أعمال

    شركات التكنولوجيا تستبدل الوظائف بالذكاء الاصطناعي

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •6 دقائق
     مكتب عمل، عليه جهاز حاسوب محمول يعرض رسومات بيانية للذكاء الاصطناعي وشبكات عصبية برمجية مضاءة.

    اتسعت رقعة تسريح الموظفين في شركات التكنولوجيا العالمية، بالتوازي مع ضخ مئات المليارات من الدولارات في مجالات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والرقائق الإلكترونية.

    يعكس هذا التباين تحولاً جذرياً في أساليب التشغيل وأولويات الاستثمار؛ حيث تُعيد الشركات توجيه مواردها المالية والبشرية بعيداً عن الوظائف التقليدية والمهام الروتينية، لتصبّها مباشرة في دعم البنية التحتية الرقمية والتخصصات المتقدمة للذكاء الاصطناعي.

    وقال الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، إن موجة تسريح الموظفين التي تشهدها شركات التكنولوجيا العالمية، بالتزامن مع ضخ استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، قد تبدو متناقضة للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تعكس تحولًا عميقًا في نموذج الأعمال داخل القطاع التكنولوجي.

    وأوضح شوقي أن شركات التكنولوجيا الأمريكية ألغت نحو 140 ألف وظيفة منذ بداية عام 2026، في الوقت الذي واصلت فيه زيادة الإنفاق على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.

    وأضاف أن هذه الظاهرة لا ترتبط بشركة واحدة أو بقرار إداري منفرد، وإنما أصبحت اتجاهًا عامًا بين عدد من عمالقة التكنولوجيا، في ظل إعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية والتشغيلية.

    وأشار إلى أن شركات مثل مايكروسوفت وميتا وأمازون وإنتل وسيسكو وأوراكل أعلنت موجات متتالية من إعادة هيكلة القوى العاملة، بالتزامن مع زيادة غير مسبوقة في الإنفاق الرأسمالي على مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية ونماذج الذكاء الاصطناعي.

    ولفت إلى أن التقديرات تشير إلى اعتزام أكبر شركات التكنولوجيا إنفاق مئات المليارات من الدولارات على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال عام 2026، بما يعكس حجم التحول الجاري داخل القطاع.

    تغير أولويات الاستثمار

    وقال شوقي إن السبب الأول وراء هذا التناقض الظاهري يتمثل في تغير أولويات الاستثمار داخل شركات التكنولوجيا، إذ لم يعد التوسع في التوظيف هو الخيار الأساسي كما كان في مراحل سابقة.

    وأوضح أن الشركات أصبحت توجه جانبًا متزايدًا من مواردها المالية إلى بناء القدرات الحاسوبية اللازمة لتطوير وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

    وأضاف أن هذا النوع من الاستثمار يتطلب إنفاقًا رأسماليًا ضخمًا على مراكز البيانات والخوادم والرقائق الإلكترونية وشبكات الحوسبة، لكنه لا يحتاج بالضرورة إلى زيادة مماثلة في أعداد العاملين.

    وأكد أن الشركات أصبحت ترى أن التوسع في البنية التحتية الرقمية يحقق لها عائدًا أكبر على المدى الطويل مقارنة باستمرار الزيادة في أعداد الموظفين بالمعدلات نفسها.

    اقرأ أيضًا: هل يُهدد الذكاء الاصطناعي مستقبل الوظائف حول العالم؟

    إعادة تقييم الوظائف التقليدية

    وأشار الخبير إلى أن السبب الثاني يرتبط بإعادة تقييم عدد كبير من الوظائف في ضوء انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي.

    وأوضح أن الوظائف الأكثر عرضة لإعادة الهيكلة هي تلك التي تعتمد على الأعمال المتكررة أو الروتينية أو العمليات التي يمكن أتمتتها جزئيًا أو كليًا.

    وأضاف أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على تنفيذ جانب من المهام المتعلقة بتحليل البيانات وإعداد التقارير وخدمة العملاء والبرمجة الأولية وإدارة العمليات، ما دفع الشركات إلى مراجعة الاحتياجات الفعلية من العمالة في بعض الإدارات. وأكد أن هذا التحول لا يعني اختفاء جميع الوظائف، وإنما تغير طبيعتها ومتطلبات شغلها.

    زيادة الطلب على تخصصات جديدة

    وقال شوقي إنه في مقابل تراجع الطلب على بعض الوظائف التقليدية، ارتفع الطلب على تخصصات جديدة ترتبط مباشرة بالاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

    وأوضح أن هذه التخصصات تشمل هندسة الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني والحوسبة السحابية وهندسة البنية التحتية الرقمية.

    وأضاف أن الشركات تبحث بصورة متزايدة عن موظفين يمتلكون مهارات متقدمة في تصميم النماذج الذكية وتطوير الخوارزميات وإدارة البيانات وتأمين الأنظمة الرقمية وتشغيل البنية التحتية السحابية.

    وأكد أن إعادة الهيكلة الحالية لا تعني توقف التوظيف داخل شركات التكنولوجيا، بل تعني انتقال التوظيف من تخصصات إلى أخرى، وفقًا لاحتياجات المرحلة الجديدة.

    اقرأ أيضًا: سامسونغ.. الذكاء الاصطناعي يقفز بأجور عمال الرقائق الإلكترونية

    رفع الإنتاجية بعدد أقل من العاملين

    وأوضح شوقي أن السبب الثالث يتمثل في رغبة الشركات في رفع الإنتاجية وتحسين كفاءة التشغيل، وليس فقط خفض أعداد الموظفين، حيث إنّ استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أصبح يسمح بإنجاز حجم أكبر من الأعمال بعدد أقل من العاملين في بعض الإدارات.

    وأضاف أن الشركات تستهدف إعادة توجيه الموارد البشرية والمالية إلى الأنشطة الأعلى قيمة والأسرع نموًا، بدلًا من استمرار الإنفاق على وظائف يمكن تنفيذ جانب كبير منها آليًا.

    وأكد أن الهدف الأساسي من إعادة الهيكلة يتمثل في زيادة إنتاجية الموظف الواحد، وتقليل الوقت اللازم لتنفيذ المهام، وتسريع تطوير المنتجات والخدمات.

    عوامل أخرى ساهمت في موجة تسريح الموظفين

    وشدد الخبير  على أن الذكاء الاصطناعي ليس العامل الوحيد وراء موجة التسريحات الحالية، فقد ساهمت عمليات إعادة الهيكلة وتحسين الكفاءة التشغيلية وضبط التكاليف وإعادة توزيع الاستثمارات في هذا التحول.

    وأضاف أن بعض شركات التكنولوجيا توسعت بصورة كبيرة في التوظيف خلال السنوات السابقة، خصوصًا في فترات النمو السريع والطلب المرتفع على الخدمات الرقمية، ثم بدأت لاحقًا في مراجعة هذا التوسع.

    وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف التمويل وتغير معدلات النمو وزيادة المنافسة دفعت الشركات إلى مراجعة الهياكل الإدارية والتشغيلية، وحذف الوظائف المتكررة أو المتداخلة.

    وأكد أن قرارات تسريح الموظفين لا تعني بالضرورة ضعف المركز المالي للشركات، بل قد تكون جزءًا من خطة أوسع لإعادة توزيع الموارد على قطاعات أكثر نموًا وربحية.

    اقرأ أيضًا: لماذا تتجه الشركات الغربية لنماذج الذكاء الاصطناعي الصينية؟

    سوق العمل أمام تحول هيكلي

    وأكد الخبير المالي والاقتصادي أن موجة التسريحات الحالية تعكس تحولًا هيكليًا في سوق العمل، وليست مجرد تغير مؤقت في دورة الأعمال. وأوضح أن هذا التحول سيؤدي إلى إعادة تعريف كثير من الوظائف داخل الشركات، كما سيغير طبيعة المهام التي يؤديها الموظفون يوميًا.

    وأضاف أن بعض الوظائف لن تختفي بالكامل، لكنها ستتغير بحيث يصبح استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من متطلبات العمل.

    وأشار إلى أن الموظف الذي كان يؤدي مهمة كاملة بصورة يدوية قد يتحول إلى مشرف على نظام ذكي، أو مسؤول عن مراجعة النتائج، أو إدارة الاستثناءات التي لا تستطيع الأنظمة الآلية التعامل معها.

    وقال شوقي إن السؤال لم يعد يتمثل في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقضي على الوظائف، وإنما في مدى امتلاك العاملين للمهارات التي يحتاجها سوق العمل الجديد.

    وأوضح أن العاملين الذين يطورون مهاراتهم في مجالات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والبرمجة والأمن السيبراني والحوسبة السحابية سيكونون أكثر قدرة على الاستفادة من التحول الجاري.

    وأضاف أن التعليم والتدريب المستمرين أصبحا ضرورة، وليس مجرد ميزة إضافية، في ظل سرعة التغير داخل القطاع التكنولوجي.

    وأكد أن الجامعات ومؤسسات التدريب والشركات مطالبة بتطوير برامجها بما يتناسب مع المهارات الجديدة، بدلًا من الاستمرار في إعداد خريجين لوظائف يتراجع الطلب عليها.

    التحول لا يمثل أزمة شاملة في القطاع

    وقال شوقي إن ما يحدث لا يمكن وصفه بأنه أزمة شاملة داخل قطاع التكنولوجيا، رغم التداعيات الاجتماعية والمهنية المباشرة لموجات التسريح. وأوضح أن القطاع لا يزال يستثمر بقوة في الابتكار والتوسع والبنية التحتية الرقمية، لكنه ينتقل إلى مرحلة جديدة تختلف في طبيعة الوظائف ونوعية المهارات المطلوبة.

    وأضاف أن الشركات لا تستثمر أقل في العنصر البشري بصورة مطلقة، وإنما توجه استثماراتها إلى مهارات مختلفة تتناسب مع اقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي.

    وأشار إلى أن العاملين الذين يمتلكون مهارات رقمية متقدمة سيظلون محل طلب، بينما ستواجه الوظائف التي تعتمد على المهام الروتينية ضغوطًا أكبر خلال السنوات المقبلة.

    تحديات اجتماعية واقتصادية

    وأشار الخبير  إلى أن التحول الحالي يحمل تحديات اجتماعية واقتصادية، خاصة بالنسبة إلى الموظفين الذين يفقدون وظائفهم ولا يمتلكون المهارات المطلوبة للانتقال إلى وظائف جديدة.

    وأوضح أن الفجوة بين المهارات المتاحة واحتياجات الشركات قد تؤدي إلى ارتفاع البطالة في بعض التخصصات، بالتزامن مع وجود نقص في العمالة المؤهلة داخل تخصصات أخرى.

    وأضاف أن الحكومات والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص مطالبون بالتعاون لتقليل هذه الفجوة، من خلال برامج إعادة التأهيل والتدريب المهني والتكنولوجي.

    وأكد أن قدرة الاقتصادات على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لن تعتمد فقط على حجم الاستثمارات المالية، وإنما على قدرتها على إعداد قوة عمل قادرة على استخدام هذه التقنيات وتطويرها.

    واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن المنافسة خلال السنوات المقبلة لن تكون بين الإنسان والآلة، وإنما بين العاملين والشركات والدول التي تواكب التحول التكنولوجي وتلك التي تتأخر عنه.

    وأوضح أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي الحاجة إلى العنصر البشري، لكنه سيغير طبيعة دوره داخل المؤسسات.

    وأضاف أن القيمة المستقبلية للموظف لن تعتمد فقط على عدد الساعات التي يعملها أو المهام التقليدية التي ينفذها، بل على قدرته على استخدام التكنولوجيا وتحليل المعلومات واتخاذ القرارات وحل المشكلات المعقدة.

    اقرأ أيضًا: هل تفتح مهمة جينيسيس عصرًا جديدًا لهيمنة أمريكا في الذكاء الاصطناعي؟