تتوسع العديد من الشركات الأمريكية والأوروبية في الاعتماد على نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية، مدفوعة بشكل أساسي بانخفاض تكاليف تشغيلها، والتحسن الملحوظ في قدراتها التقنية، إلى جانب رغبة هذه المؤسسات في كسر احتكار عدد محدود من مختبرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية وتقليل الاعتماد عليها.
وتضم قائمة الشركات الكبرى التي دمجت أدوات صينية في عملياتها كلاً من "دور داش" و"سيمنس" و"إير بي إن بي" و"ليندي"، حيث تستعين بنماذج متطورة طورتها شركات بارزة مثل "ديب سيك" و"زد إيه آي"، و"مون شوت إيه آي"، لتستفيد هذه المؤسسات من مرونة توزيع المهام بين عدة نماذج، واختيار الأداة الأكثر ملاءمة بناءً على التكلفة ومستوى التعقيد وحساسية البيانات المعالجة.
وفي سياق متصل، تعكس بيانات منصة "أوبن راوتر" هذا التوجه المتنامي؛ إذ تشير إلى توسع ملحوظ في استخدام النماذج الصينية لمعالجة النصوص والأكواد والبيانات عبر منصتها، حيث نجحت نماذج "ديب سيك" في الاستحواذ على ما يقرب من 20% من إجمالي الرموز أو "التوكنز" المعالجة على المنصة في بداية يونيو 2026، مكللة بذلك صدارتها لحجم الاستخدام المسجل منذ منتصف مايو، وهي نسبة توضح حصتها التشغيلية الفعالة على المنصة خلال تلك الفترة، ولا تعكس بالضرورة امتلاك الشركة لخُمس سوق الذكاء الاصطناعي العالمية ككل.
تفوق الحسابات التجارية على القيود السياسية
وقال الدكتور عبدالرحمن طه، المتخصص في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، إن القيود الأمريكية المفروضة على قطاع التكنولوجيا الصيني لم تمنع الشركات الأمريكية والأوروبية من الاستفادة من نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية التي تطورها بكين.
وأوضح أن الاعتبارات الاقتصادية والتشغيلية أصبحت أكثر تأثيرًا في قرارات المؤسسات، خصوصًا مع ارتفاع تكلفة تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، والحاجة إلى معالجة كميات ضخمة من البيانات وطلبات المستخدمين والأكواد البرمجية.
وأضاف أنّ استخدام نماذج صينية لا يعني تخلي الشركات بالكامل عن الأدوات الأمريكية، وإنما يعكس اتجاهًا إلى تنويع الخيارات وعدم ربط العمليات التشغيلية بمزود واحد.
وأشار إلى أن الشركات أصبحت تقارن بين النماذج وفقًا لجودة النتائج، وسرعة التنفيذ، وتكلفة الاستخدام وإمكانية استضافة النموذج داخل البنية التحتية الخاصة بالمؤسسة.
اقرأ أيضًا: سامسونغ.. الذكاء الاصطناعي يقفز بأجور عمال الرقائق الإلكترونية
كيف تضغط فواتير التشغيل على الشركات؟
أكد طه أن ارتفاع فواتير الذكاء الاصطناعي يمثل العامل الأساسي وراء زيادة استخدام البدائل الصينية، خاصة بعد انتقال بعض الخدمات من نظام الاشتراكات الثابتة إلى التسعير وفق حجم الاستخدام.
الجدير بالذكر أنّ الشركات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء، وكتابة الأكواد، وتشغيل الوكلاء الرقميين، وتحليل البيانات تواجه تكاليف متزايدة كلما ارتفع عدد الطلبات والرموز التي تعالجها النماذج.
وبحسب تقديرات نقلتها "فايننشال تايمز" عن الرئيس التنفيذي لشركة "توجيذر إيه آي"، يمكن أن تكون بعض النماذج مفتوحة الأوزان أقل تكلفة بما يتراوح بين 10 و60 مرة من نماذج مغلقة مماثلة، إلا أن حجم الوفر الفعلي يختلف وفق النموذج وطبيعة المهمة والبنية الحاسوبية.
وأوضح طه أن الشركات لم تعد تبحث دائمًا عن النموذج الأقوى أو الأعلى تكلفة، وإنما أصبحت تختار النموذج الذي يحقق النتيجة المطلوبة بأفضل توازن بين الأداء والتكلفة.
وأضاف أن نسبة كبيرة من المهام اليومية والمتكررة لا تحتاج إلى أقوى النماذج المتاحة، ويمكن تنفيذها باستخدام أدوات أقل تكلفة، مع تخصيص النماذج المتقدمة للمهام التي تتطلب مستويات أعلى من التحليل والاستدلال.
ويرى أن هذا التحول يعكس انتقال المؤسسات من مرحلة الاندفاع نحو استخدام الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة أكثر نضجًا، تقوم على قياس العائد على الاستثمار ومقارنة تكلفة النموذج بالقيمة التي يضيفها إلى النشاط.
القيود الأمريكية و مخاطر الاعتماد على مزود واحد
لفت طه إلى أن القيود الأمريكية التي طالت نماذج شركة «أنثروبيك» دفعت شركات أوروبية إلى إعادة تقييم اعتمادها الكامل على التكنولوجيا الأمريكية.
وأوضح طه أن رفع القيود لاحقًا لم يلغِ المخاوف التي أثارتها الواقعة، لأنها أظهرت أن وصول الشركات إلى أداة تكنولوجية أساسية قد يتوقف بقرار سياسي أو تنظيمي مفاجئ.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من البنية التشغيلية للمؤسسات، وليس مجرد أداة إضافية، ما يجعل توقف الوصول إلى أحد النماذج خطرًا محتملًا على الإنتاج وخدمة العملاء والعمليات الداخلية.
وأكد أن الاعتماد على أكثر من نموذج أصبح أحد أساليب إدارة المخاطر التكنولوجية، على غرار تنويع موردي الخدمات السحابية والطاقة والمعدات.
اقرأ أيضًا: هل تفتح مهمة جينيسيس عصرًا جديدًا لهيمنة أمريكا في الذكاء الاصطناعي؟
نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية تتجاوز ميزة السعر
قال طه إن النماذج الصينية لم تعد تنافس فقط عبر انخفاض أسعارها، وإنما حققت تقدمًا في مجالات البرمجة والاستدلال وتنفيذ المهام الممتدة.
وطرحت شركة "زد إيه آي" نموذج “جي إل إم 5.2” في يونيو 2026، وقدمت نتائج تظهر أداءً متقدمًا في عدد من اختبارات البرمجة والمهام طويلة المدى. ووفق النتائج التي نشرتها الشركة، جاء النموذج في مرتبة متقدمة بين النماذج مفتوحة الأوزان، واقترب من بعض النماذج الأمريكية المغلقة في اختبارات محددة، مع ضرورة التعامل مع نتائج الشركات المطورة باعتبارها مؤشرات تحتاج إلى تقييم مستقل داخل بيئات العمل الفعلية.
وأكد طه أن الاختبارات العامة ليست العامل الوحيد الذي تعتمد عليه الشركات، إذ قد يحقق نموذج نتيجة قوية في اختبار معين، لكنه لا يكون الأنسب لجميع الاستخدامات.
وأضاف أن المؤسسات تجري عادة اختبارات داخلية؛ تشمل جودة الإجابات، ودقة تنفيذ التعليمات، وسرعة الاستجابة، وتكلفة التشغيل، وقدرة النموذج على التعامل مع البيانات الخاصة بالشركة.
اقرأ أيضًا: كيف تؤثر إجراءات الصين على صناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي
هل تحقق العقوبات نتائج عكسية؟
ويرى طه أن القيود الأمريكية المفروضة على الشركات الصينية قد تبطئ وصولها إلى بعض الرقائق والمكونات المتقدمة، لكنها قد تدفعها في الوقت نفسه إلى تطوير نماذج أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للموارد.
وأوضح أن المنافسة في الذكاء الاصطناعي لا تُحسم فقط بامتلاك أقوى المعالجات، وإنما تعتمد كذلك على كفاءة البرمجيات وجودة البيانات، وطريقة تدريب النماذج، والقدرة على تحقيق نتائج قوية باستخدام موارد حاسوبية أقل.
وأضاف أن تركيز الشركات الصينية على تقليل تكلفة التدريب والتشغيل ساعدها على تقديم بدائل جذابة للشركات والمطورين خارج الصين.
وأشار إلى أن القيود غير المتوقعة على النماذج الأمريكية يمكن أن تدفع المؤسسات الدولية إلى تفضيل أدوات مفتوحة الأوزان تستطيع استضافتها وإدارتها داخل بنيتها التحتية، حتى لو لم تكن الأقوى في جميع الاختبارات.
النموذج الهجين يفرض نفسه
توقع طه أن تتجه الشركات خلال المرحلة المقبلة إلى نموذج تشغيل هجين، قائم على استخدام عدة أدوات للذكاء الاصطناعي بدلًا من الاعتماد على نموذج واحد.
وأوضح أن المؤسسات يمكن أن تخصص النماذج المتقدمة والأعلى تكلفة للمهام المعقدة، مثل التحليل المتخصص والاستدلال وكتابة البرمجيات المتقدمة، بينما تستخدم نماذج أقل تكلفة في تلخيص النصوص، وتصنيف البيانات، وإعداد الردود الأولية، وتنفيذ العمليات اليومية المتكررة.
وأكد أن هذا النهج يتيح خفض النفقات ورفع كفاءة التشغيل، إلى جانب تقليل مخاطر توقف الخدمات أو تغير الأسعار والسياسات التجارية لدى أحد المزودين.
وأضاف أن المنافسة المستقبلية لن تقتصر على المفاضلة بين نموذج أمريكي وآخر صيني، وإنما ستشمل قدرة المؤسسات على بناء منظومة تختار تلقائيًا النموذج الأنسب لكل مهمة.
وفي هذا السياق، شدد طه على أن انخفاض الأسعار لا يجب أن يكون العامل الوحيد عند اختيار نماذج الذكاء الاصطناعي، إذ ينبغي تقييم سياسات حماية البيانات ومكان تخزينها وطريقة معالجتها والجهات التي يمكنها الوصول إليها.
وأوضح أن هذه الاعتبارات تنطبق على جميع النماذج، سواء كانت أمريكية أو صينية أو أوروبية، خاصة في القطاعات التي تتعامل مع بيانات مالية أو صحية أو حكومية أو معلومات شخصية حساسة.
وأضاف أن الشركات تستطيع تقليل المخاطر من خلال تشغيل النماذج مفتوحة الأوزان داخل بنيتها التحتية، أو استخدام مزودي خدمات معتمدين، أو منع إرسال البيانات الحساسة مباشرة إلى الخدمات الخارجية.
وأكد ضرورة الفصل بين التطبيقات العامة التي تتعامل مع معلومات محدودة الحساسية، والتطبيقات الاستراتيجية التي تحتاج إلى مستويات أعلى من الرقابة والسيطرة.
قد يهمّك أيضًا: كيف يغير الذكاء الاصطناعي أساليب التسويق الحديثة؟
سوق الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة أكثر تعددية
اختتم طه تصريحاته بالتأكيد على أن صعود نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية يكشف دخول سوق الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة، تتراجع فيها سيطرة عدد محدود من الشركات الأمريكية على الاستخدامات المؤسسية.
وأوضح أن السؤال لم يعد يدور حول قبول الشركات استخدام نماذج صينية من عدمه، وإنما أصبح يتعلق بحجم المهام التي يمكن نقلها إلى هذه النماذج، وكيفية تحقيق التوازن بين التكلفة والجودة والأمان والمخاطر الجيوسياسية.
وأضاف أن المنافسة خلال المرحلة المقبلة ستتركز على تقديم نماذج تجمع بين الأداء القوي، وتكلفة التشغيل المنخفضة، والمرونة في الاستضافة والتخصيص، وضمان استمرارية الخدمة.
وأشار إلى أن توسع شركات أمريكية وأوروبية في استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية يوضح أن محاولات تقييد التكنولوجيا الصينية لم تمنع انتشارها، وأن الاعتبارات التجارية والتشغيلية قد تتقدم في بعض الأحيان على الحسابات السياسية.
موضوع ذو صلة: هل يُهدد الذكاء الاصطناعي مستقبل الوظائف حول العالم؟
