اقتصادات عالمية

    دعم الوقود في فرنسا يتوسع.. 5.5 مليون مستفيد

    منحة وقود معفاة من الضرائب تصل إلى 1000 يورو سنويًا

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •5 دقائق
    دعم الوقود في فرنسا

    أعلنت باريس توسيع نطاق دعم الوقود في فرنسا الموجه إلى العاملين وعدد من القطاعات الاقتصادية، في محاولة للحد من تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات على القدرة الشرائية وتكاليف النشاط الاقتصادي، مع استمرار الضغوط على أسواق الطاقة بسبب الصراع في الشرق الأوسط.

    وبموجب الإجراءات الجديدة، سيُعاد صرف المساعدة البالغة 100 يورو، بما يعادل نحو 114 دولارًا، للعاملين الذين يعتمدون على سياراتهم في الانتقال إلى أماكن العمل خلال الفترة من أكتوبر وحتى ديسمبر 2026، مع رفع حد الدخل المؤهل للاستفادة منها.

    ويؤدي التوسع في شروط الاستحقاق إلى زيادة عدد المؤهلين للحصول على دعم الوقود في فرنسا من نحو 3 ملايين إلى 5.5 مليون شخص، كما تشمل المساعدة العاملين في قطاع الرعاية الذين يستخدمون سياراتهم في الانتقال إلى المرضى.

    وتعتزم الحكومة كذلك تمديد دعم الوقود المخصص لقطاعات الزراعة والبناء والصيد حتى نهاية العام، في ظل اعتماد هذه الأنشطة بدرجة كبيرة على الوقود في تشغيل المعدات والمركبات.

    وفي مسار مواز، أصبح بإمكان الشركات منح موظفيها منحة وقود معفاة من الضرائب تصل إلى 1000 يورو سنويا، أو نحو 1140 دولارا، فيما ستعيد الحكومة توزيع قسائم الطاقة المخصصة للأسر محدودة الدخل خلال العام المقبل، مع تقديم موعد صرفها إلى يناير، خلال موسم التدفئة، بدلًا من أبريل.

    وفي هذا السياق، قال الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، إن أزمة المحروقات في فرنسا لم تعد مرتبطة فقط بمستويات أسعار البنزين والديزل، وإنما تحولت إلى اختبار سياسي واقتصادي للحكومة بعد انتقال تأثيرها مباشرة إلى القدرة الشرائية للمواطنين.

    وأوضح أن أسعار الوقود وصلت إلى مستويات مرتفعة، مع اقتراب الديزل من نحو 2.5 يورو، في حين تشير تقديرات إلى إمكانية وصوله إلى قرابة 3 يوروهات، وهو ما يزيد الضغوط الاجتماعية ويجعل الملف شديد الحساسية بالنسبة للحكومة الفرنسية.

    السترات الصفراء حاضرة في حسابات باريس

    وأشار العسيلي إلى أن الحكومة تتعامل بحذر مع الأزمة في ظل الذاكرة السياسية المرتبطة باحتجاجات «السترات الصفراء» عام 2018، التي اندلعت على خلفية زيادة الضرائب على الوقود.

    وقال إن أسباب الارتفاع الحالي تختلف عن أزمة 2018، لكن النتيجة بالنسبة للمستهلك تبقى متشابهة من حيث الضغط على الدخل والإنفاق، وهو ما دفع الحكومة إلى التحرك سريعًا عبر إجراءات اقتصادية وتحركات سياسية وإعلامية للرئيس إيمانويل ماكرون لشرح موقف الدولة.

    اقرأ أيضًا: فرنسا الحلقة الأضعف في اقتصاد أوروبا بعد تخفيض التصنيف من فيتش

    البنزين يرتفع 30% منذ نهاية فبراير

    وأوضح الخبير الاقتصادي أن أزمة الطاقة العالمية أحدثت تغيرًا ملموسًا في تكاليف الحياة اليومية، مشيرًا إلى أن سعر لتر البنزين ارتفع منذ إغلاق مضيق هرمز في 28 فبراير من نحو 1.70 يورو إلى 2.20 يورو.

    وبذلك ارتفعت تكلفة ملء خزان سيارة بسعة 60 لترًا من نحو 100 يورو إلى قرابة 130 يورو، بما يعادل زيادة تقارب 30%.

    وأضاف أن العبء يصبح أكبر بالنسبة إلى أصحاب الدخول المحدودة، خصوصًا من يتقاضون أجورا قريبة من الحد الأدنى، الذي يدور وفق المعطيات المتاحة حول 1500 يورو صافيا شهريا بعد الضرائب.

    لماذا يستهدف دعم الوقود في فرنسا فئات بعينها؟

    وقال العسيلي إن الحكومة الفرنسية فضلت الدعم الموجه بدلًا من خفض شامل في أسعار الوقود، بحيث تتركز المساعدات على الفئات التي تعتمد بالفعل على السيارات في الانتقال إلى العمل.

    وأشار إلى أن نطاق الاستفادة اتسع ليشمل من يقل دخلهم الشهري عن 2035 يورو، مع استمرار المساعدة لمدة ثلاثة أشهر حتى نهاية العام وإمكانية تمديدها لاحقًا إذا استمرت الأزمة.

    وأضاف أن من بين شروط الاستفادة أن تزيد المسافة بين المنزل ومقر العمل على 15 كيلومترًا، أو أن يستخدم الفرد سيارته لمسافة تصل إلى 8000 كيلومتر سنويًا، بما يستهدف توجيه الدعم إلى الاستخدام الضروري للسيارة.

    وتقدر تكلفة هذه المساعدات على الحكومة الفرنسية بنحو 450 مليون يورو.

    الزراعة والصيد والبناء ضمن القطاعات الأكثر تأثرًا

    ولفت العسيلي إلى أن تمديد الدعم إلى قطاعات الزراعة والصيد والبناء يعكس طبيعة تأثير ارتفاع الوقود على الاقتصاد الحقيقي، إذ تعتمد هذه الأنشطة بصورة مباشرة على الديزل والبنزين في تشغيل المعدات ونقل العمال والبضائع.

    وأوضح أن ارتفاع أسعار المحروقات ينتقل في هذه القطاعات سريعًا إلى تكاليف الإنتاج والخدمات، ما يضع ضغوطًا إضافية على الشركات والمستهلكين معا.

    فرنسا تتجنب نموذج ألمانيا وإيطاليا

    وقال العسيلي إن فرنسا تتبع مسارًا مختلفًا عن بعض الدول الأوروبية الأخرى، مشيرًا إلى أن ألمانيا وإيطاليا لجأتا إلى تخفيض بعض الضرائب المرتبطة بالوقود، ومنها ضريبة القيمة المضافة وضرائب أخرى.

    أما باريس، فاختارت تقديم الدعم للفئات الأكثر تضررًا بدلًا من إجراء تخفيض ضريبي شامل، في محاولة لتحقيق توازن بين تخفيف الضغوط على المواطنين وعدم تحميل الموازنة العامة أعباء مالية أكبر.

    هل يحل الدعم وحده الأزمة؟

    وأكد الخبير الاقتصادي أن الإجراءات الحكومية لا تكفي وحدها لإنهاء المشكلة، خصوصا أن جانبا كبيرا من الأزمة يرتبط بعوامل خارج سيطرة الحكومة، وفي مقدمتها أوضاع أسواق الطاقة العالمية ومستويات الإمدادات.

    وأوضح أن بعض القوى السياسية والفرنسيين انتقدوا حجم المساعدات، إلا أن تقييم الإجراءات يجب أن يراعي الحدود التي تستطيع باريس التحرك داخلها دون الإضرار بالمالية العامة.

    وأشار إلى أن وزير الاقتصاد والمال الفرنسي رولان لسكور أكد استعداد الحكومة لمساعدة الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في الوصول إلى أعمالهم بسبب ارتفاع تكلفة استخدام السيارات، مع التشديد على عدم الإخلال بالتوازن المالي للدولة.

    تحرك فرنسي لزيادة إنتاج المصافي

    وأضاف العسيلي أن استراتيجية باريس لا تقتصر على الدعم المباشر، بل تشمل تحركات أوروبية لزيادة المعروض من الوقود.

    وأوضح أن الرئيس إيمانويل ماكرون تواصل مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لبحث إمكانية تخفيف بعض القواعد المتعلقة بجودة الوقود، بما يسمح للمصافي بزيادة الإنتاج، إلى جانب التوسع في استخدام الوقود الحيوي ضمن الديزل.

    وأشار العسيلي إلى أن فرنسا تتحرك كذلك لتنويع مصادر الإمدادات، مستشهدا بلقاء ماكرون مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، وما تضمنه من بحث أهمية مشروعات الغاز الطبيعي الكندي.

    وأضاف أن باريس تتابع التحركات المرتبطة بالعراق والاتفاقيات الموقعة بين الحكومة العراقية وشركة توتال إنرجي الفرنسية، في إطار استثمارات تستهدف توسيع إنتاج الطاقة والنفط.

    قد يهمّك أيضًا: الانهيار المالي في فرنسا يثير الرعب في أوروبا بأكملها

    مخزون الطاقة يكفي لشهرين.. وما بعدهما أكثر صعوبة

    وحذر العسيلي من أن استمرار أزمة الطاقة لفترة طويلة سيضع الحكومة أمام تحديات أكبر، موضحًا أن التقديرات الفرنسية تشير إلى توافر مخزون وإمدادات تكفي لنحو شهرين إضافيين.

    وأكد أن امتداد الأزمة إلى ما بعد تلك الفترة سيزيد صعوبة تأمين الإمدادات وكبح ارتفاع أسعار الوقود، وقد ينعكس بصورة أشد على الداخل الفرنسي، سواء من خلال تراجع القدرة الشرائية أو تصاعد الضغوط الاجتماعية والسياسية.