجم الرهان الذي يضعه سون على مستقبل الذكاء الاصطناعي. فالشركة لا تكتفي بالمراهنة على انتشار التطبيقات الذكية، بل تسعى إلى الاستثمار في الشركات والتقنيات والبنية التحتية التي يمكن أن تستفيد من توسع استخدامها.
لكن زيادة الاستثمارات ترفع أيضًا حجم الأموال التي تحتاج المجموعة إلى توفيرها، وتزيد تعرضها لأي تراجع في تقييمات الشركات التي تستثمر فيها.
استراتيجية سوفت بنك؟
بحسب تقرير فايننشال تايمز، من المتوقع أن تُستخدم الأموال التي تسعى سوفت بنك إلى جمعها لإنشاء صندوق استثماري يستحوذ على شركات، ثم يعمل على تطوير عملياتها باستخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات متقدمة أخرى.
وتقوم الفكرة على الاستثمار في شركات قائمة بدلًا من الاقتصار على تمويل الشركات الناشئة. فإدخال الذكاء الاصطناعي إلى الإنتاج والإدارة والخدمات قد يساعد على خفض التكاليف، وتحسين الإنتاجية، وتغيير طريقة تشغيل الأعمال.
وقد يؤدي نجاح هذه الاستراتيجية إلى تحويل الشركات المستحوذ عليها إلى أصول أكثر قيمة، بما يتيح تحقيق عوائد من تطوير عملياتها، وليس فقط من ارتفاع تقييمها في السوق.
ومن المتوقع أن يؤدي مشروع «روز» (Roze)، المرتبط بالروبوتات والذكاء الاصطناعي المادي، دورًا مهمًا في هذه الاستراتيجية، وفقًا للتقرير. ويشير مفهوم الذكاء الاصطناعي المادي إلى تطبيق الأنظمة الذكية في العالم الحقيقي، من خلال الروبوتات والآلات القادرة على تنفيذ مهام فعلية، بدلًا من الاقتصار على معالجة المعلومات وإنتاج المحتوى الرقمي.
ومع ذلك، لا تزال تفاصيل الصندوق المقترح، بما في ذلك الشركات المستهدفة وشروط التمويل وحجم مساهمة كل مستثمر، غير معلنة.
لماذا الخليج؟
يمتلك مستثمرو الخليج قدرة مالية كبيرة على تمويل مشاريع طويلة الأجل، فيما تسعى دول المنطقة إلى توسيع استثماراتها في التكنولوجيا وتقليل اعتماد اقتصاداتها على إيرادات الطاقة.
وتبرز أبوظبي في هذا المجال من خلال مؤسسات متخصصة في الاستثمار بالذكاء الاصطناعي، من بينها شركة إم جي إكس (MGX)، إلى جانب مجموعة جي 42 (G42) العاملة في قطاع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.
اقرأ أيضا: خطر مليار وفاة.. بيل غيتس يطالب بتنظيم الذكاء الاصطناعي
وتتيح هذه المؤسسات للمستثمرين الخليجيين المشاركة في مشاريع تتطلب رؤوس أموال كبيرة، سواء من خلال الاستثمار في الشركات مباشرة أو عبر صناديق ومنصات استثمارية متخصصة.
وليست هذه المرة الأولى التي يتجه فيها سون إلى الخليج لتمويل خططه. ففي عام 2017، شارك صندوق مبادلة للاستثمار في أبوظبي وصندوق الاستثمارات العامة السعودي في تمويل صندوق رؤية الأول التابع لسوفت بنك، الذي بلغت قيمته المستهدفة مئة مليار دولار.
ويعكس هذا التاريخ وجود علاقات استثمارية سابقة بين سون ومستثمرين خليجيين، لكنه لا يعني بالضرورة أن المؤسسات نفسها ستشارك في عملية التمويل الجديدة أو أنها وافقت عليها.
وبالنسبة إلى المستثمرين الخليجيين، فإن المشاركة المحتملة تتيح التعرض لقطاع يتوقع أن يعيد تشكيل قطاعات اقتصادية متعددة. لكنها تتطلب أيضًا تقييم المخاطر المرتبطة بحجم استثمارات سوفت بنك، وقدرتها على تحويل التوسع التكنولوجي إلى عوائد مالية مستدامة.
تمويل ضخم ومخاطر متزايدة
لا تعتمد سوفت بنك على جمع الأموال من المستثمرين وحدهم لتمويل توسعها. فقد أتمت في سبتمبر 2026 إصدار سندات مرتفعة العائد بقيمة 11.1 مليار دولار، في عملية وصفتها رويترز بأنها الأكبر عالميًا من نوعها.
وتراوحت العوائد على هذه السندات بين 7.125% و9.75%، ما يعكس تكلفة الاقتراض التي تتحملها الشركة مقابل الحصول على التمويل.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن سوفت بنك تستخدم أدوات تمويل مختلفة لدعم استثماراتها، تشمل الاقتراض والموارد المتاحة لديها والعوائد المحتملة من أصولها الاستثمارية. وكلما ارتفعت التزاماتها المالية، ازدادت أهمية قدرة تلك الأصول على الاحتفاظ بقيمتها أو تحقيق عوائد تبرر الأموال المستثمرة فيها.
ومن هنا، فإن جمع ما يصل إلى مئة مليار دولار من مستثمري الخليج، إذا تحقق، قد يتيح لسوفت بنك توسيع استثماراتها من دون الاعتماد بالكامل على الاقتراض. لكن ذلك سيظل مرتبطًا بشروط الصندوق الجديد، ومدى استعداد المستثمرين لتحمل المخاطر، وطبيعة العوائد التي سيحصلون عليها.
أوبن إيه آي في قلب المعادلة
يمثل حجم استثمار سوفت بنك في أوبن إيه آي أحد أهم العوامل التي ستؤثر في تقييم المستثمرين لخططها الجديدة.
فبحسب بيانات الشركة اليابانية، بلغت استثماراتها التراكمية في أوبن إيه آي 64.6 مليار دولار، مع حصة ملكية تقارب 13%. ويعني ذلك أن أداء الشركة المطورة لـChatGPT أصبح عنصرًا مهمًا في قيمة محفظة سوفت بنك ونتائج استثماراتها.
وفي المقابل، أشار تقرير فايننشال تايمز إلى تأخر الطرح العام الأولي المرتقب لأوبن إيه آي، في ظل مخاوف تتعلق بتطور الذكاء الاصطناعي والمخاطر المحيطة به. والطرح العام الأولي هو إدراج أسهم شركة في البورصة للمرة الأولى، بما يسمح للمستثمرين بشرائها وبيعها في السوق.
وقد يمنح الإدراج الناجح أوبن إيه آي فرصة لتوسيع قاعدة المستثمرين، كما قد يوفر مرجعًا سوقيًا لتقييم حصص المساهمين. لكن تأخره قد يطيل الفترة التي تحتاج فيها سوفت بنك إلى الاحتفاظ باستثمارها قبل أن تتاح لها فرص واضحة لتسييله، أي تحويله إلى أموال نقدية.
اقرأ أيضا: هل يتمرد الذكاء الاصطناعي على البشر؟
ولا يعني ذلك أن التأخير سيؤدي حتمًا إلى انخفاض قيمة أوبن إيه آي، لكنه يزيد أهمية التقييمات المالية وقدرة الشركة على تحقيق إيرادات ونمو يبرران حجم الاستثمارات الموجهة إليها.
تجربة سون بين النجاح والفشل
تاريخ ماسايوشي سون الاستثماري يتضمن نجاحات كبيرة وإخفاقات مكلفة. فقد حققت رهاناته المبكرة على شركات تكنولوجية، من بينها علي بابا، مكاسب بارزة، بينما انتهى استثمار سوفت بنك في شركة وي وورك إلى خسائر كبيرة، قبل أن تتقدم الأخيرة بطلب للحماية من الإفلاس في أواخر عام 2023.
ويعكس هذا التباين طبيعة استراتيجية سون، التي تعتمد على ضخ استثمارات ضخمة في شركات يعتقد أنها قادرة على تغيير قطاعاتها. وقد تحقق هذه الاستراتيجية عوائد استثنائية عندما تنجح الرهانات، لكنها قد تعرض المستثمرين لخسائر كبيرة عندما تفشل الشركات أو تتراجع تقييماتها.
ووفقًا للأرقام التي أوردتها فايننشال تايمز، حقق صندوق رؤية الأول مكاسب استثمارية تراكمية بلغت نحو 29 مليار دولار حتى نهاية يونيو، فيما بلغت مكاسب صندوق رؤية الثاني 20.5 مليار دولار. وتُظهر هذه الأرقام أن سجل المجموعة لا يقتصر على الإخفاقات، لكنه لا يلغي المخاطر المرتبطة بالاستثمارات الجديدة.
ما الذي يحدد نجاح الصفقة؟
يتوقف نجاح خطة سوفت بنك على أكثر من قدرتها على جمع الأموال. فالمعيار الأهم سيكون ما إذا كانت الاستثمارات الجديدة قادرة على تحقيق عوائد فعلية من خلال تطوير الشركات المستحوذ عليها، بدلًا من الاعتماد على ارتفاع تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي وحده.
وإذا نجحت المجموعة في توظيف التكنولوجيا لزيادة إنتاجية الشركات وخفض تكاليفها، فقد تتمكن من بناء محفظة استثمارية تحقق قيمة من تحسين الأعمال نفسها. أما إذا تباطأ نمو القطاع أو تراجعت تقييمات الشركات الكبرى، فقد تواجه ضغوطًا على قيمة أصولها وقدرتها على تمويل استثمارات إضافية.
وتزداد أهمية هذه المخاطر مع اتساع اعتماد سوفت بنك على الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في ظل حجم استثمارها في أوبن إيه آي وتوجهها إلى تمويل مشاريع جديدة في الروبوتات والتقنيات المتقدمة.
في النهاية، تكشف محاولة جمع ما يصل إلى مئة مليار دولار من الخليج عن طموح سوفت بنك لتوسيع دورها في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، وعن أهمية رؤوس الأموال الخليجية في تمويل هذا التحول. لكن حجم التمويل المحتمل لا يضمن نجاح الرهان؛ إذ ستتحدد النتيجة بقدرة المجموعة على تحويل استثماراتها الضخمة إلى شركات أكثر كفاءة وأرباح مستدامة.
