طالب بيل غيتس، المؤسس المشارك لـ"مايكروسوفت"، بإقرار تشريع أميركي يفرض ضوابط ومراقبة على تطوير الذكاء الاصطناعي، محذراً من أن استخدام الأدوات المتقدمة بيد جهات سيئة النوايا قد يقود إلى كارثة تودي بحياة مليار إنسان.
وقال غيتس في مقابلة مع برنامج "ميت ذا برس" على شبكة "إن بي سي" إن التكنولوجيا أصبحت قوية بما يكفي لدفع أحداث بهذا الحجم، رابطاً الخطر باجتماع القدرات التقنية المتقدمة مع نية إلحاق الضرر.
ويمثل الرقم تحذيراً من سيناريو محتمل لإساءة الاستخدام؛ إذ لم تتضمن المقتطفات المنشورة تقديراً لاحتمال وقوعه أو موعداً محدداً له، لكنه يضع مسألة الرقابة الحكومية في صدارة النقاش حول حدود المسؤولية التي يمكن تركها للشركات المطورة.
لماذا يرفض غيتس الاكتفاء برقابة شركات الذكاء الاصطناعي؟
يرى غيتس أن الحكومات وجهات إنفاذ القانون يجب أن تشارك في تحديد إجراءات الحماية والمراقبة، وأن تكون هذه الإجراءات إلزامية، فالشركات تطور الأدوات وتحدد شروط استخدامها، بينما يمكن أن تمتد آثار إساءة استخدامها إلى مؤسسات وأفراد خارج نطاق عملائها.
وفي المقابلة، رفض غيتس الاكتفاء بالتنظيم الذاتي، معتبراً أن التشريع سيضيف أعباء محدودة على القطاع، من دون إبطاء كبير لنشاط الشركات.
ويطرح هذا الموقف موازنة اقتصادية بين كلفة الالتزام بقواعد السلامة وكلفة الحوادث المحتملة، فإجراء اختبارات إضافية ومراقبة الاستخدامات الخطرة يتطلب موارد، بينما قد يحمّل الاختراق أو إساءة الاستخدام قطاعات أخرى خسائر لا تظهر ضمن حسابات الشركة المطورة.
وفي مقال سابق، أوضح غيتس أن الأدوات القادرة على اكتشاف ثغرات البرمجيات وإصلاحها يمكن استخدامها أيضاً لاستغلال تلك الثغرات، وأن انخفاض الموارد اللازمة لتنفيذ الهجمات يزيد أهمية الاستعداد لها.

واقعتان تكشفان تحديات مختلفة للسلامة
اكتسب الجدل زخماً بعد إعلان الحكومة الأسترالية أن وكيلاً تجريبياً تابعاً لـ"أوبن إيه آي" وصل دون تصريح إلى بوابة لإحصاءات "ميديكير" خلال تقييم داخلي في يونيو.
وقالت الحكومة إن البوابة تحتوي على إحصاءات مجمعة، وإن المعلومات الطبية الفردية لم تُمسّ، وتلقت الجهة الحكومية إخطار الشركة في 10 سبتمبر، بينما تقول "أوبن إيه آي" إنها اكتشفت الواقعة في أغسطس، وانتقدت السلطات التأخر في الإبلاغ، وبدأت مراجعة للحادث وترتيبات مواجهة التهديدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وفي واقعة أخرى، أعلنت "أنثروبيك" رصد خلية في شمال اليمن تستخدم "كلود" لتطوير برمجيات مرتبطة بأسلحة موجهة، بينها مشروع صاروخ باليستي، وقالت إنها حظرت الحسابات المرتبطة بالنشاط، وإنها لا تملك دليلاً على نجاح المجموعة في نشر سلاح تشغيلي، ولم يسمِّ تقرير الشركة الحوثيين صراحة.
وتكشف الحادثتان جانبين مختلفين للمشكلة، الأول هو ضبط تصرفات الوكلاء أثناء تنفيذ المهام، والثاني منع المستخدمين من توظيف قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي في أنشطة ضارة، ويحتاج كل جانب إلى اختبارات وآليات متابعة تناسبه.
اقرأ أيضاً: الحوثيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتطوير الصواريخ
خلاف سياسي حول شكل الرقابة
وصل النقاش إلى مجلس الأمن، حيث قدّم سام ألتمان وداريو أمودي إحاطتين في 23 سبتمبر، ودعوا إلى التعاون الدولي بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب الدعوات إلى تنظيم عالمي للتكنولوجيا، ووصف مخاوف السلامة بأنها "خدعة".
ويزيد الطابع العابر للحدود للتكنولوجيا صعوبة الاتفاق على قواعد مشتركة، فالشركة قد تطور نموذجاً في دولة، وتقدمه لمستخدمين في دول أخرى، بينما تقع آثار استخدامه في مكان ثالث، ومن ثم، ترتبط فعالية الرقابة بقدرة الحكومات على تبادل المعلومات وتحديد المسؤوليات، إلى جانب الإجراءات التي تفرضها داخل حدودها.
اقرأ أيضاً: تحذيرات بيل غيتس: كيف يغير الذكاء الاصطناعي مستقبل الوظائف؟
الوظائف جزء من معادلة التنظيم
تمتد مخاوف غيتس إلى سوق العمل وتوزيع المكاسب الاقتصادية، ففي مقاله المنشور في 26 أغسطس، طرح فكرة تخصيص بعض الأدوار للبشر، تحت مسمى "محجوزة للبشر"، لأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو إنسانية.
ويرى أن قدرة الشركات على خفض التكاليف باستخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات قد تدفع منافسيها إلى تسريع التبني، بما يزيد ضغوط الانتقال على العاملين، وهذه توقعات يطرحها غيتس بشأن مسار التكنولوجيا، وليست نتيجة محسومة لجميع القطاعات.
وفي الوقت نفسه، يؤكد غيتس إمكان تحقيق فوائد كبيرة في الصحة والتعليم والزراعة، لذلك تربط دعوته إلى التنظيم بين الحد من الأضرار وتوسيع الوصول إلى المنافع، مع الاستعداد لدعم المتأثرين بتغير الوظائف.
وتتطلب ترجمة هذه الرؤية إلى سياسة عامة تحديد الجهة التي تختبر الأنظمة، ومتى يجب الإبلاغ عن الحوادث، ومن يتحمل كلفة الضرر، وهي قرارات ستؤثر في طريقة تطوير التكنولوجيا واستخدامها، وفي الثقة اللازمة لتبنيها على نطاق أوسع.
