يشهد قطاع الطاقة العالمي تحولات هيكلية متسارعة، تبحث فيها القارات والدول عن بدائل آمنة ومستدامة لتأمين احتياجاتها. وفي قلب هذه التحولات، يبرز المغرب كنموذج إقليمي صاعد يمتلك مقومات جغرافية وطبيعية واستراتيجية تؤهله للتحول من دولة تعتمد على استيراد الطاقة إلى منصة إقليمية مركزية لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة.
ولا تقف طموحات المملكة عند حدود توليد الكهرباء النظيفة، بل تمتد لتأسيس بنية تحتية متكاملة تدمج بين التكنولوجيا الحديثة، والاستثمارات الدولية، وتنويع مصادر الطاقة بين الكهرباء والهيدروجين الأخضر والغاز الطبيعي.
مقومات المغرب لجذب الاستثمارات
في تصريحات خاصة، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الشوربجي أن تعدد مشروعات الربط الكهربائي بين المغرب والدول الأوروبية، مثل فرنسا وإسبانيا والبرتغال، يُشكل محركاً رئيساً لموجة جديدة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع الطاقة المتجددة بالمملكة.
وتدعم هذه الرؤية المساحات الواسعة التي تمتلكها المملكة لإقامة محطات ضخمة لتوليد الكهرباء من الشمس والرياح، إلى جانب قدرتها العالية على استقطاب التكنولوجيا ورؤوس الأموال من شركاء دوليين متعددين.
ويبرز في هذا السياق التعاون الاستراتيجي مع الشركات الصينية والمستثمرين من دول الخليج؛ حيث يوفر هذا المزيج للمغرب فرصة استثنائية لدمج التكنولوجيا الصينية المتطورة في مجال الطاقة النظيفة –والتي تقود السوق العالمي حالياً– مع رؤوس الأموال الخليجية والدولية.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في ظل التحديات التجارية والتكنولوجية المتصاعدة بين أوروبا والصين، ما يجعل المغرب جسراً آيدولوجياً واقتصادياً لنقل الطاقة النظيفة إلى أوروبا.
اقرأ أيضًا: مشروع الربط الكهربائي بين المغرب وفرنسا.. الأبعاد والفرص
الهيدروجين الأخضر في المغرب
على صعيد متصل، يؤكد الشوربجي أن فرص المغرب لا تقتصر على تصدير الكهرباء مباشرة من خلال شبكات الربط، وإنما تمتد إلى تصدير الطاقة في صور أخرى متعددة، في مقدمتها الهيدروجين الأخضر.
ويفتح التوسع في إنتاج الهيدروجين الأخضر مجالات جديدة للاستثمار والتجارة ونقل التكنولوجيا، إلى جانب توفير فرص عمل وتعزيز قدرات الاقتصاد المحلي. كما تساعد مشروعات الطاقة النظيفة هذه على تطوير قطاعات صناعية وتكنولوجية كاملة مرتبطة بعمليات الإنتاج والتخزين والنقل، ما يرفع القيمة الاقتصادية للمشروعات بدلاً من الاكتفاء بتصدير الكهرباء بصورتها مجردة.
إن نجاح المغرب في تطوير هذه القطاعات يعزز موقع المملكة داخل سلاسل توريد الطاقة المتجددة عالمياً، ويجعلها منصة جاذبة للاستثمارات ومصدراً رئيساً للطاقة إلى الأسواق الأوروبية.
اقرأ أيضًا: الهيدروجين الأخضر في مصر.. هل تصبح مركز تصدير عالمي؟
أهمية مشروع أنبوب الغاز النيجيري المغربي
وفيما يتعلق بالبنية التحتية القارية، تطرق الشوربجي إلى مشروع خط أنابيب الغاز الممتد من نيجيريا عبر عدد من الدول الأفريقية وصولاً إلى المغرب، مؤكداً أن خطوط نقل الطاقة البرية تكتسب أهمية متزايدة في ظل الأزمات الجيوسياسية التي تواجه حركة نقل الوقود عبر البحار والمضايق.
وتخدم مشروعات الأنابيب المغرب والدول الأفريقية المنتجة للطاقة على حد سواء؛ لأنها توفر مسارات إضافية لنقل الإنتاج وتصديره، وتحد من الاعتماد الكامل على الشحن البحري ومخاطره. كما تشجع هذه المشروعات على جذب مزيد من الاستثمارات إلى قطاع الطاقة في القارة الأفريقية، وتُسهم في زيادة عمليات التصنيع والتكرير محلياً.
ويوضح الخبير الاقتصادي أن تصدير المواد الخام دون تصنيع ثم إعادة استيرادها في صورة منتجات مكررة بتكلفة مرتفعة يلقي بتبعات سلبية على اقتصادات الدول الأفريقية، بينما تسمح مشروعات الطاقة والبنية التحتية القارية بإقامة صناعات محلية، وتوفير فرص عمل، وزيادة القيمة المضافة.
ومن شأن هذا المشروع أن يدعم الإنتاج والاستثمار والتشغيل في جميع الدول التي يمر بها، مع تعزيز قدرة القارة على الاستفادة الاقتصادية القصوى من مواردها الطبيعية.
أولوية تلبية احتياجات المغرب المحلية
ورغم الفرص الواعدة للتحول من دولة مستوردة للطاقة إلى منصة إقليمية لإنتاج وتصدير الكهرباء النظيفة إلى أوروبا، يشدد الشوربجي على ضرورة مراعاة ضوابط أساسية؛ في مقدمتها ضمان السيادة الطاقية الوطنية.
يجب أن يضمن المغرب توافر الطاقة الكافية لتلبية احتياجاته المحلية ودعم خطط نموه الاقتصادي قبل توجيه أي فائض إلى التصدير؛ فالمملكة تنفذ مشروعات تنموية وصناعية متعددة تحتاج إلى كميات متزايدة من الكهرباء، ولذلك يجب أن تخدم الطاقة المنتجة نمو الاقتصاد المغربي واحتياجات القطاعات الإنتاجية المحلية في المقام الأول.
وبناءً عليه، فإن التوسع في التصدير ينبغي أن يعتمد كلياً على وجود "فائض حقيقي" بعد تغطية الاحتياجات الداخلية الشاملة، بما يمنع حدوث أي ضغوط على السوق المحلية أو تأثر خطط التنمية الوطنية.
إن رؤية المغرب المستقبلية في قطاع الطاقة لا تقف عند حدود الاستفادة من موارده الطبيعية، بل تتجاوزها لتأسيس نموذج اقتصادي متكامل يوازن بين تأمين السيادة الطاقية المحلية وتوسيع النفوذ الاستثماري إقليمياً ودولياً، شريطة الاستمرار في تحسين البنية التحتية والموازنة الدقيقة بين احتياجات التنمية الداخلية وطموحات التصدير الخارجي.
قد يهمّك أيضًا: كيف تحول المغرب إلى معمل عالمي لصيد النيازك؟
