اقتصادات عربية

    سعر الدولار في مصر تحت ضغط باب المندب والفائدة الأمريكية

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •6 دقائق
    سعر الدولار في مصر

    تداول سعر الدولار في مصر قرب مستوى 51.4 جنيه، وسجل لدى البنك المركزي نحو 51.41 جنيه، بالتزامن مع تصاعد التوترات في باب المندب والبحر الأحمر وارتفاع أسعار النفط، ما أعاد المخاوف بشأن تأثير اضطرابات الملاحة على إيرادات قناة السويس وتدفقات النقد الأجنبي إلى مصر.

    وقال وليد عادل، الخبير الاقتصادي، إن تحركات الدولار أمام الجنيه خلال الفترة الحالية لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد تغيرات في أسعار الصرف داخل البنوك، موضحًا أن العملة الأمريكية تتأثر بمجموعة متشابكة من العوامل المحلية والعالمية، تشمل السياسة النقدية الأمريكية، وأسعار النفط، وحركة رؤوس الأموال، والتوترات الجيوسياسية، والتطورات في البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، إلى جانب احتياجات الاقتصاد المصري من النقد الأجنبي.

    وأضاف عادل أن الأيام المقبلة تحمل عددا من المتغيرات المهمة التي يمكن أن تحدد اتجاه الدولار والذهب والبورصة المصرية، في ظل تزامن اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن.

    التضخم الأمريكي يعيد الضغوط على الفيدرالي

    وأوضح عادل أن بيانات التضخم الأمريكية عن أغسطس أظهرت ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين 0.4% على أساس شهري و3.4% سنويًا، فيما ارتفع التضخم الأساسي 0.3% خلال الشهر، بما يؤكد استمرار الضغوط السعرية فوق المستوى المستهدف من جانب الاحتياطي الفيدرالي.

    وأشار إلى أن هذه البيانات تضع الفيدرالي أمام معادلة دقيقة؛ إذ قد يؤدي التيسير النقدي السريع إلى استمرار الضغوط التضخمية، بينما يمكن أن يفرض المزيد من التشديد النقدي ضغوطًا إضافية على النشاط الاقتصادي وسوق العمل.

    ولفت إلى أن الأسواق رفعت احتمالات زيادة الفائدة خلال اجتماع الفيدرالي المرتقب يومي 15 و16 سبتمبر، وهو ما يجعل قرارات البنك المركزي الأمريكي أحد أهم العوامل المؤثرة في حركة الدولار والأسواق العالمية خلال الفترة الحالية.

    اقرأ أيضًا: لماذا تتزايد مشتريات البنك المركزي المصري من الذهب؟

    ارتفاع العائد الأمريكي قد يضغط على الأسواق الناشئة

    وقال عادل إن ارتفاع الفائدة الأمريكية يزيد عادة جاذبية الأصول المقومة بالدولار، خاصة أذون وسندات الخزانة الأمريكية، ما قد يدفع جزءًا من رؤوس الأموال العالمية إلى تقليل انكشافها على الأسواق الناشئة والتوجه إلى الأصول الأمريكية.

    وأوضح أن مثل هذه التحركات يمكن أن تفرض ضغوطًا على عملات الأسواق الناشئة، ومن بينها الجنيه المصري، لكنها لا تعني أن أي زيادة في أسعار الفائدة الأمريكية ستؤدي تلقائيًا إلى قفزة في سعر الدولار داخل مصر.

    وأكد أن سعر الصرف المحلي يتحدد في النهاية وفق حجم العرض والطلب على العملة الأجنبية، وبالتالي يجب النظر إلى مجموعة أوسع من المؤشرات وليس قرار الفيدرالي وحده.

    ما الذي يحدد اتجاه سعر الدولار في مصر؟

    وأشار عادل إلى أن حركة الدولار في مصر تتأثر بحجم تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وإيرادات السياحة وقناة السويس والصادرات والاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة، والسيولة الدولارية داخل الجهاز المصرفي، مقابل الاحتياجات المطلوبة لتمويل الواردات والالتزامات الخارجية.

    وأوضح أن قدرة الاقتصاد على جذب تدفقات مستقرة من العملة الأجنبية تمثل العامل الأكثر أهمية في مواجهة أي صدمة خارجية، خاصة إذا تزامن ارتفاع الدولار عالميًا مع زيادة تكلفة الطاقة والشحن.

    باب المندب يتحول إلى ملف اقتصادي مباشر لمصر

    وأكد عادل أن التطورات في اليمن وباب المندب لم تعد مجرد ملف عسكري بعيد عن الاقتصاد المصري، بسبب الأهمية الاستراتيجية للمضيق بالنسبة للملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس.

    وتصاعدت المخاطر خلال الأيام الأخيرة مع تقدم الحوثيين على الساحل الغربي لليمن وسيطرتهم على جزيرة بريم الاستراتيجية عند مدخل باب المندب وبلدة ذباب، وهو ما زاد المخاوف المتعلقة بأمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

    وشدد عادل على أن ارتفاع مستوى التهديد لا يعني بالضرورة توقف الملاحة أو إغلاق باب المندب بالكامل، إلا أن زيادة المخاطر وحدها يمكن أن تدفع شركات الشحن إلى تعديل مساراتها أو تجنب البحر الأحمر، خاصة مع ارتفاع تكاليف التأمين.

    وأضاف أن تحويل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح يعني رحلات أطول وتكاليف أعلى، كما يؤدي إلى تراجع حركة المرور عبر قناة السويس.

    اقرأ أيضًا: تشديد ضوابط التمويل في مصر بعد أزمة القروض الوهمية

    قناة السويس أمام اختبار جديد

    وقال عادل إن أهمية باب المندب بالنسبة لمصر ترجع إلى كونه البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، الذي يمثل الطريق المباشر أمام السفن القادمة من آسيا والمتجهة إلى أوروبا عبر قناة السويس.

    وأشار إلى أن الاقتصاد المصري تحمل بالفعل تكلفة كبيرة نتيجة اضطرابات البحر الأحمر، إذ تراجعت إيرادات قناة السويس خلال العام المالي 2024/2025 بنحو 45.5% إلى 3.6 مليار دولار، مقابل 6.6 مليار دولار في العام المالي السابق.

    وأوضح أن أي موجة جديدة من تحويل مسارات السفن بعيدًا عن البحر الأحمر قد تفرض ضغوطًا إضافية على إيرادات القناة، وبالتالي على أحد المصادر الرئيسية للعملة الأجنبية في مصر.

    وأضاف أن التأثير يجب النظر إليه في إطار أوسع يشمل إجمالي موارد النقد الأجنبي، لأن أي تراجع في إيرادات قناة السويس قد يصبح أكثر تأثيرًا إذا تزامن مع ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة أو زيادة الاحتياجات الدولارية للواردات.

    النفط فوق 100 دولار يزيد تعقيد المشهد

    وأشار عادل إلى أن استمرار الاضطرابات في باب المندب ومضيق هرمز يرفع مستوى المخاطر أمام سوق الطاقة العالمية، خاصة مع تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل خلال التصعيد الأخير.

    وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط يمثل عامل ضغط بالنسبة لمصر لأنه يزيد تكلفة استيراد الطاقة والمنتجات البترولية، ومن ثم يرفع الاحتياجات من العملة الأجنبية.

    وأضاف أن المشكلة لا تقتصر على النفط نفسه، إذ يمكن أن تؤدي اضطرابات الممرات البحرية إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والنقل، ثم انتقال جزء من هذه الزيادات إلى أسعار السلع.

    وقال إن اجتماع النفط المرتفع مع تكاليف نقل وتأمين أكبر يمكن أن يعيد الضغوط التضخمية عالميا، وهو ما قد يدفع البنوك المركزية بدورها إلى استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول.

    الذهب بين المخاطر الجيوسياسية والفائدة

    وأوضح عادل أن الذهب يقف أمام معادلة مختلفة؛ فتصاعد الحروب والتوترات الجيوسياسية وتهديد الممرات البحرية وارتفاع النفط وعدم اليقين الاقتصادي كلها عوامل تدعم عادة الطلب على المعدن الأصفر باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة.

    وفي المقابل، فإن ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية وعوائد سندات الخزانة يعزز جاذبية الأصول التي تحقق عائدا ويمكن أن يشكل ضغطا على أسعار الذهب.

    وأضاف أن اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة سيعتمد على القوة النسبية لهذين العاملين؛ فاستمرار التصعيد الجيوسياسي قد يدعم الأسعار، بينما يمكن لارتفاع العائد الأمريكي وقوة الدولار أن يحدا من المكاسب.

    وأكد أن الربط المباشر بين الحرب وارتفاع الذهب بصورة حتمية يمثل تبسيطًا للمشهد، لأن حركة المعدن الأصفر تتأثر في الوقت نفسه بالدولار والفائدة والعوائد والتضخم وتدفقات المستثمرين.

    قد يهمّك أيضًا: "إس آند بي" تثبت تصنيف مصر ضمن الأسواق الناشئة

    5 مؤشرات تحدد اتجاه الجنيه والأسواق

    وحدد عادل خمسة مؤشرات رئيسية يجب مراقبتها خلال الفترة المقبلة، تتمثل في اتجاه الدولار عالميًا بعد اجتماع الفيدرالي، وأسعار النفط، وحركة السفن في البحر الأحمر وباب المندب، وتطور إيرادات قناة السويس والتدفقات الدولارية لمصر، إضافة إلى تحركات المستثمرين الأجانب في أدوات الدين والبورصة المصرية.

    وأوضح أن السيناريو الأكثر ضغطًا على الجنيه قد يظهر في حال تزامن ارتفاع الدولار والفائدة الأمريكية مع استمرار النفط عند مستويات مرتفعة وتراجع حركة الملاحة عبر البحر الأحمر.

    وأضاف أن مثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الواردات وزيادة الطلب على العملة الأجنبية، في الوقت نفسه الذي تتعرض فيه إيرادات قناة السويس للضغط.

    وفي المقابل، أكد أن استمرار قوة تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات السياحة والصادرات والاستثمارات، إلى جانب توافر السيولة الدولارية في الجهاز المصرفي، يمكن أن يساعد الاقتصاد على امتصاص جانب مهم من هذه الضغوط.

    تدفقات الدولار هي العامل الحاسم

    وأكد عادل أن التركيز على تحرك سعر الدولار خلال يوم واحد لا يقدم الصورة الكاملة، مشددًا على أن العامل الحاسم يتمثل في قدرة مصر على الحفاظ على تدفقات مستدامة من العملة الأجنبية.

    وأوضح أن زيادة موارد الدولار تعزز قدرة الاقتصاد على استيعاب الصدمات الخارجية، بينما يؤدي ارتفاع فاتورة الطاقة والواردات بالتزامن مع تراجع أحد مصادر النقد الأجنبي إلى زيادة الضغوط على سوق الصرف.

    واختتم وليد عادل تصريحاته بالتأكيد على أن السؤال الرئيسي خلال الفترة المقبلة ليس فقط ما إذا كان الدولار سيرتفع أو ينخفض، وإنما ما إذا كانت التطورات الحالية ستظل في إطار ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والأسعار، أم ستتحول إلى ضغط حقيقي على تدفقات النقد الأجنبي إلى مصر.

    وأضاف أنه إذا تحولت أزمة الأسعار إلى أزمة في التدفقات الدولارية، فقد تمتد التداعيات إلى سعر الصرف والذهب والبورصة والتضخم وأسعار الفائدة، مؤكدًا أن الخطر الأكبر ليس ارتفاع الدولار في حد ذاته، وإنما الأسباب التي قد تدفعه إلى الارتفاع واستمرارها لفترة ممتدة.