تقارير الطاقة

    حظر صادرات الديزل الأمريكية.. خفض للأسعار أم أزمة عالمية؟

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •7 دقائق
    حظر صادرات الديزل الأمريكية

    يدرس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حظر صادرات الديزل الأمريكية، في محاولة للحد من ارتفاع أسعار الوقود داخل السوق المحلية، وسط ضغوط متزايدة على أسعار الطاقة واضطرابات تشهدها أسواق الوقود العالمية.

    وأوضح ترامب أن وقف تصدير الديزل قد يساهم في زيادة المعروض داخل الولايات المتحدة وخفض أسعاره محليًا، وإن كان قد يؤدي في المقابل إلى ارتفاع طفيف في أسعار البنزين، فيما لا تزال الإدارة الأمريكية تدرس جدوى هذه الخطوة.

    حظر صادرات الديزل الأمريكية.. مقترح سياسي أم حل اقتصادي؟

    وفي تعليقه على المقترح، قال الدكتور سيد قاسم، الخبير الاقتصادي، إن اتجاه الرئيس الأمريكي نحو فرض قيود أو حظر صادرات الديزل الأمريكية يبدو في الأساس خطوة سياسية أكثر منه حلا فنيا طويل الأجل، موضحا أن الهدف الظاهر يتمثل في زيادة المعروض من الديزل داخل السوق الأمريكية بما يساهم نظريًا في خفض أسعاره محليًا.

    وأوضح قاسم أن المنطق الذي تستند إليه الإدارة الأمريكية يقوم على أن تقييد صادرات شركات التكرير من الديزل سيؤدي إلى بقاء كميات أكبر من المنتج داخل الولايات المتحدة، ومن ثم تراجع الأسعار في السوق المحلية، إلا أن هذه المعادلة قد تحمل آثارًا عكسية على أداء المصافي إذا استمر الحظر لفترة طويلة.

    وأضاف أن انخفاض أسعار الديزل وهوامش ربح المصافي قد يدفع شركات التكرير إلى خفض معدلات تشغيلها، وهو ما سينعكس بدوره على إنتاج بقية المشتقات البترولية، وفي مقدمتها البنزين، الذي يمثل أحد أهم المنتجات بالنسبة للمستهلك الأمريكي.

    وأكد أن وقف أو تقييد صادرات الديزل إلى الأسواق العالمية قد يؤدي في المقابل إلى ارتفاع أسعاره خارج الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أنه حتى إذا حدث انخفاض أولي في الأسعار داخل السوق الأمريكية، فإن هذا الأثر سيكون محدودًا ومؤقتًا.

    وأوضح أن تراجع هوامش أرباح المصافي نتيجة زيادة المعروض المحلي وانخفاض سعر الديزل يمكن أن يدفعها إلى تقليص معدلات التشغيل، بما يعني انخفاض إنتاج بقية المنتجات البترولية الخارجة من المصافي أيضًا.

    وأشار إلى أن هذه التطورات قد تتزامن مع ارتفاع الطلب على المنتجات البترولية المختلفة، ولذلك فإن الأثر الإيجابي المحتمل للحظر على أسعار الديزل لن يستمر سوى لفترة قصيرة.

    وقال قاسم إن الأسعار قد تعود إلى الارتفاع خلال أسابيع إذا اضطرت المصافي إلى خفض معدلات التشغيل، وهو ما يعني أن المقترح قد لا يحقق جدوى اقتصادية مستدامة على المدى المتوسط أو الأطول.

    وأضاف أن الخطوة قد تحقق سياسيًا تأثيرًا قصير الأجل من خلال الضغط على أسعار الديزل، لكنها لن تضمن إبقاء الأسعار منخفضة لفترة طويلة إذا تأثرت ربحية المصافي وانخفضت معدلات تشغيلها.

    وأوضح أن الضغوط التي تمارسها الإدارة الأمريكية على أسعار الوقود ترتبط أيضًا باعتبارات سياسية داخلية، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في أوائل نوفمبر، حيث يسعى ترامب إلى امتلاك ورقة اقتصادية رابحة مرتبطة بانخفاض أسعار الوقود أمام المستهلك الأمريكي.

    اقرأ أيضًا: أزمة هرمز.. كيف دفعت الدول للبحث عن بدائل لاستيراد الوقود؟

    الصين تدخل معادلة أسعار النفط

    ولا تتوقف تداعيات المقترح عند سوق المنتجات المكررة، بل تمتد إلى حركة الخام والطلب الآسيوي، خصوصًا الصين، التي تمثل أحد أهم عناصر التوازن في سوق النفط العالمية.

    وقال قاسم إن الصين تعد عاملا بالغ الأهمية في معادلة الطلب العالمي وتوازن السوق النفطية، موضحا أن تراجع الطلب الصيني خلال الفترة الماضية ساهم في بقاء أسعار النفط عند مستويات منخفضة نسبيًا.

    وأشار إلى أن بكين استطاعت، سواء من خلال المخزونات النفطية التي تمتلكها أو عبر خفض معدلات تشغيل مصافي التكرير، أن تؤثر بصورة كبيرة على مستويات الطلب العالمي.

    وأضاف أن هذا التراجع في الطلب الصيني انعكس بصورة مباشرة على تقديرات نمو الطلب العالمي على النفط خلال عام 2026.

    وأوضح أن بعض التقديرات أشارت إلى خفض كبير في توقعات نمو الطلب، لافتًا إلى أن الصين كانت أحد العوامل الرئيسية وراء هذا التراجع.

    وحول ما إذا كانت الصين ستتجه إلى البحث عن مصادر بديلة للنفط مع اقتراب استلام آخر الشحنات الإيرانية الموجودة بالفعل في البحر، قال قاسم إن بكين ستبحث بالفعل عن مصادر أخرى للإمدادات.

    وأشار إلى أن منطقة الخليج العربي استطاعت خلال الأشهر السابقة رفع قدراتها الإنتاجية والتصديرية، بما يمكن أن يساهم في تلبية جزء من احتياجات السوق الصينية حال ارتفاع الطلب.

    وأضاف أن التوقعات خلال الفترة الممتدة حتى نهاية العام تشير إلى ارتفاع الطلب في الصين، بالتزامن مع زيادة الطلب العالمي بصورة عامة مع اقتراب فصل الشتاء.

    وأكد أن دخول موسم الشتاء عادة ما يدعم الطلب على الطاقة والمنتجات البترولية، وهو ما يجعل حركة الطلب الصيني أحد أهم العوامل التي يجب مراقبتها خلال الأشهر المقبلة.

    وحول توقعاته لأسعار خام برنت بنهاية العام، قال قاسم إنه يتوقع تحرك الأسعار في نطاق يتراوح بين 85 و100 دولار للبرميل، موضحًا أن هذا التقدير يرتبط بتطورات الأوضاع الجيوسياسية وحركة الطلب العالمي.

    وأضاف أن الانتخابات الأمريكية ستكون أيضًا من بين العوامل التي تراقبها الأسواق عن كثب، نظرًا لما قد تفرزه من تطورات تؤثر على اتجاهات السياسة الاقتصادية وسياسات الطاقة.

    واختتم قاسم تصريحاته بالتأكيد على أن مسار أسعار النفط من الآن وحتى نهاية العام سيظل مرتبطًا بمجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها تطورات الطلب الصيني، والأوضاع الجيوسياسية، والانتخابات الأمريكية، إلى جانب قدرة دول الخليج على رفع الإنتاج والصادرات لتلبية أي زيادة محتملة في الطلب العالمي.

    المصافي الأمريكية أمام معضلة التخزين

    ومن جانبه، قال ياسين أحمد، خبير أسواق النفط، إن حظر صادرات الديزل الأمريكية قد يؤدي بالفعل إلى خفض الأسعار داخل الولايات المتحدة خلال الأيام أو الأسابيع الأولى، إلا أن هذا التأثير لن يستمر لفترة طويلة، مرجحًا ظهور آثار عكسية على سوق الوقود بعد ذلك.

    وأوضح أحمد أن المشكلة الأساسية ستبدأ عندما تضطر شركات التكرير الأمريكية إلى التعامل مع الكميات الزائدة من الديزل التي لم تعد قادرة على تصديرها إلى الخارج، حيث ستلجأ في المرحلة الأولى إلى تخزين هذه الكميات.

    وأضاف أنه مع امتلاء المخزونات، لن يبقى أمام شركات التكرير سوى تقليص معدلات الإنتاج، وهو ما سينعكس على إنتاج مختلف المشتقات البترولية، وليس الديزل فقط.

    وأشار إلى أن خفض معدلات تشغيل المصافي سيؤدي إلى تراجع إنتاج البنزين ووقود الطائرات وأنواع أخرى من الوقود، لأن عمليات التكرير مترابطة، ولا يمكن خفض إنتاج منتج واحد بمعزل عن بقية المنتجات.

    وأكد أحمد أن خطة حظر صادرات الديزل الأمريكية قد لا تنجح على مدى عدة أشهر، حتى إذا حققت انخفاضًا مؤقتًا في الأسعار خلال المرحلة الأولى، لأن تقليص إنتاج المصافي سيؤدي لاحقًا إلى انخفاض المعروض من منتجات بترولية أخرى.

    وأوضح أن فرض الحظر سيجبر شركات التكرير في البداية على تخزين الكميات التي كان من المفترض تصديرها، ثم ستضطر في مرحلة لاحقة إلى خفض إنتاجها مع امتلاء الخزانات وعدم وجود مساحة لاستيعاب المزيد من الإنتاج.

    وأضاف أن هذا الخفض سينعكس على جميع المنتجات البترولية، وبشكل خاص البنزين ووقود الطائرات، مؤكدًا أن نشاط التكرير يقوم على تحويل النفط الخام إلى مجموعة من المنتجات في الوقت نفسه.

    وقال إن الإبقاء على الديزل داخل الولايات المتحدة يمكن بالتالي أن يؤدي إلى نقص في أنواع أخرى من الوقود، نتيجة ارتباط مستويات إنتاج هذه المنتجات بمعدلات تشغيل المصافي.

    قد يهمّك أيضًا: دعم الوقود في فرنسا يتوسع.. 5.5 مليون مستفيد

    أوروبا الأكثر تعرضًا للخطر

    وعن انعكاسات حظر صادرات الديزل الأمريكية إلى أوروبا، قال أحمد إن السوق الأوروبية قد تواجه أزمة كبيرة، في ظل اعتمادها على واردات مهمة من الديزل الأمريكي.

    وأوضح أن الولايات المتحدة تصدر حاليًا ما بين 600 و800 ألف برميل يوميًا من الديزل إلى أوروبا، لافتًا إلى أن توقف هذه الكميات سيؤدي إلى تراجع المعروض وارتفاع الأسعار.

    وأشار إلى أن الأزمة الأوروبية قد تكون أكبر من تأثير القرار داخل الولايات المتحدة، نتيجة اعتماد أوروبا على الواردات من الخارج لتغطية جانب من احتياجاتها من الديزل.

    وحول قدرة آسيا أو الهند أو مصادر أخرى على تعويض هذه الكميات، أوضح أحمد أنه لا توجد حاليًا كميات كافية داخل أوروبا يمكن الاعتماد عليها لتعويض أي توقف محتمل للصادرات الأمريكية.

    وأشار إلى أن أوروبا خفضت قدراتها الإنتاجية في قطاع التكرير خلال الفترة الماضية، إلى جانب فرضها عقوبات على روسيا، وهو ما يقلص البدائل المتاحة أمامها للحصول على إمدادات إضافية من الديزل.

    ويرى أحمد أن الوصول إلى أزمة حادة في الإمدادات قد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في بعض القيود المفروضة على روسيا، حتى إذا كان ذلك لا يتوافق مع السياسة الخارجية الحالية للاتحاد.

    من الديزل إلى التضخم والفائدة

    وأوضح أحمد أن أهمية الديزل لا تقتصر على قطاع النقل فقط، بل يمتد استخدامه إلى الزراعة والصناعة وعدد كبير من الأنشطة الاقتصادية، وبالتالي فإن ارتفاع أسعاره يمكن أن ينتقل إلى تكلفة العديد من السلع والخدمات.

    وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الديزل سينعكس على تكلفة النقل والإنتاج الزراعي والصناعي، بما يؤدي في النهاية إلى زيادة أسعار الغذاء والسلع وارتفاع معدلات التضخم بصورة عامة.

    وحذر من أن استمرار الضغوط التضخمية قد يدفع البنك المركزي الأوروبي إلى تشديد السياسة النقدية أو الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما سيزيد الضغوط على الاقتصاد الأوروبي.

    وأضاف أن ارتفاع تكلفة التمويل يمكن أن ينعكس سلبًا على معدلات النمو، ويدفع الاقتصاد الأوروبي إلى مرحلة من التباطؤ أو الانكماش إذا استمرت الضغوط لفترة طويلة.

    وأكد أن استمرار هذه التطورات قد يؤدي كذلك إلى ارتفاع معدلات البطالة، لتتحول الأزمة في النهاية من مشكلة في سوق الوقود إلى أزمة اقتصادية ومالية أوسع.

    اقرأ أيضًا: أزمة الوقود تحرق العالم