تواجه الولايات المتحدة موجة جديدة من ارتفاع تكاليف الاقتراض، مع وصول عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى منذ 2002، في وقت تدفع فيه أسعار الطاقة المرتفعة وقوة الاقتصاد المستثمرين إلى توقع استمرار التشديد النقدي.
وصعد عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى 5.61% خلال تعاملات صباح الثلاثاء 29 سبتمبر، بزيادة خمس نقاط أساس، مسجلاً أعلى مستوياته منذ يونيو 2002، وارتفع عائد السندات لأجل عشر سنوات، المرجع الرئيسي لتسعير كثير من القروض، أربع نقاط أساس إلى 5.28%.
وتعكس هذه التحركات استمرار بيع السندات، إذ تنخفض أسعارها عندما يتراجع الطلب عليها، بينما يرتفع العائد الذي يحصل عليه المشتري الجديد، ومع اتساع موجة البيع، تنتقل الضغوط تدريجياً إلى تمويل الحكومة والشركات وشراء المنازل.
النفط يعيد تسعير الفائدة
تتصدر أزمة الطاقة العوامل التي تضغط على السوق، فاستمرار الحرب الأميركية الإيرانية وتعثر التوصل إلى ترتيبات لإعادة فتح مضيق هرمز يغذيان المخاوف من بقاء أسعار النفط مرتفعة، وما يترتب على ذلك من زيادة تكاليف النقل والإنتاج.
وكان خام برنت قد قفز خلال جلسة الاثنين بأكثر من 4%، قبل أن يقلص مكاسبه ويغلق عند 105.28 دولار للبرميل، مرتفعاً 0.9%، ورغم تراجعه إلى نحو 104 دولارات الثلاثاء، ظل فوق مستوى 100 دولار الذي استقر أعلى منه خلال معظم سبتمبر.
وتزامنت صدمة الطاقة مع بيانات تعكس متانة النشاط الأميركي، ما أضعف الرهانات على خفض الفائدة، وفي 16 سبتمبر، رفع الاحتياطي الفيدرالي نطاق الفائدة ربع نقطة مئوية إلى 3.75% - 4%، مؤكداً استمرار قوة النشاط الاقتصادي وبقاء التضخم مرتفعاً.
وباتت العقود الآجلة تعكس نحو أربع زيادات إضافية بواقع ربع نقطة مئوية خلال العام المقبل، وهذه رهانات متغيرة للمستثمرين، وليست مساراً أقره الفيدرالي.

المستثمرون يطلبون مقابلاً أكبر للانتظار
لا تتحدد عوائد السندات الطويلة بتوقعات قرارات الفيدرالي وحدها، بل تشمل أيضاً التعويض الذي يطلبه المستثمر مقابل تحمل عدم اليقين لسنوات طويلة، وهو ما يُعرف بـ"علاوة الأجل".
ويرى أرون ساي، استراتيجي الأصول المتعددة لدى "بيكتيت أسيت مانجمنت"، أن الاتجاه الحالي يرجح مزيداً من ارتفاع هذه العلاوة، مشيراً إلى أن المستثمرين لا يتعجلون زيادة حيازاتهم من السندات الطويلة.
وتربط كريستينا هوبر، كبيرة استراتيجيي الأسواق لدى "مان غروب"، صعود العوائد بتزايد القلق بشأن استدامة المالية العامة، إلى جانب التضخم الناتج عن أزمة الطاقة.
وتأتي هذه المخاوف بعدما تجاوز إجمالي الدين الأميركي 40 تريليون دولار في أغسطس.
ويزيد ارتفاع العوائد العبء على الموازنة مع إصدار ديون جديدة أو إعادة تمويل ديون مستحقة، أما السندات القائمة ذات الفائدة الثابتة، فلا ترتفع مدفوعاتها تلقائياً بمجرد صعود عوائد السوق، ما يجعل انتقال الأثر إلى فاتورة خدمة الدين تدريجياً.
اقرأ أيضاً: عوائد السندات الأميركية تتجاوز 5%.. لماذا عاد شبح الفائدة المرتفعة؟
إعادة الشراء لم تعكس اتجاه السوق
واصلت العوائد ارتفاعها رغم توسيع وزارة الخزانة برنامج إعادة شراء السندات الطويلة، الذي أعلنه سكوت بيسنت في أغسطس.
ووفق الإعلان الرسمي الصادر في 19 أغسطس، زادت الوزارة الحد الأقصى لعمليات دعم السيولة في بعض السندات التي تتراوح آجالها بين عشر وثلاثين سنة، من ملياري دولار إلى أربعة مليارات على الأقل للعملية، بدءاً من 9 سبتمبر.
ويستهدف البرنامج تحسين سيولة السوق وتسهيل تداول السندات، ولكن توفير مشترٍ لبعض الإصدارات لا يزيل المخاوف المتعلقة بالتضخم أو الحاجة إلى الاقتراض، وهي عوامل تؤثر في العائد الذي يقبل به المستثمرون.
ومنذ منتصف أغسطس، ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً من نحو 5.2% إلى 5.61%، بما يعكس استمرار الضغوط رغم إجراءات دعم السوق.
اقرأ أيضاً: السندات الأمريكية تحت ضغط الدين والفائدة
من السندات إلى قسط المنزل
بدأ أثر ارتفاع العوائد يظهر بوضوح في التمويل العقاري، فقد بلغ متوسط فائدة الرهن الثابت لأجل 30 عاماً 7.03% في الأسبوع المنتهي في 24 سبتمبر، مقابل 6.95% قبل أسبوع، وفق "فريدي ماك".
ويعني ذلك أقساطاً أعلى للمقترضين الجدد، أو انخفاض قيمة المنزل الذي يمكن شراؤه بالميزانية الشهرية نفسها، كما تواجه الشركات كلفة أكبر عند إصدار سندات أو إعادة تمويل التزاماتها، ما قد يؤثر في قرارات التوسع والاستثمار.
ومع ذلك، ظلت الأسهم والائتمان المؤسسي متماسكين نسبياً، وخلال تداولات الثلاثاء، تراجع :ستاندرد آند بورز 500" بنحو 0.3%، وبقي أقل بحوالي 2% من ذروته المسجلة في أغسطس، بينما ارتفع "ناسداك 100" بنحو 0.2%.
ويرى أجاي راجادياكشا، الرئيس العالمي للأبحاث في "باركليز"، أن وقف موجة البيع يحتاج إلى تغير مؤثر، مثل تباطؤ الاقتصاد الأميركي أو ظهور ضغوط أوضح للفائدة المرتفعة على الأسهم وغيرها من الأصول.
وبذلك، يرتبط استقرار سوق السندات بتراجع ضغوط الطاقة والتضخم، أو بظهور أثر أقوى لكلفة التمويل على النشاط الاقتصادي، وحتى يحدث ذلك، يظل ارتفاع العوائد عاملاً يزيد فاتورة الاقتراض ويضيّق قدرة الأسر والشركات والحكومة على الإنفاق.
