تواجه سوق الأجهزة الإلكترونية موجة جديدة من الضغوط السعرية، مع التوسع المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وما يصاحبه من طلب متزايد على الرقائق الإلكترونية عالية الأداء، في وقت تتجه فيه شركات تصنيع الرقائق إلى المنتجات الأعلى ربحية والمخصصة لمراكز البيانات، ما يقلص المعروض المتاح لصناعة الهواتف والحواسيب وغيرها من الأجهزة الإلكترونية.
وقال الدكتور محمد الحارثي، خبير صناعة التكنولوجيا، إن التوسع المتسارع في تطبيقات ونماذج الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في سوق الرقائق الإلكترونية عالميًا، في ظل الزيادة الكبيرة في الاحتياجات الحاسوبية لمراكز البيانات، وهو ما يضغط على المعروض المخصص للهواتف الذكية والحواسيب وغيرها من الأجهزة الإلكترونية، ويدفع أسعارها نحو الارتفاع.
وأوضح أن فهم التحولات الحالية في سوق الأجهزة الذكية يتطلب النظر إلى البنية التكنولوجية التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها وحدات معالجة الرسوميات، التي تقوم بدور رئيس في معالجة البيانات وتشغيل النماذج الحديثة وتدريبها.
وأشار إلى أن نماذج مثل شات جي بي تي وجيميناي وأنثروبيك أصبحت تعتمد على أحجام متزايدة من المعلمات، وهو ما يعني أنه كلما زاد حجم نموذج الذكاء الاصطناعي ارتفعت كمية البيانات التي يجب تخزينها والوصول إليها بسرعة، وبالتالي تتزايد الحاجة إلى رقائق ذاكرة عالية الأداء.
قفزة كبيرة في احتياجات الرقائق الإلكترونية
وأوضح الحارثي أن حجم نماذج الذكاء الاصطناعي شهد قفزات ضخمة خلال فترة زمنية قصيرة، مشيرًا إلى أن الإصدار الأول من شات جي بي تي اعتمد على نحو 117 مليون معلمة، بينما يدور الحديث حاليًا عن نحو 4 تريليونات معلمة في جي بي تي-5.
وأضاف أن هذه الزيادة الكبيرة في حجم المعلمات التي تعتمد عليها نماذج الذكاء الاصطناعي رفعت بصورة ملحوظة احتياجات الذاكرة والنطاق الترددي مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أربع أو خمس سنوات.
ولفت إلى أن بعض الأنظمة الحالية تعمل بنطاق ترددي يصل إلى نحو 20 تيرابايت، من خلال أنواع الذاكرة التي تنتجها شركات مثل سامسونج وإس كيه هاينكس وغيرها، مقارنة بنحو 3 تيرابايت سابقا، بما يمثل زيادة تقدر بنحو 6 إلى 8 أضعاف مقارنة بمستويات عام 2022.
اقرأ أيضًا: شركات التكنولوجيا تستبدل الوظائف بالذكاء الاصطناعي
ذاكرة النطاق الترددي العالي تستحوذ على أكبر قدر من الطاقة
وقال الحارثي إن التوسع في استخدام ذاكرة النطاق الترددي العالي أدى إلى زيادة استهلاك شرائح السيليكون المستخدمة في تصنيع الذاكرة مقارنة بالأنواع التقليدية. وأوضح أن رقاقة السيليكون الأساسية تمثل المادة التي يتم تقطيعها لاحقًا لإنتاج الشرائح الإلكترونية المستخدمة في أجهزة الكمبيوتر والهواتف وغيرها من الأجهزة.
وأشار إلى أنّ أنواع الذاكرة التقليدية المستخدمة في الأجهزة تحتاج إلى عدد أقل من أجزاء رقاقة السيليكون، بينما يمكن أن تحتاج ذاكرة النطاق الترددي العالي المستخدمة بكثافة في أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى ما يتراوح بين 12 و20، وقد يصل إلى نحو 30 ضعف عدد الشرائح المفردة المستخدمة في تطبيقات الذاكرة التقليدية.
وأضاف أن السبب يرجع إلى تصميم ذاكرة النطاق الترددي العالي، الذي يقوم على تكديس عدد من شرائح ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية فوق بعضها البعض، بهدف الوصول إلى معدلات نقل البيانات المرتفعة التي تتطلبها تطبيقات ونماذج الذكاء الاصطناعي.
شركات الرقائق تميل للمنتجات الأعلى ربحية
وأشار الحارثي إلى أن هذه التحولات غيرت المعادلة الاقتصادية أمام كبرى شركات تصنيع رقائق الذاكرة، ومن بينها سامسونج وإس كيه هاينكس ومايكرون.
وأوضح أن بيع ذاكرة النطاق الترددي العالي المخصصة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يحقق هوامش ربح قد تصل إلى نحو 65%، مقارنة بنحو 25% بالنسبة إلى أنواع الذاكرة المستخدمة في الهواتف والأجهزة المنزلية وغيرها من الإلكترونيات، ما يدفع الشركات المصنعة بطبيعة الحال إلى توجيه نسبة أكبر من قدراتها الإنتاجية إليها، وهو ما يقلص المعروض المتاح من رقائق الذاكرة الموجهة إلى الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية.
اقرأ أيضًا: وكلاء الذكاء الاصطناعي.. ثغرات سيبرانية وسباق دولي محتدم
كيف تنتقل أزمة المعروض إلى المستهلك النهائي؟
وأكد الحارثي أن المستهلك النهائي سيكون أحد الأطراف الأكثر تأثرًا بهذه التحولات، لأن استمرار زيادة الطلب بالتزامن مع محدودية المعروض يؤدي في النهاية إلى ارتفاع الأسعار.
وأشار إلى أن نتائج بعض شركات تصنيع الذاكرة، ومنها سامسونج، أظهرت نموًا في الإيرادات، إلا أن التفاصيل المتاحة لا توضح بصورة كاملة حجم الزيادة الناتجة عن ارتفاع أسعار أنواع الذاكرة التقليدية مقارنة بمنتجات ذاكرة النطاق الترددي العالي الموجهة إلى قطاع الذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن المؤشرات المتاحة تظهر ارتفاع أسعار النوعين، لافتًا إلى أن الشركات الثلاث الكبرى في صناعة رقائق الذاكرة باتت تتمتع بقوة تفاوضية كبيرة في السوق نتيجة الارتفاع القوي في الطلب.
وأوضح خبير صناعة التكنولوجيا أن معالجة الاختلال الحالي بين العرض والطلب لن تتم بصورة سريعة، نظرًا إلى أن إنشاء مصانع جديدة لأشباه الموصلات يتطلب فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، علمًا أن التوسعات والالتزامات الإنتاجية الجديدة بدأت خلال عامي 2024 و2025، وبالتالي قد لا تظهر درجة أكبر من التوازن في السوق قبل نهاية 2027 أو خلال عام 2028.
وأضاف أن طول الفترة اللازمة لإنشاء طاقات إنتاجية جديدة يجعل من الصعب زيادة المعروض بالسرعة نفسها التي ينمو بها الطلب المرتبط بمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
اقرأ أيضًا: لماذا تتجه الشركات الغربية لنماذج الذكاء الاصطناعي الصينية؟
الشركات بين رفع الأسعار وخفض بعض المواصفات
وقال الحارثي إن شركات تصنيع الأجهزة الإلكترونية بدأت تتعامل بطرق مختلفة مع ارتفاع تكلفة مكونات الإنتاج؛ حيث اتجهت بعض الشركات -ومنها أبل ومايكروسوفت- إلى تمرير جانب من ارتفاع التكلفة إلى المستهلك من خلال زيادة أسعار منتجاتها.
وفي المقابل، اتجهت شركات أخرى -مثل أوبو وفيفو- إلى الحفاظ على مستويات الأسعار قدر الإمكان من خلال إجراء بعض التعديلات على مواصفات الأجهزة، ومنها تقليل مستوى بعض إمكانات الكاميرا أو مكونات أخرى، بهدف الحفاظ على الحصة السوقية.
هذه السياسة -وفقًا للحارثي- تعكس تغيرًا في أولويات سوق الهواتف الذكية، إذ أصبحت إمكانات الذكاء الاصطناعي تحظى بأهمية أكبر، في مقابل تراجع الوزن النسبي لبعض الخصائص التي كانت تمثل محور المنافسة بين الشركات قبل عامين أو ثلاثة أعوام.

متى يستعيد سوق الأجهزة الإلكترونية توازنه؟
وأكد الدكتور محمد الحارثي أن الاتجاه العام يشير إلى استمرار الضغوط الصعودية على أسعار الأجهزة الإلكترونية، في ظل البنية الحالية التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي وما تتطلبه من قدرات ضخمة للذاكرة والحوسبة.
وأوضح أن جوهر المشكلة يرتبط بالطريقة التي تعمل بها أنظمة الذكاء الاصطناعي حاليًا واعتمادها على كميات هائلة من البيانات والمعلمات، بما يفرض طلبًا متزايدًا على الذاكرة.
وأشار إلى وجود أبحاث تعمل على تطوير طرق جديدة يمكن أن تقلل استهلاك الذاكرة، إلى جانب محاولات لإحداث تغيير أكبر في الطريقة التي تعالج بها أنظمة الذكاء الاصطناعي الكميات الضخمة من المعلومات.
ولفت إلى وجود نماذج واتجاهات أخرى، من بينها بعض الحلول الصينية التي تستهدف تقليل الاحتياجات من الموارد المستخدمة، مع وجود مفاضلة محتملة بين خفض استهلاك الموارد ومستوى الدقة أو حجم النموذج.
وأكد الحارثي أن استمرار نموذج عمل الذكاء الاصطناعي الحالي، بالتزامن مع صعوبة زيادة إنتاج الرقائق الإلكترونية بالسرعة المطلوبة، سيبقي الضغوط قائمة على سوق الذاكرة والأجهزة الإلكترونية، ما يرجح استمرار اتجاه الأسعار نحو الارتفاع إلى أن تدخل طاقات إنتاجية جديدة إلى السوق أو تظهر تقنيات قادرة على خفض استهلاك الذاكرة بصورة ملموسة.
قد يهمّك أيضًا: كيف تؤثر إجراءات الصين على صناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي
