تجري انتخابات المغرب 2026 في وقت يحتل فيه الاقتصاد موقعًا متقدمًا في البرامج الانتخابية، من الوظائف والقدرة الشرائية إلى الضرائب والاستثمار والخدمات العامة. وتتنافس الأحزاب الرئيسية على تقديم تصورات مختلفة للتعامل مع البطالة، ورفع دخل الأسر، ودعم الشباب، وتعزيز الإنتاج المحلي، بينما تشير البيانات الرسمية إلى أن الاقتصاد المغربي يواصل النمو، لكن سوق العمل لا يزال يمثل تحديًا رئيسيًا.
ويتوجه الناخبون في 23 سبتمبر/أيلول إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء مجلس النواب، حيث تتنافس 28 تشكيلة سياسية على 395 مقعدًا، فيما بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 15.8 مليون ناخب. وسجلت السلطات 7,288 ترشيحًا على المستوى الوطني.
اقتصاد ينمو.. ووظائف أقل
تأتي الانتخابات في ظل أداء اقتصادي أفضل من السنوات السابقة. فقد قدر صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الحقيقي للمغرب بنحو 4.9% في 2025، وتوقع نموًا عند 4.4% في 2026، مدفوعًا بتحسن الإنتاج الزراعي واستمرار الاستثمار في مشاريع البنية التحتية واسعة النطاق.
لكن نمو الاقتصاد لا يعني تلقائيًا حل مشكلة سوق العمل.
وبحسب المندوبية السامية للتخطيط، أظهرت بيانات الربع الثاني من 2026 أن حجم قوة العمل بلغ نحو 11.764 مليون شخص، بزيادة 147 ألف شخص مقارنة بالربع الأول. كما بلغت نسبة المشاركة في قوة العمل 42.2%، مع فجوة كبيرة بين الرجال والنساء، إذ بلغت المشاركة 66.5% للرجال مقابل 18.1% للنساء.
اقرأ أيضا: كيف يحول المغرب 50 مليار طن فوسفات لقوة عالمية؟
وتجدر الإشارة إلى أن المغرب بدأ في 2026 استخدام مسح جديد للقوى العاملة، يعتمد تعريفًا أكثر تشددًا للبطالة، ولذلك لا يمكن مقارنة أرقامه مباشرة بالسلاسل السابقة دون استخدام البيانات المعاد احتسابها وفق المنهجية الجديدة.
وهنا تبرز القضية الاقتصادية الأساسية أمام الحكومة المقبلة: كيف يتحول النمو والاستثمار إلى وظائف ودخل أعلى للأسر؟
الأحرار.. مليون وظيفة
يضع حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الائتلاف الحكومي الحالي، التشغيل والقدرة الشرائية والخدمات العامة في صلب برنامجه للفترة 2026–2031.
ويتعهد الحزب بخلق مليون فرصة عمل خلال الفترة المقبلة، مع استهداف خفض معدل البطالة إلى أقل من 9% بحلول 2031. كما يطرح إجراءات مرتبطة بالدخل والحماية من فقدان العمل، إلى جانب رفع الحد الأدنى للأجور وإعادة تقييم المعاشات.
وفي ملف القدرة الشرائية، يقترح الحزب ربط بعض أشكال الدعم بالتضخم، إلى جانب إجراءات ضريبية تستهدف الأسر، من بينها خصم ضريبي على تكاليف تعليم الأطفال يصل إلى 5 آلاف درهم سنويًا لكل طفل، ابتداءً من 2028، وفق ما أوردته SNRT عن البرنامج الانتخابي.
أما في الاستثمار، فيربط الحزب جزءًا من خطته بالاستثمار والبنية التحتية، مع هدف رفع حجم الاستثمار إلى مستويات مرتفعة من الناتج المحلي.
هذه الوعود تأتي في اقتصاد يتوقع صندوق النقد أن يواصل النمو، لكن الصندوق يؤكد في الوقت نفسه أن خلق وظائف مستدامة يتطلب قطاعًا خاصًا أكثر ديناميكية وإصلاحات في سوق العمل وتحسين تكافؤ الفرص بين القطاعين العام والخاص.
الأصالة والمعاصرة.. ضرائب ووظائف
يطرح حزب الأصالة والمعاصرة برنامجًا اقتصاديًا يركز على القدرة الشرائية وإدماج الشباب والخدمات العامة والنمو.
ويتعهد الحزب بتخصيص 350 مليار درهم "36 مليار دولار" خلال خمس سنوات لتنفيذ برنامجه، موزعة على خمسة مواثيق، بينها 150 مليار درهم للقدرة الشرائية، و50 مليارًا لإدماج الشباب، و100 مليار لميثاق المواطنة، و50 مليارًا لميثاق الأمان.
وفي سوق العمل، يستهدف الحزب خلق مليون وظيفة صافية خلال الولاية الممتدة بين 2027 و2031، مع هدف خفض معدل البطالة إلى 7% بحلول 2031 وفق المنهجية الجديدة التي يعتمدها البرنامج.
اقرأ أيضا: 190 مليار درهم حتى 2030.. كيف يغيّر المونديال اقتصاد المغرب؟
ويقدم الحزب أيضًا تصورًا لإعادة هيكلة ضريبة الدخل؛ إذ يقترح ثلاثة فئات بدلًا من ستة، مع إعفاء الأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم، وفرض 10% على الأجور بين 15 ألفًا و46 ألف درهم، و20% على ما يتجاوز 46 ألف درهم، بحسب تفاصيل البرنامج التي نشرتها SNRT.
كما يركز البرنامج على تقليص الوسطاء في سلاسل توزيع المواد الغذائية، وتحديث أسواق الجملة، في محاولة لمعالجة جزء من مشكلة الأسعار من جانب بنية السوق وليس فقط من خلال زيادة دخل الأسر.
الاستقلال.. الأسعار والإنتاج
يركز حزب الاستقلال في برنامجه على تحسين القدرة الشرائية وتقوية الطبقة الوسطى، إلى جانب إصلاح الخدمات العامة وتعزيز السيادة الاقتصادية.
ويطرح الحزب إنشاء شركات جهوية لاقتناء وتخزين وتوزيع المنتجات الزراعية والغذائية، بهدف تقليص حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك، إلى جانب إنشاء آلية وطنية لتتبع هوامش الربح على السلع والخدمات المرتبطة بالإنفاق اليومي للأسر.
وفي الضرائب، يتضمن البرنامج إصلاحات تستهدف الشركات ووضع معدل يصل إلى 40% على حالات الاحتكار، بحسب تفاصيل البرنامج التي نقلتها SNRT. كما يدعو إلى تعزيز دور مجلس المنافسة وتقوية حماية المستهلك.
أما على مستوى الأجور، فيتعهد الحزب بالرفع التدريجي من الحد الأدنى للأجور والمعاشات، مع وضع خطة لتقوية الطبقة الوسطى بحلول 2031.
وفي القطاع الصناعي، يربط الحزب بين الانتخابات المقبلة ومسألة القيمة المحلية، ويقترح رفع المحتوى المحلي في المشاريع الطاقية إلى 50% بحلول 2031، إضافة إلى إعطاء وزن أكبر للقيمة المنتجة داخل المغرب في الصفقات العمومية.
العدالة والتنمية.. اقتصاد أكثر تنافسية
أما حزب العدالة والتنمية، فيطرح برنامجًا اقتصاديًا يركز على دعم الاستثمار والنمو والتشغيل، مع التشديد على المنافسة ومحاربة اقتصاد الريع وتضارب المصالح والفساد.
ويتضمن برنامجه دعم الصناعة والإنتاج المحلي، وتسهيل وصول المقاولات إلى التمويل والعقار الصناعي والصفقات العمومية، إلى جانب تشجيع تشغيل الشباب والاقتصاد الاجتماعي والتضامني. كما يدعو إلى تعزيز السيادة الغذائية والمائية والطاقية واستدامة المالية العامة والعدالة الجبائية.
وبذلك يركز الحزب على جانب مختلف من المعادلة الاقتصادية: ليس فقط زيادة الإنفاق والدعم، وإنما تغيير البيئة التي تعمل فيها الشركات والمستثمرون، وتقوية المنافسة وتحسين توزيع الفرص الاقتصادية.
الفلاحة.. ملف اقتصادي حاسم في انتخابات المغرب
لا يمكن فصل برامج الأحزاب عن القطاع الزراعي، الذي لا يزال شديد التأثير في الاقتصاد المغربي وسوق العمل.
وتشير SNRT إلى أن الزراعة تساهم بنحو 10.5% من الناتج المحلي وتوفر قرابة 30% من إجمالي الوظائف في المغرب. لذلك تحتل المياه والجفاف وكلفة الإنتاج وتنظيم الأسواق موقعًا بارزًا في البرامج الانتخابية.
وتقترح الأحزاب إجراءات مختلفة، من الاستثمار في شبكات المياه والري إلى إعادة تنظيم الزراعات واختيار محاصيل أكثر ملاءمة للموارد المائية، فيما يربط حزب الاستقلال بين الأمن الغذائي وإعادة تنظيم سلاسل الإنتاج والتوزيع.
هذه القضية مهمة اقتصاديًا لأن أي تحسن في الإنتاج الزراعي ينعكس على النمو والدخل في المناطق الريفية، بينما يمكن للجفاف وارتفاع كلفة المياه والطاقة أن يضغطا في الاتجاه المعاكس.
الاستثمار والمالية العامة في انتخابات المغرب
تصل الوعود الاقتصادية إلى ملف أكثر حساسية: كيف ستمول الحكومة المقبلة هذه البرامج؟
صندوق النقد الدولي يتوقع أن يبلغ العجز المالي للحكومة المركزية نحو 3.4% من الناتج المحلي في 2026، وأن يبلغ الدين الحكومي المركزي نحو 65.9% من الناتج في العام نفسه. كما يتوقع الصندوق انخفاض الدين تدريجيًا إلى 60.5% من الناتج بحلول 2031.
اقرأ أيضا: الثروة في إفريقيا 2026.. المغرب ثالث موطن للمليونيرات
وهذا يعني أن تنفيذ وعود تتضمن دعمًا اجتماعيًا وزيادات في الأجور واستثمارات واسعة يحتاج إلى موازنة بين زيادة الإنفاق والحفاظ على الاستدامة المالية.
وبحسب SNRT، يتضمن برنامج التجمع الوطني للأحرار ميزانية إضافية تتجاوز 224 مليار درهم خلال الفترة 2026–2031، بينما يقدر حزب الأصالة والمعاصرة كلفة برنامجه بنحو 350 مليار درهم خلال خمس سنوات. وهذه أرقام تخص البرامج والالتزامات الانتخابية للأحزاب، وليست إنفاقًا حكوميًا تحقق بالفعل.
الرهان الاقتصادي الأكبر في انتخابات المغرب
تكشف برامج الأحزاب الرئيسية عن نقاط مشتركة واضحة: خلق الوظائف، حماية القدرة الشرائية، دعم الطبقة الوسطى، زيادة الاستثمار، وتحسين الخدمات العامة.
لكن الاختلاف يكمن في الأدوات: فبعض البرامج يركز أكثر على الدعم والضرائب والدخل، وأخرى على المنافسة وتنظيم الأسواق والإنتاج المحلي، فيما تعطي برامج أخرى وزنًا أكبر للاستثمار والبنية التحتية أو إصلاح بيئة الأعمال.
أما التحدي الذي ستواجهه الحكومة المقبلة، بصرف النظر عن تركيبتها، فهو تحويل النمو الاقتصادي والاستثمارات الكبرى إلى وظائف مستقرة ودخل أعلى، مع الحفاظ على المالية العامة وتقليص الفوارق الاقتصادية والمجالية.
فوفق صندوق النقد الدولي، يملك المغرب قاعدة نمو قوية، لكن خلق وظائف مستدامة يتطلب قطاعًا خاصًا أكثر ديناميكية، وإصلاحات في سوق العمل، واستثمارات أفضل في رأس المال البشري.
وبالتالي، فإن الجانب الاقتصادي من انتخابات المغرب 2026 لا يتعلق فقط بحجم الوعود، بل بقدرة السياسات المقبلة على الجمع بين النمو والتشغيل والقدرة الشرائية والاستدامة المالية.
