التكنولوجيا

    مخاطر وكلاء الذكاء الاصطناعي على خصوصية البيانات

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •6 دقائق
    تمثيل بصري لوكلاء الذكاء الاصطناعي.

    مع التوسع السريع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور ما يُعرف بـ"وكلاء الذكاء الاصطناعي"، لم تعد التكنولوجيا تقتصر على تقديم المعلومات أو تنفيذ الأوامر البسيطة، بل أصبحت قادرة على تنظيم تفاصيل الحياة اليومية، وإدارة المهام، وتحليل اهتمامات المستخدم، واقتراح قرارات وخيارات تتناسب مع احتياجاته، لكن في الوقت نفسه يثير هذا التطور مخاوف متزايدة بشأن خصوصية الأفراد وأمن بياناتهم.

    الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي

    وفي هذا الشأن، قالت الدكتورة غادة عامر، خبيرة الذكاء الاصطناعي، إنّ قضية الخصوصية أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالتطور المتسارع في التكنولوجيا والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن المخاوف المتعلقة بخصوصية المستخدمين وأمن بياناتهم تتزايد مع الانتشار الواسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما أنظمة الذكاء الاصطناعي ووكلا.

    وأوضحت عامر أن مفهوم الخصوصية بمعناه التقليدي أصبح موضع تساؤل كبير في العصر الرقمي، في ظل تسجيل وتحليل كميات هائلة من البيانات الناتجة عن الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، بدءًا من عمليات البحث التي يجريها المستخدم والمواقع التي يزورها، ووصولًا إلى الأنشطة المختلفة التي ينفذها عبر أجهزته الإلكترونية.

    وأضافت أن الهاتف المحمول يستطيع جمع معلومات مرتبطة بتحركات المستخدم والأماكن التي يذهب إليها، بينما تتعرف التطبيقات، من خلال أنماط الاستخدام والبيانات التي تحصل عليها، على اهتماماته وتفضيلاته، في حين تستطيع حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي تكوين صورة شديدة التفصيل عنه، وربما معرفة جوانب من شخصيته واهتماماته بدرجة تفوق ما يعرفه بعض الأشخاص المقربين منه.

    اقرأ أيضًا: الذكاء الاصطناعي يشعل أزمة الرقائق الإلكترونية

    وكلاء الذكاء الاصطناعي يرفعون حجم المخاوف

    وأشارت عامر إلى أن الحديث عن الخصوصية لم يبدأ مع ظهور الذكاء الاصطناعي، وإنما ارتبط منذ فترة طويلة بالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والتوسع في الاعتماد على الأجهزة الذكية، إلا أن التطورات الحالية في الذكاء الاصطناعي ترفع مستوى هذه المخاوف، خصوصًا مع الاتجاه المتزايد إلى الاعتماد على وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على التعامل مع البيانات وتحليلها بصورة أكثر تقدمًا.

    ولفتت إلى حديث رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شواب في عام 2016 عن قضية الخصوصية، موضحة أن الفكرة التي طرحها آنذاك تمثلت في أن الخصوصية أصبحت أقرب إلى الوهم في ظل الكم الهائل من البيانات التي تجمعها الأنظمة والأجهزة المحيطة بالمستخدمين.

    وأكّدت أنّ الأجهزة الذكية الموجودة حول الإنسان منذ سنوات تقوم بعمليات مستمرة لتحليل البيانات، وأنّ تطور الذكاء الاصطناعي الحديث، ثم ظهور الذكاء الاصطناعي الوكيلي والحديث عن أنظمة فائقة الذكاء، يزيد من قدرة التكنولوجيا على تحليل شخصية المستخدم وبصمته وبياناته وسلوكه وأفكاره بدرجات أكبر من السابق.

    اقرأ أيضًا: شركات التكنولوجيا تستبدل الوظائف بالذكاء الاصطناعي

    التنبؤ النفسي والسلوكي

    وأوضحت عامر أن بعض الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على تحليل مؤشرات مرتبطة بالشخص ووجوده في مكان معين، إلى جانب إمكانية الاستدلال على جوانب تتعلق بحالته النفسية، وهو ما يجعل ملف الخصوصية أكثر تعقيدًا كلما تطورت قدرات التقنيات المستخدمة.

    وشددت على أن حجم المخاطر التي تواجه الخصوصية يختلف باختلاف نوع التكنولوجيا المستخدمة، والجهة التي تقوم بتشغيلها، والإمكانات التي تمتلكها تلك الجهات في جمع البيانات وتحليلها والاستفادة منها.

    وكلاء الذكاء الاصطناعي

    كيف يفرط المستخدم في بياناته البيومترية؟

    وفي الوقت نفسه، أكدت عامر أن المستخدمين أنفسهم يساهمون بدرجة كبيرة في إتاحة معلوماتهم وبياناتهم للتكنولوجيا، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال الاستخدام اليومي للأجهزة والتطبيقات والمنصات المختلفة.

    وأشارت إلى أن الأفراد يضعون بأنفسهم قدرًا كبيرًا من المعلومات داخل التطبيقات والمنصات الرقمية، كما يستخدمون مرشحات وتطبيقات تستطيع الحصول على بيانات مرتبطة بالبصمة البيومترية، فضلًا عن وجودهم المستمر بالقرب من أجهزة ذكية قادرة على استقبال البيانات أو معالجتها.

    وأضافت أن الإنسان يتحدث ويتحرك بصورة طبيعية بالقرب من هاتفه المحمول أو أجهزة التلفزيون الذكية أو حتى الأجهزة المنزلية الذكية، وهو ما يعني أن التكنولوجيا أصبحت حاضرة بصورة دائمة في تفاصيل الحياة اليومية.

    وأكدت عامر أن هذه الممارسات تجعل المستخدم شريكًا، ولو بصورة غير مباشرة، في إتاحة جزء من بياناته ومعلوماته الخاصة، مع التدفق المستمر للمعلومات إلى الأنظمة والأجهزة الذكية، بما يفرض تحديات متزايدة على مفهوم الخصوصية في ظل التطور السريع للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

    الإمكانات الميدانية للوكلاء الأذكياء

    وفيما يتعلق بالاستخدامات العملية، قالت عامر إن تطبيقات الوكيل الذكي لا تقتصر على مجالات العمل أو الاستخدامات المهنية، وإنما يمكن أن تمتد إلى إدارة التفاصيل اليومية للفرد بصورة كاملة، بحيث يتحول الوكيل إلى مساعد شخصي قادر على تنظيم الوقت والمهام وفق الأهداف التي يحددها المستخدم.

    وأوضحت أن المستخدم يستطيع تحديد المهام المطلوب إنجازها خلال اليوم للوكيل الذكي، سواء كانت مرتبطة بإعداد بحث علمي، أو حضور المحاضرات، أو إرسال رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالعمل، والوكيل الذكي يستطيع تقسيم اليوم وترتيب الأولويات والمهام، ثم إرسال التنبيهات في المواعيد المحددة، بما يساعد المستخدم على متابعة التزاماته المختلفة وعدم إغفال أي مهمة.

    وأضافت أن قدرات وكلاء الذكاء الاصطناعي يمكن أن تمتد كذلك إلى متابعة الأبناء، من خلال التواصل معهم وإرسال رسائل للتذكير بمواعيد الدروس أو المهام المطلوبة، بما يجعله يؤدي دورًا قريبًا من المساعد الشخصي الذي يرافق المستخدم ويتولى جانبًا من مسؤوليات التنظيم والمتابعة.

    اقرأ أيضًا: كيف يغير الذكاء الاصطناعي أساليب التسويق الحديثة؟

    التخطيط الاستراتيجي للأفراد

    وأكدت عامر أن المستخدم هو الذي يحدد الهدف المطلوب من الوكيل الذكي، سواء كان هدفًا يوميًا أو أسبوعيًا أو حتى سنويًا، وبعد ذلك يتولى النظام وضع الخطة وتقسيم المهام وتحديد التوقيتات المناسبة لتنفيذها.

    وضربت مثالًا بإمكانية أن يطلب المستخدم من الوكيل الذكي تنظيم يومه مع مراعاة وجود موعد مع شخص معين، وأن يطلب منه في توقيت محدد إرسال رسالة بريد إلكتروني لتأكيد حضور اجتماع، ليتولى الوكيل تنفيذ هذه المهام وفق التعليمات والأهداف المحددة له.

    اقرأ أيضًا: هل يُهدد الذكاء الاصطناعي مستقبل الوظائف حول العالم؟

    ربط الوكيل الذكي بالسيارات والمنازل

    وفي السياق ذاته، أوضحت عامر أنّ الوكيل الذكي يمكن أن يرتبط أيضًا بالأجيال الحديثة من السيارات والأجهزة الذكية، بما يسمح بتنفيذ بعض الإجراءات بصورة آلية وفق احتياجات المستخدم.

    وأشارت إلى أنه يمكن، على سبيل المثال، أن يطلب المستخدم من الوكيل تشغيل السيارة أو تكييفها قبل النزول إليها، كما يمكن أن يمتد الأمر إلى المنزل، بحيث يقوم بتشغيل التكييف قبل دخول المستخدم، أو تشغيل سخان المياه، وغيرها من الأجهزة المرتبطة بالأنظمة الذكية.

    وأكدت عامر أن هذه القدرات تجعل الوكيل الذكي أقرب إلى مساعد متكامل، إلا أنه يحتاج في البداية إلى معرفة الهدف المطلوب منه بوضوح، سواء على مستوى اليوم أو الأسبوع أو العام، حتى يتمكن من التخطيط وتقسيم المهام والعمل على تنفيذها.

    الوكلاء الأذكياء يدخلون عالم الأعمال

    وأضافت أن استخدامات الوكيل الذكي تمتد كذلك إلى المجال الاقتصادي وإدارة الأفكار المتعلقة بالأعمال، موضحة أنه يمكن لشخص لا يمتلك خبرة سابقة في تأسيس المشروعات أن يلجأ إلى الوكيل الذكي لمساعدته في التفكير في مشروع يتناسب مع إمكاناته المالية وخبراته واهتماماته.

    وأشارت عامر إلى أن النظام يمكن أن يطلب الوصول إلى حسابات المستخدم على مواقع التواصل الاجتماعي وتحليلها، بهدف التعرف على اهتماماته وميوله والموضوعات التي يتابعها باستمرار.

    وأضافت أنه من خلال هذا التحليل يمكن للوكيل اكتشاف المجالات التي تجذب اهتمام المستخدم، مثل الأعمال أو الاقتصاد أو السياسة أو غيرها، والاستفادة من هذه البيانات في تكوين صورة عن اهتماماته، بما يساعده على تقديم مقترحات تتناسب بصورة أكبر مع شخصيته وتوجهاته وإمكاناته.

    ولعلّ ما ذُكر آنفًا من الإمكانات العالية للذكاء الاصطناعي ووكلائه يُثبت أنّ حجم المعلومات التي يمكن جمعها وتحليلها يتزايد بصورة مستمرة، في الوقت الذي يسهم فيه الاستخدام اليومي للتكنولوجيا والأجهزة الذكية في إتاحة المزيد من البيانات الشخصية لهذه الأنظمة، الأمر الذي يزيد بدوره من المخاوف المتعلّقة بالخصوصية يومًا بعد يوم.

    قد يهمّك أيضًا: لماذا تتجه الشركات الغربية لنماذج الذكاء الاصطناعي الصينية؟