قد تقترب الصين من نصف القيمة المضافة التصنيعية العالمية بحلول عام 2030، وفق ما أعدته منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية "يونيدو"، وإذا استمر المسار الذي تفترضه المنظمة الأممية، سترتفع حصة الصين من 6% في عام 2000 إلى 45%، في تحول يعيد توزيع القوة الصناعية والتجارية والتمويلية حول العالم.
ولا تقف القوة الصينية عند المصانع وحدها، فبكين وسّعت في العقد الأخير شبكات التجارة والبنية التحتية والتمويل عبر مبادرة الحزام والطريق والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، ما يجعل تكلفة تقليص الاعتماد عليها في سلاسل التوريد العالمية أعلى وأكثر تعقيداً.
الصين.. 45% من القيمة المضافة التصنيعية العالمية
تتوقع ورقة أعدتها "يونيدو" لمنتدى السياسة الصناعية متعدد الأطراف في الرياض عام 2024، أن ترتفع حصة الصين إلى 45% من القيمة المضافة التصنيعية العالمية بحلول 2030.
وتقيس القيمة المضافة التصنيعية "Manufacturing Value Added - MVA" قيمة ما ينتجه قطاع التصنيع بعد خصم كلفة المواد والمكونات والخدمات الوسيطة المستخدمة في الإنتاج، وهي تقيس ثقل الدولة داخل الصناعة العالمية، بعيداً عن عدد السلع المنتجة أو قيمة صادراتها وحدها.
وتظهر الورقة أن حصة الولايات المتحدة قد تنخفض في السيناريو نفسه من 25% من التصنيع العالمي في 2000 إلى 11% في 2030، فيما تتراجع حصة اليابان من 11% إلى 5%، وألمانيا من 8 إلى 3%.
واعتمدت ورقة "يونيدو" متوسط معدلات النمو السنوية التاريخية بين 2010 و2019، وطبّقته من أحدث ملاحظات عام 2024 حتى 2030، وبذلك يمثل الرقم مساراً اتجاهياً مبنياً على نمو الصناعة في العقد السابق، وليس نتيجة محققة.
وتؤكد البيانات الفعلية حجم التحول الذي حدث بالفعل، فقد ارتفعت حصة الصين من القيمة المضافة التصنيعية العالمية من أقل من 5% في 1995 إلى 31.8% في 2023، وفق إحصاءات "يونيدو"، وبلغت حصة الولايات المتحدة في العام نفسه 15%، مقابل 6.6% لليابان و4.6% لألمانيا.
من مصانع منفردة إلى سلاسل إنتاج كاملة
صعود الصين لم يعد مرتبطاً بالإنتاج منخفض الكلفة فقط، فالصناعة الصينية تمتد عبر سلاسل إنتاج كاملة تشمل المواد المعالجة والمكونات والتجميع والمعدات والبطاريات والطاقة الشمسية والإلكترونيات والسلع الوسيطة.
وهذه الشبكات تجعل قرار نقل الإنتاج أكثر كلفة من مجرد بناء مصنع جديد في بلد آخر، فالشركة تحتاج إلى موردين بدلاء، وموانئ وشبكات نقل، ومهارات فنية، ومصانع للمكونات، وشبكات تمويل وتأمين، وأسواق قادرة على استيعاب الإنتاج.
ولهذا تتجه الولايات المتحدة وأوروبا واليابان إلى تنويع المصادر في قطاعات حساسة، بدلاً من نقل الإنتاج كله بعيداً عن الصين، ويعكس ذلك حجم الاعتماد المتراكم خلال عقود، إذ تبقى الصين مورداً ومشترياً ومركزاً صناعياً في الوقت نفسه.
وكلما ارتفعت حصة الصين من القيمة المضافة التصنيعية العالمية، اتسعت قدرتها على التأثير في تدفقات التجارة والأسعار وتوافر المكونات الصناعية، وتتحول العلاقة معها من منافسة تجارية تقليدية إلى مسألة ترتبط بأمن سلاسل الإمداد وقدرة الاقتصادات الأخرى على الحفاظ على إنتاجها.

بنية تحتية وتمويل حول المصانع
تتحرك الصين عبر مؤسسات وقنوات تمويل تعمل بجوار النظام المالي الدولي القائم، فالبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية "AIIB - Asian Infrastructure Investment Bank" بدأ عملياته في يناير 2016 بعد دخول ميثاقه حيز النفاذ في ديسمبر 2015، وشارك في تأسيسه 57 موقعاً.
ويضم البنك اليوم 111 عضواً معتمداً حول العالم، ورأسماله المصرح به 100 مليار دولار، ويحمل تصنيفاً ائتمانياً AAA، وتضم عضويته دولاً مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا وأستراليا والهند والسعودية والإمارات ومصر، ما يمنحه طابعاً متعدد الأطراف رغم أن مقره في بكين.
وأقر البنك، حتى سبتمبر 2026، أكثر من 79 مليار دولار لأكثر من 400 مشروع في 43 اقتصاداً، وفق بيانات البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وتشمل مشروعاته النقل والطاقة والمياه والشبكات الرقمية والربط الإقليمي.
ويعمل البنك في عدد من هذه المشاريع بتمويل مشترك مع البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، وتضيف هذه الشراكات قناة تمويل جديدة للبنية التحتية، فيما تبقى مرتبطة بمؤسسات التنمية العالمية القائمة.
اقرأ أيضاً: سلاح الصين الذي لا يطلق رصاصة.. لكنه قد يعطل مصانع أميركا
مبادرة الحزام والطريق.. شبكة أوسع من مؤسسة واحدة
تمثل مبادرة الحزام والطريق إطاراً أوسع للتعاون في التجارة والاستثمار والموانئ والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات، وتقول الحكومة الصينية إن أكثر من 150 دولة و30 منظمة دولية وقعت وثائق تعاون في إطار المبادرة.
ولا تقوم المبادرة على عضوية قانونية موحدة، بل على اتفاقات ووثائق تعاون مختلفة بين الصين وشركائها، وتتقاطع المبادرة مع البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية في ملفات الربط الإقليمي والبنية التحتية، بينما يظل كل منهما كياناً مختلفاً في البناء القانوني والتمويلي.
وبحسب الحكومة الصينية، تجاوز حجم التجارة بين الصين والدول المشاركة في الحزام والطريق 21 تريليون دولار بين 2013 وأكتوبر 2023، فيما تجاوز الاستثمار المباشر الصيني في هذه الدول 270 مليار دولار.
هذه الأرقام، ترسم شبكة تتجاوز فكرة الطرق والموانئ وسلاسل الإمداد، فالمسألة تشمل حركة السلع ورأس المال والطاقة والبيانات والخدمات اللوجستية، بما يربط الصناعة الصينية بأسواق ومشروعات في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وأميركا اللاتينية.
وإذا اقتربت الصين من 45% من القيمة المضافة التصنيعية العالمية، ستصبح المصانع جزءاً من منظومة أوسع تضم التمويل والتجارة والبنية التحتية، وهو ما يمنح بكين مساحة أكبر للتأثير في قواعد الاقتصاد العالمي من داخل المؤسسات القائمة وبجوارها.
