أعلنت مصافي النفط الصينية تعليق صادرات النفط الصينية من المنتجات المكررة إلى الأسواق الخارجية، باستثناء هونغ كونغ وماكاو، حتى إشعار آخر من بكين، في خطوة تستهدف حماية الإمدادات المحلية، لكنها قد تزيد الضغوط على أسواق الوقود العالمية التي تعاني بالفعل من نقص الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط وروسيا.
ولم تحصل شركات التكرير الصينية حتى الآن على موافقة السلطات لمواصلة التصدير، بالتزامن مع بدء عطلة العيد الوطني التي تستمر أسبوعًا.
“بتروتشاينا” تلغي شحنات أكتوبر
وألغت شركة “بتروتشاينا”، إحدى كبرى شركات النفط الحكومية في البلاد، الأربعاء، عددًا من شحنات البنزين ووقود الطائرات التي كان مقررًا تصديرها خلال أكتوبر، وفق ثلاثة مصادر.
وكانت الشركة قد أبرمت معظم صفقات الشحن الملغاة خلال الأسبوعين الماضيين، في مؤشر على منح بكين أولوية أكبر لتأمين احتياجات السوق المحلية في ظل حالة عدم اليقين التي تحيط بأسواق الطاقة العالمية.
كما امتنعت شركة "تشجيانغ بتروكيميكال"، إحدى كبرى شركات التكرير الخاصة في الصين، عن جدولة أي شحنات من المنتجات النفطية خلال أسبوع العطلة وفقًا لتقارير عالمية.
كيف يؤثر تعليق صادرات النفط الصينية على أسواق الوقود؟
وقال الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، إن وقف بكين صادرات النفط الصينية يمثل تطورا مهمًا في أزمة الطاقة العالمية، في ظل استمرار اضطرابات الإمدادات المرتبطة بمضيق هرمز، وارتفاع أسعار الوقود في عدد من الأسواق الكبرى، والضغوط المتزايدة على الاحتياطيات الاستراتيجية في أوروبا.
وأوضح أن توقيت القرار يكتسب أهمية خاصة، نظرا إلى مكانة الصين كأحد أكبر موردي المنتجات النفطية في آسيا، بعدما صدرت في أغسطس الماضي نحو 1.5 مليون برميل يوميا من المشتقات النفطية، بما يمثل في المتوسط ما يصل إلى 6% من إجمالي الصادرات العالمية، وعلى رأسها الديزل ووقود الطائرات والبنزين.
وأضاف أن وقف الصادرات يرتبط بتراجع المخزونات التجارية من البنزين والوقود، إلى جانب الحاجة إلى تأمين الطلب المحلي خلال عطلة العيد الوطني والأسبوع الذهبي في بداية أكتوبر، وهي فترة تشهد زيادة في حركة السفر والرحلات الداخلية.
وأشار إلى أن اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح وجهت شركات التكرير الكبرى، وفي مقدمتها بتروتشاينا، إلى تعليق العقود التجارية الجديدة والشحنات المقررة للتصدير خلال أكتوبر لحين تأمين احتياجات السوق الداخلية.
وأكد أن هذا التوجه يعكس أولوية أمن الطاقة بالنسبة لبكين، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن الإمدادات العالمية من النفط الخام واضطراب التدفقات القادمة من الشرق الأوسط.
ولفت إلى أن تأثير القرار قد يمتد إلى عدد من الأسواق الآسيوية التي تعتمد على المنتجات النفطية الصينية، خاصة الفلبين واليابان وسنغافورة، بما قد يزيد الضغوط على المعروض والأسعار في المنطقة.
اقرأ أيضًا: حظر صادرات الديزل الأمريكية.. خفض للأسعار أم أزمة عالمية؟
أوروبا تبحث اللجوء إلى الاحتياطيات
وقال العسيلي إن أوروبا تواجه في الوقت نفسه ضغوطا لسحب كميات من مخزونات الديزل والنفط الخام بهدف تهدئة الأسعار المرتفعة، وسط مطالب أمريكية بزيادة المعروض في الأسواق.
وأوضح أن دول الاتحاد الأوروبي تناقش مقترحًا فرنسيًا لسحب نحو 50 مليون برميل من احتياطيات الديزل، إلى جانب بحث سحب نحو 50 مليون برميل من النفط الخام من مخزونات الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية.
وأضاف أن واشنطن تطالب فرنسا وألمانيا ودولا أوروبية أخرى باستخدام جزء أكبر من احتياطيات الديزل، مع بقاء خيار فرض قيود على الصادرات الأمريكية مطروحًا.
وأشار إلى أن الجانب الأوروبي يربط أي سحب إضافي من المخزونات بضمانات أمريكية بعدم فرض حظر أحادي على صادرات الديزل إلى أوروبا، وسط مخاوف من تفاقم أزمة الإمدادات إذا استمرت لفترة أطول.
الأسعار تمثل التحدي الأكبر في أوروبا
وأوضح العسيلي أن القراءة الأوروبية الحالية تشير إلى أن الإمدادات ما زالت تحت السيطرة نسبيًا، بينما تتمثل المشكلة الرئيسية في ارتفاع الأسعار وانعكاساتها على المستهلكين والصناعات.
وأضاف أن هناك تخوفا من أن يؤدي السحب الكبير من الاحتياطيات الاستراتيجية إلى إضعاف قدرة الدول الأوروبية على مواجهة تطورات لاحقة، خاصة إذا استمرت أزمة مضيق هرمز لأشهر إضافية.
وأشار إلى أن السحب بكميات كبيرة قد يضع ضغوطا إضافية على أمن الطاقة الأوروبي إذا استمرت الأزمة ولم يتم التوصل إلى تسوية.
واشنطن تضغط لزيادة المعروض
وقال العسيلي إن الولايات المتحدة تضغط على الدول الأوروبية لزيادة كميات الديزل المتاحة في الأسواق، في ظل ارتفاع الأسعار محليًا منذ اندلاع الحرب مع إيران.
وأوضح أن تقارير أمريكية أشارت إلى مطالبة إدارة الرئيس دونالد ترامب دولًا أوروبية، خاصة فرنسا وألمانيا، باستخدام احتياطيات الطوارئ، مع إمكانية فرض حظر على صادرات الديزل الأمريكية إذا لم تستجب أوروبا.
وأضاف أن المطالب الأمريكية تصل إلى تأمين نحو 120 مليون برميل خلال الأشهر الستة المقبلة، في ظل فقدان السوق العالمية كميات كبيرة من الديزل القادمة من الشرق الأوسط، بالتزامن مع تراجع الإمدادات الروسية بسبب الحرب مع أوكرانيا.
وأشار إلى ارتفاع سعر الديزل في الولايات المتحدة إلى نحو 6.47 دولار، بزيادة تقارب 70% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وهو ما يزيد الضغوط على الإدارة الأمريكية للتحرك سريعًا من أجل زيادة المعروض واحتواء الأسعار.
قد يهمّك أيضًا: النفط والديون يدفعان عوائد السندات الأميركية لذروة 24 عاماً
ضغوط متزامنة على أسواق الطاقة العالمية
وأكد العسيلي أن تزامن وقف الصادرات الصينية مع اتجاه أوروبا إلى بحث استخدام جزء من احتياطياتها الاستراتيجية والضغوط الأمريكية لزيادة المعروض يعكس اتساع نطاق أزمة الطاقة عالميًا.
وأضاف أن استمرار اضطرابات مضيق هرمز وشح الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط سيظل من أبرز العوامل المؤثرة في اتجاهات أسواق النفط والديزل خلال الفترة المقبلة، في وقت تتجه فيه الدول إلى إعطاء الأولوية لتأمين احتياجاتها المحلية ومخزوناتها.
وأشار إلى أن استمرار تراجع المعروض من المنتجات المكررة قد يضيف مزيدًا من الضغوط على الأسواق، خصوصا مع أهمية الصين كمصدر رئيسي في السوق الآسيوية واعتماد عدد من الدول على صادراتها من الديزل والبنزين ووقود الطائرات.
اقرأ أيضًا: هل ينخفض النفط إلى 40 دولاراً بعد حرب إيران؟
