اقتصادات عربية

    كيف يدعم صندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة الصناعة في مصر؟

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •5 دقائق
    صندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة

    أعلنت الحكومة المصرية إطلاق "صندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة" برأسمال إجمالي يبلغ مليار جنيه، تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية الرامية إلى إعادة تشغيل المنشآت والكيانات المتعثرة، ودعم الاستثمار الصناعي باعتباره أحد الركائز الرئيسية للاقتصاد الوطني.

    ويستهدف الصندوق المشاركة في رؤوس أموال المنشآت الصناعية التي تواجه صعوبات مالية أو تشغيلية، لكنها تمتلك أصولًا ومقومات تؤهلها للعودة إلى النشاط، من خلال تنفيذ خطط لإعادة الهيكلة ورفع الكفاءة التشغيلية، بما يعزز قدرتها على الاستمرار والنمو ويعظم قيمتها الاقتصادية على المدى الطويل.

    وتكشف التقديرات الرسمية اتساع نطاق ملف التعثر الصناعي في مصر؛ إذ تشير بيانات وزارة الصناعة إلى وجود نحو 6 آلاف منشأة صناعية متعثرة ماليًا أو متوقفة عن الإنتاج، فيما تذهب تقديرات غير رسمية صادرة عن خبراء وجهات صناعية إلى أعداد أعلى، تتراوح بين 11 ألفًا وأكثر من 13 ألف مصنع يواجه درجات متفاوتة من التعثر.

    وتتعدد أسباب تعثر المصانع بين نقص السيولة وتراكم الديون والأعباء التمويلية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الطاقة ومستلزمات الإنتاج، فضلًا عن تحديات تشغيلية تؤثر في قدرة بعض المنشآت على مواصلة النشاط والحفاظ على مستويات الإنتاج

    أهداف صندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة

    وقال حسن عبدالله محافظ البنك المركزي المصري إن صندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة، يمثل خطوة ضمن جهود الدولة لزيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي وتحفيز النمو الاقتصادي، من خلال توجيه رؤوس الأموال إلى إعادة تأهيل الأصول والطاقات الإنتاجية التي تمتلك فرصًا حقيقية للاستمرار والتوسع.

    وأكد أن القطاع المصرفي سيواصل دعم الاستثمار والإنتاج وتوفير مصادر تمويل متنوعة للقطاع الصناعي، بالتوازي مع إتاحة قنوات بديلة تسهم في تعميق الصناعة المحلية وتحقيق مستهدفات التنمية والنمو المستدام.

    من جانبه، أكد المهندس خالد هاشم وزير الصناعة، أن إعادة تشغيل المصانع المتعثرة تمثل أولوية لوزارة الصناعة، ضمن توجه الدولة لزيادة الإنتاج المحلي وتحسين كفاءة القطاع واستدامته.

    وأوضح أن الصندوق لا يعمل باعتباره أداة تمويل منفصلة، وإنما يأتي ضمن مبادرة متكاملة للتعامل مع المشكلات المالية والتشغيلية التي تواجه المنشآت الصناعية.

    وأشار إلى أن طلبات الاستفادة ستُقدم عبر «منظومة دعم المصنعين» التي أطلقتها الوزارة مؤخرًا، على أن يتولى الصندوق تقييم الحالات وفقًا للقدرات التشغيلية وفرص نجاح إعادة الهيكلة وإمكانات النمو.

    ويُنتظر أن تسهم الآلية الجديدة في استغلال الطاقات الإنتاجية المعطلة، ودعم سلاسل التوريد المحلية، والحفاظ على الوظائف وخلق فرص عمل جديدة، إلى جانب رفع تنافسية الصناعة المصرية.

    اقرأ أيضًا: اقتصاد مصر يخالف التوقعات.. كيف صمد أمام أزمات المنطقة؟

    استراتيجية الصندوق.. إعادة هيكلة القروض وضخ رؤوس أموال جديدة

    ويعتمد صندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة، على استراتيجية استثمارية تستهدف المنشآت التي تعاني صعوبات مالية أو تشغيلية رغم امتلاكها أصولًا وطاقات إنتاجية قابلة للتطوير.

    ويتعاون فريق الصندوق مع الإدارات التنفيذية للمصانع المستهدفة لوضع خطط تتضمن إعادة هيكلة القروض والالتزامات المالية، وضخ رؤوس أموال جديدة، وتنفيذ برامج لرفع الكفاءة التشغيلية، فضلًا عن تطوير أطر الحوكمة والإدارة.

    وقال الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، إن موافقة الهيئة العامة للرقابة المالية على الترخيص رقم 1033 الخاص بالصندوق، برأس مال مُصدر يبلغ مليار جنيه وقيمة اسمية جنيه واحد للسهم، اعتبارًا من الرابع من أكتوبر الجاري، تأتي ضمن توجه الدولة نحو إعادة توطين صناعات ذات أهمية حيوية.

    وأوضح أن القطاعات المستهدفة تشمل الصناعات الغذائية والهندسية والكيماوية، والمنسوجات والملابس الجاهزة، والصناعات الدوائية، ومواد البناء والتشييد، بما يخدم استراتيجية إحلال الواردات في مرحلة أولى، ثم التوسع في الصادرات الصناعية.

    وأضاف أن زيادة الإنتاج المحلي يمكن أن تخفف الطلب على النقد الأجنبي الموجه للاستيراد، فيما تساهم تنمية الصادرات في زيادة التدفقات الدولارية إلى الاقتصاد.

    وأشار الجرم إلى أن الصندوق أُنشئ وفقا لأحكام قانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992 ولائحته التنفيذية وتعديلاتها، في صورة طرح خاص مغلق على المؤسسات والكيانات المؤهلة قانونًا وفقًا للقرار رقم 48 لسنة 2019.

    وأكد أن إعادة تأهيل مصنع قائم قد تكون أكثر كفاءة من تأسيس مشروع جديد من الصفر، إذ تمتلك المنشآت القائمة بالفعل أراضي ومباني وآلات ومعدات، فضلًا عن شبكات الموردين والعملاء والخبرات التشغيلية.

    ويرى الجرم أن أهمية النموذج تتمثل في الاستفادة من أدوات التمويل غير المصرفي، بدلًا من معالجة أزمة المديونية بمزيد من الاقتراض، بما قد يؤدي إلى استبدال التزامات قائمة بأعباء مصرفية جديدة دون حل جذري لمشكلة التعثر.

    قد يهمّك أيضًا: مصر تعود إلى خريطة أسواق الدين العالمية بمستثمرين جدد

    تحويل الممولين إلى شركاء

    وأوضح الجرم أن دخول المستثمرين من خلال المساهمة في رأس المال يحول العلاقة مع المنشآت من مجرد ممول ومقترض إلى شراكة ترتبط عوائدها بأداء الشركة وأرباحها.

    وأضاف أن توسيع قاعدة الملكية ومشاركة عدد أكبر من المساهمين يحدان من مخاطر التركز، ويساعدان الشركات على إعادة بناء هياكلها المالية على أسس أكثر استدامة.

    وأكد أن نجاح هذه الآلية يمكن أن يدعم تكوين قاعدة صناعية أكثر قوة، ويرفع معدلات التشغيل ومساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي، مع الحفاظ على الأصول والاستثمارات القائمة.

    بدوره، قال الدكتور محمد محمود، الباحث الاقتصادي، إن أهمية الصندوق لا تقتصر على توفير السيولة، وإنما تتمثل في تغيير طريقة التعامل مع التعثر الصناعي من مجرد منح تمويل إضافي إلى معالجة الأسباب المالية والتشغيلية والهيكلية التي أدت إليه.

    وأوضح أن الصندوق ليس مطروحًا للاكتتاب العام للأفراد، وإنما يستهدف المؤسسات والشركات والكيانات المؤهلة، بما يتناسب مع طبيعة عمليات إعادة الهيكلة وحجم التدخل المطلوب في المنشآت المستفيدة.

    وأضاف أن بعض المصانع تحتاج إلى إعادة تنظيم هيكل رأس المال والملكية وتصحيح أوضاعها التشغيلية قبل البحث عن تمويل إضافي، خاصة أن زيادة الاقتراض قد تفاقم الضغوط على المنشآت التي تعاني أصلًا صعوبة في خدمة ديونها.

    وأكد محمود أن رأسمال صندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة، البالغ مليار جنيه يمثل نقطة بداية يمكن البناء عليها والتوسع فيها إذا أثبتت التجربة نجاحها، مشيرًا إلى حاجة السوق لمزيد من الأدوات المبتكرة، خصوصًا لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تعرضت لضغوط خلال السنوات الماضية.

    تطوير الرؤية التصديرية للصناعة

    وشدد محمود على ضرورة أن تتزامن إعادة تأهيل المصانع مع تطوير الرؤية التصديرية للصناعة المصرية، عبر التركيز على المنتجات الصناعية ذات القيمة المضافة وتعزيز قدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية.

    وأضاف أن نجاح التجربة يجب قياسه بعدد المصانع التي استعادت نشاطها، ومدى تحسن أوضاعها المالية والتشغيلية وقدرتها على الاستمرار والنمو، وليس فقط بحجم الأموال التي يتم ضخها.

    واعتبر أن تحقيق نتائج ملموسة قد يفتح المجال أمام التوسع في أدوات مماثلة مستقبلًا، ويعزز الاعتماد على إعادة الهيكلة ومعالجة جذور التعثر بدلًا من الاكتفاء بإعادة التمويل وزيادة المديونية.

    قد يهمّك أيضًا: تشديد ضوابط التمويل في مصر بعد أزمة القروض الوهمية