يمتلك المغرب احتياطيات من صخور الفوسفات تقدر بنحو 50 مليار طن، تمنحه موقعاً استثنائياً في سوق مادة يرتبط بها إنتاج الغذاء عالمياً، ويتسع استخدامها ليشمل مكونات البطاريات، وتسعى المملكة إلى تعظيم العائد من هذه الثروة عبر التوسع في تصنيع الأسمدة والمنتجات الكيميائية، مع الاستثمار في المياه والطاقة النظيفة لتأمين احتياجات الصناعة.
وبحسب هيئة المسح الجيولوجي الأميركية "USGS" في إصدارها لعام 2026، تبلغ الاحتياطيات العالمية نحو 73 مليار طن، ما يجعل حصة المغرب تقارب 68.5%، ويمنح هذا التركّز المملكة قاعدة طويلة الأجل للتوسع الصناعي، لكنه يضع أمامها تحدياً يتعلق بتحويل المخزون الجيولوجي إلى إنتاج تنافسي ومنتجات تحقق قيمة مضافة أكبر.
ثلثا الاحتياطيات.. و14.4% من الإنتاج
رغم تصدّر المغرب قائمة الاحتياطيات، تأتي المملكة في المرتبة الثانية عالمياً من حيث الإنتاج، خلف الصين، وتقدر الهيئة الأميركية إنتاج المغرب خلال 2025 بنحو 36 مليون طن، مقابل 110 ملايين طن للصين، من إجمالي عالمي يقارب 250 مليون طن.
بذلك تبلغ حصة المغرب نحو 14.4% من الإنتاج العالمي، وهي نسبة أقل بكثير من حصته في الاحتياطيات، ويوضح هذا الفارق أن القدرة على التأثير في السوق ترتبط أيضاً بالطاقة التعدينية والمصانع والبنية اللوجستية وتكلفة التشغيل.
تنبع أهمية الفوسفات من كونه مصدراً للفوسفور، وهو أحد العناصر الأساسية لتغذية النباتات، ولذلك تنتقل تغيرات تكلفة الأسمدة وتوافرها إلى قرارات المزارعين بشأن التسميد والإنتاج، بما يربط الصناعة مباشرة بالأمن الغذائي.

التصنيع يرفع قيمة ثروة فوسفات المغرب
تُظهر بيانات المندوبية السامية للتخطيط لعام 2026، أن إنتاج الفوسفات في المغرب بلغ 37.95 مليون طن خلال 2025، بزيادة تقارب 7.5% عن العام السابق.
وبلغت صادرات الخام 6.71 مليون طن، بينما وصلت المبيعات المحلية إلى نحو 26.93 مليون طن، وتوضح هذه الأرقام أهمية السوق المحلية، حيث تقوم الصناعة على معالجة الفوسفات وتحويله إلى حمض الفوسفوريك وأسمدة ومنتجات متخصصة، بما يضيف مراحل تصنيع وعوائد إلى سلسلة الإنتاج.
وتقود مجموعة المكتب الشريف للفوسفات "OCP" هذا النشاط، وقد سجلت - وفق نتائجها المالية المعلنة - إيرادات قدرها 12.27 مليار دولار خلال 2025، وأرباحاً صافية بنحو 1.98 مليار دولار، فيما بلغ الإنفاق الرأسمالي نحو 3.65 مليار دولار.
وتتيح إضافة منتجات مخصصة لاحتياجات التربة والمحاصيل توسيع الاستفادة من الخام، لكنها تتطلب قدرات تقنية واستثمارات مستمرة في المصانع ومدخلات الإنتاج.
اقرأ أيضا: المغرب مركز إقليمي لصناعة الطاقة المتجددة
ضغوط 2026 تكشف حدود وفرة الخام
واجه القطاع بداية أكثر صعوبة خلال 2026، فبحسب البيانات المؤقتة لمكتب الصرف في المغرب، بلغت قيمة صادرات الفوسفات ومشتقاته نحو 45.43 مليار درهم في النصف الأول، بانخفاض 2.3% على أساس سنوي، قبل أن يتسع التراجع إلى 7.8% خلال الأشهر السبعة الأولى.
وتزامن ذلك مع ضغوط على مدخلات الصناعة، فقد أوضحت "OCP" في بيان الربع الأول، أن ارتفاع أسعار الكبريت واضطرابات الإمداد أثّرا في ظروف السوق، كما قدّمت جزءاً من برنامج الصيانة إلى الربع الثاني، ما خفّض الإنتاج مؤقتاً، ويكشف ذلك أن امتلاك الفوسفات لا يعزل الصناعة عن تكلفة المواد اللازمة لتحويله إلى منتجات نهائية، أو عن اضطرابات النقل والعملات.
وانخفضت إيرادات المجموعة في النصف الأول إلى 48.37 مليار درهم، مقابل 52.17 ملياراً قبل عام، ومع ذلك، ارتفع الإنفاق الرأسمالي بنحو 6% إلى 16.07 مليار درهم، مدفوعاً بمدفوعات مشروعات صناعية ومائية وطاقية، وفق النتائج التي نقلتها "موروكو وورلد نيوز".
13 مليار دولار لتوسيع الصناعة وتأمين مواردها
أعلنت مجموعة "OCP" برنامج استثمار أخضر للفترة 2023 - 2027 بقيمة 130 مليار درهم، تعادل نحو 13 مليار دولار، يجمع بين التوسع الصناعي وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية.
وتتضمن أهداف المجموعة رفع الطاقة التعدينية السنوية من نحو 50 مليون طن إلى 70 مليوناً، وزيادة طاقة الأسمدة وحلول تغذية النباتات من نحو 15 مليوناً إلى 20 مليون طن، بحسب عرضها لاستراتيجية التوسع.
وتحتل المياه موقعاً أساسياً في هذا المسار، إذ تقول المجموعة إنها حققت الاكتفاء بالمياه غير التقليدية لعملياتها الصناعية منذ مطلع 2025، عبر التحلية وإعادة الاستخدام، كما تستهدف تغطية احتياجاتها من الكهرباء النظيفة بالكامل بحلول 2027، والوصول إلى الحياد الكربوني الكامل بحلول 2040، وفق وثائقها للاستدامة.
وبذلك يصبح تأمين المياه والكهرباء جزءاً من القدرة على زيادة الإنتاج والحفاظ على تنافسيته، خاصة مع ارتفاع احتياجات المنشآت الجديدة.
اقرأ أيضاً: تأثير أزمة الشرق الأوسط على اقتصاد المغرب وأسعار الطاقة
من الأسمدة إلى مواد البطاريات الكهربائية
يفتح حمض الفوسفوريك المنقّى مساراً إضافياً لتعظيم قيمة الفوسفات، وتوضح هيئة المسح الجيولوجي الأميركية في تقريرها عن المغرب، أن مشروعاً بالجرف الأصفر يستهدف إنتاج هذا الحمض ومواد تدخل في تصنيع فوسفات الحديد، المستخدم ضمن سلسلة إنتاج كاثود بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم "LFP".
وتُستخدم هذه البطاريات في السيارات الكهربائية وتخزين الكهرباء، ما يربط الفوسفات بصناعات التحول الطاقي، وتعمل المجموعة وشركاؤها على تطوير مواد لهذه التطبيقات، وهي عملية تتطلب التنقية والتكنولوجيا والتوسع الصناعي، حتى تتحول الفرصة إلى إنتاج تجاري واسع.
وتتوقف قدرة المغرب على تعظيم هذه الفرصة على إنجاز المصانع وتأمين المدخلات والمياه والكهرباء بتكلفة تنافسية، حيث أن كل مرحلة تصنيع يضيفها داخل البلاد، توسّع نصيبه من قيمة الفوسفات عالمياً، وتمنح ثروته الجيولوجية دوراً أكبر في إمدادات الغذاء وصناعات تخزين الطاقة.
