تفتح صفقة استحواذ البنك الأهلي المصري على فروع بنك مصر بالإمارات تساؤلات حول أبعادها التنظيمية، ومدى إسهامها في معالجة الملف الأمريكي المرتبط بالفروع أمام شبكة مكافحة الجرائم المالية FinCEN، خصوصا فيما يتعلق بإمكانية أن يؤدي انتقال الملكية والإدارة إلى البنك الأهلي إلى تهيئة الطريق لإنهاء الإجراءات الأمريكية، حال استيفاء المتطلبات الرقابية ومعالجة الملاحظات التي استندت إليها تلك الإجراءات.
وبينما يرى خبراء أن الخطوة تستهدف الحفاظ على الوجود المصرفي المصري في السوق الإماراتية، لفت آخرون إلى أن نجاح الصفقة يتوقف على معالجة أسباب الأزمة الأصلية وضمان انتقال آمن للالتزامات والأنظمة والعملاء دون تعريض البنك الأهلي لمخاطر مماثلة مستقبلًا.
وقال الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، إن صفقة استحواذ البنك الأهلي المصري على فروع بنك مصر في الإمارات تستدعي تقييما دقيقًطا لأبعادها الاقتصادية والتنظيمية، خاصة في ظل كون البنكين مملوكين بالكامل لوزارة المالية.
وأوضح الجرم أن أحد التساؤلات المطروحة يتعلق بمدى تأثير عملية الاستحواذ على الإجراءات المرتبطة بفروع بنك مصر في الإمارات، وما إذا كان انتقال الفروع إلى البنك الأهلي سيؤدي إلى تغيير الوضع التنظيمي القائم.
وأشار إلى أن عمليات الاستحواذ المصرفية ترتبط عادة بترتيبات تتعلق بالأصول والالتزامات، وهو ما يجعل الشكل النهائي للصفقة وآلية نقل الأعمال عاملين أساسيين في تحديد كيفية تعامل الجهات التنظيمية مع الالتزامات المرتبطة بالفروع بعد إتمام العملية.
وأضاف أن التجربة الحالية تختلف عن عمليات إعادة هيكلة وإنقاذ بعض البنوك التي شهدتها مصر في منتصف تسعينيات القرن الماضي، مثل بنك مصر إكستريور وبنك مصر الدولي وبنك النيل والمصرف الإسلامي للاستثمار والتنمية، نظرًا لاختلاف طبيعة السوق والأطر الرقابية ومتطلبات الامتثال المصرفي حاليًا.
اقرأ أيضًا: الأهلي المصري يستحوذ على أعمال بنك مصر في الإمارات
انتقال الملكية لا يحسم الملف التنظيمي
وقال الجرم إن انتقال الفروع إلى البنك الأهلي المصري لا يعني بالضرورة حسم جميع المسائل التنظيمية المرتبطة بها، موضحًا أن المرحلة المقبلة ستتوقف على طبيعة ترتيبات الاستحواذ ومدى استيفاء المتطلبات الرقابية والامتثالية.
وأكد أن المسألة تتجاوز مجرد انتقال الفروع من بنك إلى آخر، إذ ترتبط أيضًا بالتعامل مع الأسباب التي استندت إليها الإجراءات السابقة، وضمان وجود نظم رقابة وامتثال قوية تقلل احتمالات ظهور أي ملاحظات تنظيمية مستقبلًا.
وأشار إلى أن تقييم جدوى الصفقة سيعتمد على قدرتها على إعادة تنظيم العمل داخل الفروع، وضمان توافق العمليات والأنظمة مع المتطلبات الرقابية، إلى جانب تحقيق الأهداف الاقتصادية من استمرار الوجود المصرفي المصري في السوق الإماراتية.
وأضاف أن البنك الأهلي المصري، في حال إتمام الاستحواذ، سيحتاج إلى الحفاظ على مستويات مرتفعة من الرقابة والامتثال داخل الفروع، خاصة أن أي معاملات غير معتادة أو ملاحظات تنظيمية مستقبلية يمكن أن تستدعي إجراءات من الجهات الرقابية المختصة.
الحفاظ على الوجود المصرفي المصري
في المقابل، قال الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إن استحواذ البنك الأهلي المصري على نشاط بنك مصر في الإمارات يستهدف، من وجهة نظره، الحفاظ على وجود الجهاز المصرفي المصري داخل السوق الإماراتية في ظل التطورات التي أحاطت بفرع بنك مصر.
وأوضح أن القضية تعود إلى أغسطس الماضي، عندما أثيرت مخالفات مرتبطة بفرع بنك مصر وتعاون مع النظام الإيراني، وما قد يترتب عليها من إجراءات أمريكية بحق الفرع.
وأشار عبد الهادي إلى أن الدولة المصرية كانت أمام تساؤل بشأن مستقبل الوجود المصرفي المصري في الإمارات إذا انتهى الأمر بإغلاق فرع بنك مصر، معتبرًا أن انتقال النشاط إلى البنك الأهلي يمثل أحد الحلول للحفاظ على هذا الوجود.
وأضاف أن أهمية الخطوة، في تقديره، لا ترتبط باسم البنك بقدر ارتباطها باستمرار وجود كيان مصرفي مصري داخل الإمارات، سواء كان بنك مصر أو البنك الأهلي المصري، بما يحافظ على أصول ومصالح مصر الاقتصادية في السوق الإماراتية.
تأثير أزمة بنك مصر على الجهاز المصرفي
وأكد عبد الهادي أن وجود مخالفات في فرع بنك مصر، إذا ثبتت، لا يعني أن الجهاز المصرفي المصري بأكمله يواجه المشكلة نفسها، موضحًا أن التعامل مع وضع فرع بعينه يجب أن يظل منفصلًا عن تقييم القطاع المصرفي ككل.
ورفض الربط بين الإجراءات الخاصة بفرع بنك مصر في الإمارات وبين مستقبل الفروع الأخرى للبنك في الخارج، مشيرًا إلى استمرار نشاط البنك في أسواق أخرى، منها السعودية وفرنسا ولبنان.
وقال إن البنك المركزي المصري يمثل المظلة التي تعمل تحتها البنوك المصرية، وإن استمرار مؤسسة مصرفية مصرية في السوق الإماراتية يعكس، من وجهة نظره، قدرة القطاع على التعامل مع التطورات التنظيمية التي قد تواجه بنكًا بعينه.
وأضاف أن انتقال النشاط إلى البنك الأهلي يبعث برسالة إلى الأسواق الخارجية بأن ما حدث في فرع بنك مصر بالإمارات لا يعكس وضع الجهاز المصرفي المصري بالكامل، وأن وجود إجراءات مرتبطة بفرع محدد لا يعني امتدادها تلقائيًا إلى بقية القطاع.
نقل الأعمال بين البنكين عملية معقدة
من جانبه، قال مصدر رفيع المستوى إن عملية الاستحواذ ونقل الأنظمة بين البنكين ليست بسيطة، في ظل اختلاف البنية التكنولوجية والسياسات والإجراءات الداخلية والائتمانية وأنظمة الامتثال والاعتمادات لدى كل مصرف.
وأوضح أن العملية لا تقتصر على تغيير اسم الفرع، وإنما تشمل حسابات العملاء والودائع والقروض والاعتمادات المستندية وخطابات الضمان والبيانات وأنظمة المدفوعات والصلاحيات وملفات الامتثال، إلى جانب الموظفين والعقود والعلاقات مع البنوك المراسلة.
وأكد أن الأولوية خلال عملية الانتقال تتمثل في حماية أموال المودعين وعدم تعطيل الأعمال، إلى جانب الحفاظ على استمرار قنوات التحويلات من السوق الإماراتية، التي تمثل أهمية كبيرة لمصر.
الإجراء الأمريكي لا يسقط تلقائيًا
وأوضح المصدر أن استحواذ البنك الأهلي المصري لا يؤدي تلقائيًا إلى سقوط الإجراء الأميركي، لافتًا إلى أن الملف لا يزال قائمًا أمام شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية FinCEN، بينما لم تتجاوز الصفقة حتى الآن مرحلة الموافقة المبدئية.
وأشار إلى أن مصير القيود سيتوقف على الشكل النهائي لنقل الأعمال بين البنكين، وعلى موقف الجهات الأمريكية من مدى زوال المخاطر التي استند إليها الإجراء بعد انتقال الفروع إلى ملكية وإدارة البنك الأهلي المصري.
قد يهمّك أيضًا: بيان مصري إماراتي بشأن استمرار أعمال فروع بنك مصر بالإمارات
