يمثل مشروع الربط الكهربائي بين المغرب وفرنسا خطوة مهمة لتعزيز أمن الطاقة الأوروبي، كما يمنح الاقتصاد المغربي فرصًا واسعة للاستفادة من موارده المتجددة وتحويلها إلى مصدر للنمو والاستثمار والتصدير.
وتخطط الدولتان لإنشاء خط بحري ضخم لنقل الكهرباء المنتجة من مشروعات الطاقة المتجددة في المغرب إلى السوق الفرنسية، ومن المتوقع أن يصل طول الخط المقترح إلى نحو 1200 كيلومتر، وأن تبلغ قدرته قرابة 2000 ميجاوات.
وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي، الدكتور محمد الشوربجي، أن اختيار المغرب لتنفيذ هذا المشروع يستند إلى الإمكانات الهائلة التي يمتلكها في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح؛ إذ نمت قدرات الطاقة الشمسية في المملكة بمعدل 18% خلال السنوات العشر الأخيرة، فيما سجلت قدرات طاقة الرياح نموًا سنويًا بنسبة 12%.
وأشار إلى أن المغرب يمتلك أكثر من 3500 كيلومتر من السواحل، وهو ما يوفر فرصًا كبيرة لإقامة مشروعات توليد الكهرباء من طاقة الرياح، إلى جانب تمتعه بمستويات مرتفعة من الإشعاع الشمسي، بما يعزز قدرته على إنتاج الكهرباء النظيفة وتصديرها إلى الأسواق الأوروبية.
كيف يربط المغرب شبكاته بالأسواق الأوروبية؟
يُنتظر أن يساعد المشروع فرنسا على تلبية الزيادة المتوقعة في الطلب على الكهرباء، لا سيما في ظل تقديرات تشير إلى احتمال ارتفاع الاستهلاك في السوق الفرنسية بنحو 29% خلال السنوات العشر القادمة.
ويرتبط هذا الارتفاع بتوسع أوروبا في الاعتماد على الطاقة النظيفة وتحول قطاعات النقل والصناعة والخدمات إلى الكهربة الشاملة، ما يرفع الحاجة إلى تأمين مصادر إضافية ومستقرة. ولن يكون هذا المشروع الأول من نوعه للمملكة؛ إذ توجد بالفعل خطوط ربط مع إسبانيا، إلى جانب مشروع آخر قيد التطوير مع البرتغال.
ويرى الشوربجي أن تعدد هذه المشروعات يمنح المغرب موقعًا متقدمًا في منظومة الطاقة بين أفريقيا وأوروبا، ويُسرّع تحوله من مستورد ومستهلك إلى مركز إقليمي لمُصنّعي ومُصدّري الطاقة النظيفة.
اقرأ أيضًا: المغرب بين أكبر 10 أساطيل تجارية في أفريقيا
دور الطاقة المتجددة المغربية في معالجة أزمة الطاقة
وأشار الشوربجي إلى أن أهمية المشروع تزداد في ظل الأزمات التي رفعت تكلفة الطاقة عالميًا، ودفعت العديد من الدول إلى البحث عن مصادر أكثر استقرارًا وأقل تعرضًا لاضطرابات الاستيراد والممرات البحرية.
وأوضح أن الطاقة المتجددة تساعد الدول على تقليل اعتمادها على الوقود المستورد، كما تحد من المخاطر المرتبطة بتعطل طرق التجارة أو اضطراب إمدادات النفط والغاز عبر المضايق والممرات المائية.
وأضاف أنّ أوروبا تواجه منذ عدة سنوات ضغوطًا متزايدة في أسواق الطاقة، نتيجة تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والاضطرابات التي تشهدها منطقة مضيق هرمز، وهو ما دفعها إلى زيادة الاهتمام بالطاقة المتجددة وتنويع مصادر الإمدادات.
وقال إن المغرب بدأ منذ عام 2000 في تنفيذ استراتيجية وطنية للطاقة، حددت مستهدفات واضحة لزيادة مساهمة المصادر المتجددة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية.
وأضاف أن القواعد والتشريعات التي صاحبت هذه الاستراتيجية ساعدت على جذب المستثمرين إلى السوق المغربية، وأسهمت في نمو مشروعات الطاقة المتجددة وزيادة قدرتها على توفير الكهرباء للسكان، إلى جانب خلق فرص اقتصادية وتجارية وتوفير فرص عمل.
تحديات مالية وتقنية
رغم الآفاق الواعدة لمشروع الربط المباشر بين المغرب وفرنسا والمعروف باسم "قنطرة المتوسط"، إلا أن تنفيذه يواجه تحديات هندسية ومالية غير مسبوقة؛ إذ تُقدر شبكة نقل الكهرباء الفرنسية (RTE) التكلفة الإجمالية للمشروع لنقل 2000 ميجاوات بمتوسط 6.2 مليار يورو (وقد تصل إلى 9.4 مليارات يورو).
وتعود هذه التكلفة المرتفعة إلى التعقيد التقني الاستثنائي لمد كابل بحري يمتد لنحو 1300 كيلومتر وعلى أعماق تصل إلى 2800 متر تحت سطح البحر الأبيض المتوسط، وهو عمق يمثل رقماً قياسياً عالمياً يتطلب تكنولوجيات متقدمة جداً.
وإلى جانب الكلفة الفنية وفقدان جزء من الطاقة خلال النقل عبر المسافات الطويلة، تبرز عقبات تنظيمية تتصل بضرورة توحيد القواعد التشغيلية والوصول إلى أطر إطار حوكمة وتضمينات حكومية طويلة المدى تضمن استمرارية تبادل الطاقة بين البلدين في الاتجاهين.
اقرأ أيضًا: المغرب.. 8 مليارات درهم لخفض كربون الصناعات الغذائية 24%
كيف تضمن خطوط الربط استقرار تدفق الكهرباء؟
من جانب آخر، أكّد الشوربجي أن مشروعات الربط الكهربائي بين الدول تمثل عنصرًا أساسيًا لزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، بسبب الطبيعة المتغيرة لإنتاج الكهرباء من الشمس والرياح.
وأوضح أنه لا يمكن التحكم في توقيت سطوع الشمس أو هبوب الرياح، ولذلك لا يتطابق إنتاج الكهرباء المتجددة دائمًا مع أوقات ارتفاع الطلب والاستهلاك.
وأضاف أن خطوط الربط تسمح بنقل الكهرباء من المناطق التي تتوافر فيها موارد الشمس والرياح وتحقق فائضًا في الإنتاج إلى المناطق التي تحتاج إلى الطاقة في الوقت نفسه، بما يساعد على تحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.
وأشار إلى أن توسع المغرب في الربط مع فرنسا وإسبانيا والبرتغال يعزز مرونة الشبكات، ويتيح الاستفادة من الكهرباء المنتجة في مواقع مختلفة، كما يدعم أمن الطاقة لدى الدول المشاركة في هذه المشروعات.
المغرب بوابة للطاقة بين أفريقيا وأوروبا
وقال الشوربجي إن المغرب يمتلك فرصة كبيرة للتحول إلى بوابة للطاقة تربط القارة الأفريقية بأوروبا، في ظل موارده الطبيعية المتنوعة وموقعه الجغرافي وقربه من الأسواق الأوروبية.
وأوضح أن الربط المباشر مع فرنسا قد يوفر مسارًا إضافيًا لنقل الكهرباء، إلى جانب الخطوط القائمة أو المخططة مع إسبانيا والبرتغال، بما يقلل الاعتماد على مسار واحد ويرفع مستوى أمن الطاقة.
وأضاف أن تعدد خطوط الربط يحد من مخاطر تعطل الإمدادات عند حدوث مشكلات في إحدى الشبكات، كما يسمح بتبادل الكهرباء بين عدد أكبر من الأسواق، ويدعم قدرة الدول على التعامل مع فترات ارتفاع الطلب أو انخفاض الإنتاج.
وأشار إلى أن تجاوز الاعتماد الكامل على شبكات الربط المارة عبر شبه الجزيرة الأيبيرية يمكن أن يوفر قدرًا أكبر من المرونة، خاصة في ضوء مشكلات انقطاع الكهرباء التي شهدتها المنطقة.
اقرأ أيضًا: موجات الحر في أوروبا تبرز الاعتماد التجاري على الصين
توحيد القواعد الفنية للشبكات
يبقى نجاح تصدير الكهرباء رهيناً بتوافق القواعد الفنية والتشغيلية بين الشبكات المغربية والأوروبية؛ فنقل الطاقة عبر مسافات طويلة بين شبكات دول مختلفة يحتاج إلى تطبيق معايير تشغيل موحدة تضمن الأمان والكفاءة وتمنع حدوث اختلالات في الترددات الكهربائية.
واختتم الدكتور محمد الشوربجي تصريحاته بالتأكيد على أن مشروعات الربط الكهربائي والطاقة المتجددة يمكن أن تمنح المغرب مكاسب اقتصادية واستثمارية كبيرة، وتدعمه في التحول إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة، شريطة تحقيق التوازن بين تلبية الطلب المحلي والتوسع في التصدير، واستكمال البنية التحتية والقواعد التشغيلية اللازمة لربط شبكاته بالأسواق الأوروبية.
اقرأ أيضًا: تمديد خط القطارات فائقة السرعة بالمغرب بـ10 مليارات دولار
