تقارير خاصة

    اقتصاد مصر يخالف التوقعات.. كيف صمد أمام أزمات المنطقة؟

    أظهر اقتصاد مصر قدرة أكبر على امتصاص الصدمات الإقليمية، بدعم من مرونة سعر الصرف وارتفاع الاحتياطيات والتحويلات والسياحة وتعافي قناة السويس. وسجل الاقتصاد نموًا قويًا، بالتزامن مع تأسيس آلاف الشركات الجديدة وزيادة الصادرات. لكن صندوق النقد يحذر من استمرار مخاطر الدين والاحتياجات التمويلية ودور الدولة الواسع في الاقتصاد المصري.

    بقلم Onboarding Account••آخر تحديث •7 دقائق
    اقتصاد مصر يصمد أمام أزمات المنطقة
    26 ألف شركة جديدة تأسست في مصر خلال أول 6 أشهر من هذا العام

    اقتصاد مصر دخل موجة جديدة من الأزمات الإقليمية وهو في وضع أقوى مما كان عليه خلال الصدمات السابقة، وفق صندوق النقد الدولي، الذي قال إن مرونة سعر الصرف وقوة الاحتياطيات وسرعة استجابة السلطات ساعدت الاقتصاد على امتصاص تداعيات الحرب في الشرق الأوسط واضطرابات المنطقة.

    وجاء تقييم الصندوق في مقال نشره أمين ماطي، رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر، ويفغيينيا كورنيينكو، الخبيرة الاقتصادية الأولى في إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بالصندوق، في 21 سبتمبر 2026.

    ويشير التقييم إلى أن مصر دخلت الأزمة الأخيرة بقاعدة اقتصادية أكثر صلابة نسبيًا، بعدما ساهمت الإصلاحات المنفذة ضمن برنامج الصندوق في دعم النمو، ووضع التضخم على مسار هبوطي، وإعادة بناء الاحتياطيات الدولية، وتحسين صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك.

    اقتصاد مصر أمام الاختبار

    الاختبار هذه المرة جاء مع اتساع الاضطرابات الإقليمية، من حرب غزة إلى الحرب مع إيران، مرورًا بالتوترات التي أثرت في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

    وكان من الممكن أن تؤدي هذه التطورات إلى ضغوط قوية على العملة والاحتياطيات وتدفقات النقد الأجنبي، خصوصًا أن السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين في الخارج تمثل مصادر رئيسية للعملات الأجنبية.

    لكن صندوق النقد يرى أن آلية امتصاص الصدمة تغيرت مقارنة بالماضي.

    فبدلًا من استنزاف الاحتياطيات للدفاع عن مستوى محدد للجنيه، سمحت السلطات بمرونة أكبر لسعر الصرف، ما جعل العملة تمتص جزءًا من الضغوط الخارجية.

    الجنيه يمتص الصدمة

    خلال ذروة الضغوط، تراجعت حيازات المستثمرين غير المقيمين من أدوات الدين الحكومية المقومة بالجنيه من 39.1 مليار دولار في فبراير إلى 22.2 مليار دولار في مطلع أبريل.

    كما فقد الجنيه نحو 14% إلى 17% من قيمته تحت ضغط التدفقات الخارجة.

    اقرأ أيضا: هل يُسقط استحواذ الأهلي على بنك مصر الإجراءات الأمريكية؟

    لكن مع انحسار التوترات، عادت تدفقات استثمارات المحافظ تدريجيًا، واقتربت حيازات المستثمرين الأجانب من مستويات ما قبل الصراع، بينما استعاد الجنيه جزءًا كبيرًا من خسائره الأولية.

    وهنا تظهر أهمية مرونة سعر الصرف؛ إذ سمحت بتحويل جزء من الصدمة إلى سعر العملة بدلًا من تحميل الاحتياطيات كامل تكلفة الدفاع عنها.

    الاحتياطيات عند مستوى قياسي

    أحد أهم مصادر القوة في اقتصاد مصر هو الاحتياطي النقدي.

    وبلغ صافي الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي المصري نحو 57.2 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، وهو أعلى مستوى مسجل حتى الآن.

    كما أشار صندوق النقد إلى أن الاحتياطيات الإجمالية ظلت أعلى من المستويات الكافية رغم خروج رؤوس الأموال في بداية الأزمة، وبلغت نحو 119% من مقياس كفاية الاحتياطيات بنهاية يونيو.

    وهذا الهامش مهم لأنه يمنح مصر قدرة أكبر على الوفاء بالتزاماتها الخارجية وتمويل الواردات وامتصاص الصدمات المفاجئة في تدفقات العملات الأجنبية.

    السياحة تواصل النمو

    في الوقت نفسه، واصلت السياحة تقديم دعم مهم للاقتصاد المصري.

    فقد استقبلت مصر نحو 12.7 مليون سائح خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، مقابل 12.2 مليونًا خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بينما ارتفعت الإيرادات السياحية إلى نحو 12 مليار دولار مقارنة بـ11.8 مليار دولار.

    وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأن السياحة تمثل مصدرًا رئيسيًا للعملات الأجنبية، وبالتالي فإن استمرار تدفق السياح رغم التوترات الإقليمية يخفف جزءًا من الضغط على الحساب الخارجي والاحتياطيات.

    كما يتوقع المجلس العالمي للسفر والسياحة نمو قطاع السياحة والسفر في مصر بنحو 3% خلال 2026، مع ارتفاع مساهمته في الناتج المحلي إلى نحو 35.4 مليار دولار.

    تحويلات المصريين.. شريان العملة

    أما التحويلات، فحققت مستوى قياسيًا جديدًا.

    وبحسب البنك المركزي المصري، ارتفعت تحويلات المصريين العاملين في الخارج خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 بنسبة 28.1% على أساس سنوي، لتصل إلى نحو 29.7 مليار دولار، مقابل 23.2 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025.

    اقرأ أيضا: مصر تعود إلى خريطة أسواق الدين العالمية بمستثمرين جدد

    وتشكل هذه التدفقات أحد أهم مصادر العملات الأجنبية لمصر، لأنها تدخل مباشرة إلى النظام المصرفي وتساعد في تمويل الواردات وتلبية احتياجات الاقتصاد من النقد الأجنبي.

    ويشير صندوق النقد إلى أن ارتفاع التحويلات إلى مستويات قياسية، إلى جانب قوة إيرادات السياحة والتعافي التدريجي لقناة السويس، ساعد في الحد من تأثير الصدمات الخارجية على الحساب الجاري.

    قناة السويس تستعيد نشاطها

    قناة السويس كانت من أكثر القطاعات تعرضًا لتداعيات اضطرابات البحر الأحمر، بعدما تراجعت حركة السفن خلال الفترة السابقة نتيجة المخاطر الأمنية وتحول جزء من حركة الملاحة إلى طرق بديلة.

    لكن النشاط بدأ في التعافي تدريجيًا.

    وبحسب الأرقام، بلغت إيرادات القناة نحو 3.5 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، مع تحسن تدريجي في حركة الملاحة.

    وكان صندوق النقد قد أشار إلى أن نشاط قناة السويس واصل التعافي بعد الاضطرابات المؤقتة المرتبطة بالتوترات الإقليمية. كما سجل نشاط القناة نموًا إيجابيًا في الربع الأول من السنة المالية 2025/2026 للمرة الأولى بعد فترة طويلة من التراجع.

    الصادرات تقلل الضغط

    لم يعد الاعتماد على مصادر العملة الأجنبية التقليدية هو المسار الوحيد أمام مصر.

    فالصادرات غير النفطية بلغت نحو 34 مليار دولار خلال أول ثمانية أشهر من 2026، وهو ما يعكس توسعًا في قدرة القطاعات الإنتاجية المصرية على توليد إيرادات من الأسواق الخارجية.

    ويكتسب نمو الصادرات أهمية إضافية في ظل حاجة الاقتصاد إلى تنويع مصادر العملة الأجنبية وتقليل الاعتماد على قطاع واحد أو مصدر واحد للتدفقات الدولارية.

    كما أن ارتفاع الصادرات يعني توسع قاعدة الشركات القادرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية، وزيادة الطلب على الإنتاج المحلي والخدمات المرتبطة به.

    26 ألف شركة جديدة

    ويظهر التحسن أيضًا في نشاط تأسيس الشركات.

    فخلال النصف الأول من 2026، تأسست نحو 26 ألف شركة جديدة في مصر، بزيادة تقارب 20% عن الفترة نفسها من العام السابق، بينما بلغ رأس المال المصدر لهذه الشركات نحو 97.5 مليار جنيه.

    ولم يقتصر النشاط على الشركات المحلية؛ فقد بلغ عدد الشركات الأجنبية الجديدة نحو 5,022 شركة خلال الفترة نفسها، بزيادة 33.7% عن النصف الأول من 2025، وفق بيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء.

    وتعكس هذه الأرقام جانبًا آخر من قصة اقتصاد مصر: قدرة السوق على جذب تأسيسات استثمارية جديدة رغم استمرار التحديات الاقتصادية والجيوسياسية.

    النمو لم يتوقف

    والأهم أن الصدمة الخارجية لم تتحول إلى انكماش اقتصادي واسع.

    فقد نما الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 5% في الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، بينما بلغ النمو خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية نحو 5.2%. ويتوقع صندوق النقد أن يصل النمو إلى نحو 4.6% خلال السنة المالية 2025/2026 كاملة.

    اقرأ أيضا: بعد تصفية “مصر للصكوك”.. هل تتراجع شهية المستثمرين للصكوك؟

    كما تحسن أداء عدد من القطاعات، في وقت واصلت فيه السياحة والتحويلات وقناة السويس دعم النشاط الاقتصادي وتوفير العملات الأجنبية.

    وهذا هو جوهر تقييم صندوق النقد: الصدمات الخارجية كانت قوية، لكن تأثيرها على الاقتصاد الحقيقي بقي أكثر احتواءً مما كان متوقعًا.

    الدين يبقى نقطة الضعف

    لكن الصمود لا يعني اختفاء المخاطر.

    فصندوق النقد يحذر من استمرار ارتفاع الدين العام وضخامة الاحتياجات التمويلية، إضافة إلى اعتماد جزء كبير من التمويل على آجال استحقاق قصيرة وارتفاع انكشاف البنوك على الحكومة.

    ويقدر الصندوق إجمالي الاحتياجات التمويلية بنحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي في الأجل القريب، قبل أن تنخفض تدريجيًا إلى أقل من 30% بحلول 2030.

    وهذا يعني أن مصر، رغم تحسن قدرتها على امتصاص الصدمات، لا تزال حساسة لأي تغير كبير في أسعار الفائدة العالمية أو شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة.

    كما يرى الصندوق أن احتياجات الحكومة التمويلية المرتفعة يمكن أن تزاحم القطاع الخاص على الائتمان، ما قد يحد من قدرة الشركات الخاصة على زيادة الاستثمار والتوسع وخلق فرص العمل.

    الإصلاحات تحدد المرحلة المقبلة

    ولهذا لا يرى صندوق النقد أن الصمود الحالي يمثل نهاية الإصلاحات، بل اختبارًا لمدى قدرة مصر على البناء عليه.

    ويؤكد الصندوق أهمية استمرار مرونة سعر الصرف والانضباط المالي والسياسة النقدية المناسبة، إلى جانب تحسين إدارة الدين والتحول نحو تمويل أطول أجلًا.

    كما يدعو إلى تسريع تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج من الأصول الحكومية، وتحسين حوكمة الشركات المملوكة للدولة وتعزيز المنافسة، بهدف زيادة مساحة القطاع الخاص في الاقتصاد.

    وكان المجلس التنفيذي لصندوق النقد قد استكمل في يوليو المراجعة السابعة لبرنامج مصر ضمن «تسهيل الصندوق الممدد»، والمراجعة الثانية ضمن «تسهيل الصلابة والاستدامة»، ما أتاح لمصر سحب نحو 1.8 مليار دولار.

    اقتصاد مصر أمام مرحلة جديدة

    القصة المصرية خلال 2026 لا تتمثل في غياب الأزمات، بل في قدرة الاقتصاد على التعامل معها دون أن تتحول الصدمة الخارجية إلى أزمة اقتصادية شاملة.

    فالاحتياطيات تجاوزت 57 مليار دولار، والتحويلات اقتربت من 30 مليار دولار في سبعة أشهر، والسياحة حققت 12 مليار دولار في ثمانية أشهر، فيما بدأ نشاط قناة السويس في التعافي، وواصلت الشركات الجديدة الدخول إلى السوق.

    لكن في المقابل، يبقى الدين والاحتياجات التمويلية الكبيرة، إلى جانب الحاجة إلى تقليص الدور الاقتصادي للدولة وتوسيع مساحة القطاع الخاص، تحديات أساسية أمام المرحلة المقبلة.

    وبالتالي، فإن صمود اقتصاد مصر أمام حربي غزة وإيران واضطرابات البحر الأحمر لا يعني أن المخاطر انتهت، لكنه يعكس تغيرًا في قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، مستفيدًا من مرونة سعر الصرف، وتراكم الاحتياطيات، وقوة تدفقات السياحة والتحويلات، وتحسن النشاط الاقتصادي.

    اقرأ أيضا: سعر الدولار في مصر تحت ضغط باب المندب والفائدة الأمريكية