تستهدف مصر رفع معدل النمو الاقتصادي إلى 6.8% بحلول العام المالي 2029/2030، وخفض التضخم إلى 7% والبطالة إلى 5.5%، من خلال البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي، الذي يتضمن 185 إجراءً ويركز على خمسة قطاعات رئيسية تستحوذ على نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي.
ملامح البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي
وأعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية أن البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي يقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية، تتمثل في ترسيخ الاستقرار الاقتصادي وتعزيز الصلابة وجودة النمو، وتمكين القطاع الخاص وزيادة مساهمته في النمو والإنتاجية، وتحسين جودة الحياة للمواطنين.
ويتضمن البرنامج أربعة محاور رئيسية، و40 مستهدفًا، و185 إجراءً أساسيًا، إلى جانب 20 إصلاحا تشريعيا و25 ا، مع متابعة التنفيذ وقياس النتائج من خلال 150 مؤشر أداء.
ويأتي إعداد البرنامج تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية بوضع رؤية اقتصادية وطنية تستند إلى أولويات الدولة ومستهدفاتها التنموية، وتعزز ثقة المستثمرين الدوليين في قدرة الاقتصاد المصري على مواصلة تنفيذ الإصلاحات.
ومن المقرر طرح البرنامج للحوار المجتمعي خلال الشهرين المقبلين، للاستماع إلى مختلف الآراء والمقترحات الاقتصادية ومناقشة أولوياته، قبل التوصل إلى صيغته النهائية.
قد يهمّك أيضًا: منتدى مصر 2026.. هل تتحول التوصيات إلى استثمارات حقيقية؟
5 قطاعات تستحوذ على 40% من الناتج المحلي
ويركز البرنامج على خمسة قطاعات رئيسية تستهدف الحكومة تعزيز دورها خلال المرحلة المقبلة، تشمل الزراعة والصناعات التحويلية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والسياحة، والطاقة.
وقال أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، إن القطاعات الخمسة ساهمت بنحو 50% من إجمالي معدل النمو الحقيقي، واستحوذت على نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأوضح أنها جذبت تدفقات استثمارية بلغت نحو 3.1 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي الماضي، كما استوعبت نحو 40% من إجمالي المشتغلين.
وتسعى الحكومة إلى تعزيز التكامل بين هذه القطاعات لزيادة الإنتاجية ودعم النمو الاقتصادي، انطلاقًا من معدل نمو حالي يبلغ 5.1%، وصولًا إلى المستهدف المحدد للعام المالي 2029/2030.
الاستقرار المالي وخفض التضخم ضمن أولويات البرنامج
ووفقًا للوزارة، يركز البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي على ترسيخ الاستقرار الاقتصادي الكلي والاستدامة المالية، والالتزام بسقف الدين العام، وتعظيم تحصيل الإيرادات، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي.
كما يتضمن تعزيز مشاركة القطاع الخاص في تمويل المشروعات التنموية، من خلال آليات تمويل متنوعة، بينها استحداث آلية لضمان تمويل مشروعات البنية التحتية.
وتعتزم الحكومة إطلاق الخريطة التفاعلية للمشروعات المدرجة ضمن البرنامج الوطني للفترة 2027–2030، لإتاحة المعلومات المتعلقة بالمشروعات المستهدفة خلال المرحلة المقبلة.
وفي قراءة اقتصادية لمستهدفات البرنامج، قالت الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، إن التحدي الحقيقي أمام الاقتصاد المصري لا يقتصر على تحقيق معدلات نمو مرتفعة، وإنما يرتبط بطبيعة هذا النمو ومدى انعكاسه على مستوى معيشة المواطنين.
وأوضحت أن نجاح التحول الاقتصادي يتطلب الانتقال من التركيز على تحقيق الاستقرار المالي والنقدي إلى مرحلة أكثر شمولًا، تقوم على زيادة الإنتاجية والتنافسية، وتعزيز الاستثمار في الصناعة والأنشطة الإنتاجية والتصديرية.
وأضافت أن ارتفاع معدلات النمو يجب أن يصاحبه توسع في الإنتاج وتوفير فرص العمل، بما يضمن استفادة المواطنين من التحسن في المؤشرات الاقتصادية.
وشددت على أهمية الحوار المجتمعي حول البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي، باعتباره فرصة لطرح مختلف الرؤى والمقترحات، والمساهمة في تحديد أولويات المرحلة المقبلة والتعامل مع التحديات القائمة.
57.3 مليار دولار احتياطي نقدي و18 مليار دولار استثمارات أجنبية
وأشارت الشافعي إلى أن الاقتصاد المصري سجل عددا من المؤشرات الإيجابية، أبرزها وصول احتياطي النقد الأجنبي إلى نحو 57.3 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، إلى جانب تسجيل تدفقات استثمار أجنبي مباشر بلغت نحو 18 مليار دولار خلال العام الماضي.
ولفتت إلى أن المؤشرات الاقتصادية تضمنت أيضًا ارتفاع معدل النمو إلى 5.1%، وتراجع العجز الكلي إلى 5.8%، وفق الأرقام المطروحة خلال مناقشات البرنامج.
وأكدت أن هذه النتائج تعكس قدرة الاقتصاد على التعامل مع التحديات، لكنها لا تعني انتهاء الضغوط المالية أو تراجع الحاجة إلى مواصلة الإصلاحات.
وأضافت أن قوة الاقتصاد لا تقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، وإنما بمدى استفادته من التجارب السابقة في بناء قاعدة إنتاجية أكثر استعدادًا لمواجهة التغيرات المستقبلية.
أعباء الفوائد تمثل تحديًا أمام الإنفاق التنموي
وأكدت الخبيرة الاقتصادية أن مدفوعات الفوائد وأعباء خدمة الدين تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه المالية العامة، خاصة في ظل الحاجة إلى توفير موارد إضافية لتمويل التنمية والخدمات الأساسية.
وأشارت إلى أن الأرقام المطروحة بشأن أعباء الدين والفوائد تعكس نسبة تتراوح بين 67% و68% من إيرادات الدولة، بما يبرز حجم الضغوط الواقعة على الموارد العامة.
وشددت على ضرورة تحقيق التوازن بين الوفاء بالالتزامات المالية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، وبين توفير التمويل اللازم لدعم الأنشطة الإنتاجية وتحسين الخدمات ومستويات المعيشة.
واعتبرت أن التعامل مع هذه الأعباء يمثل اختبارا مهما لقدرة البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي على تحقيق أهدافه دون زيادة الضغوط على المالية العامة.
اقرأ أيضًا: البورصة المصرية تحت ضغط التوترات الجيوسياسية
9 مناطق استثمارية جديدة لتحقيق العدالة المكانية
وقالت الشافعي إن توجه الحكومة لإنشاء 9 مناطق استثمارية جديدة، مع إعطاء الأولوية للمحافظات الأقل دخلًا، يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز العدالة المكانية وتحقيق تنمية اقتصادية أكثر توازنًا.
وأوضحت أن الاستثمارات يجب ألا تظل متركزة في القاهرة والمدن الكبرى، وإنما ينبغي أن تمتد إلى محافظات الصعيد والمناطق الأكثر احتياجا، بما يساهم في توفير فرص العمل وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي.
وأضافت أن أهمية المناطق الاستثمارية لا تقتصر على جذب رؤوس الأموال، بل تمتد إلى دعم المجتمعات المحلية وإتاحة فرص اقتصادية جديدة لأبناء المحافظات.
وأكدت أن التوزيع الجغرافي المتوازن للاستثمارات يساعد على توسيع قاعدة المستفيدين من جهود التنمية، والحد من التفاوت في الفرص الاقتصادية بين المناطق المختلفة.
تطوير التعليم الفني شرط للاستفادة من الاستثمارات
وأوضحت الخبيرة الاقتصادية أن مصر تمتلك مقومات مهمة لجذب الاستثمارات، في مقدمتها موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية وقاعدتها البشرية الكبيرة من الشباب.
وأكدت أن تحويل هذه المقومات إلى قيمة اقتصادية حقيقية يتطلب تطوير التعليم الفني والتدريب المهني، وتأهيل العمالة بالمهارات التي تتوافق مع احتياجات القطاعات الإنتاجية وسوق العمل.
وأشارت إلى أن المنافسة العالمية لم تعد تعتمد على رؤوس الأموال وحدها، بل أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بتوافر الكفاءات البشرية القادرة على دعم الإنتاج ورفع مستويات التنافسية.
وشددت على أن الاستثمار في رأس المال البشري أصبح ضرورة اقتصادية ومسألة تتعلق بالأمن القومي، ولم يعد مجرد ملف اجتماعي.
الاستثمار المنتج والقطاع الخاص أساس تحسين المعيشة
وشددت الشافعي على أن المرحلة المقبلة تتطلب التوسع في الاستثمارات الإنتاجية، وتعزيز قدرة القطاع الخاص على المنافسة، وربط خطط التنمية بتأهيل العنصر البشري وتوفير فرص العمل.
وأكدت أن مصر تمتلك فرصة لتحقيق تقدم اقتصادي خلال السنوات المقبلة، بشرط توجيه الموارد والاستثمارات إلى الأنشطة التي تدعم الصناعة والإنتاج والتصدير.
واختتمت بالتأكيد على أن نجاح البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي يجب ألا يُقاس بتحقيق المستهدفات الرقمية وحدها، وإنما بمدى قدرته على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين.
وأضافت أن التنمية الحقيقية ترتبط بتوفير فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة، وبناء اقتصاد قادر على إتاحة مستقبل أفضل للأجيال المقبلة.
اقرأ أيضًا: 5 عوامل وراء ارتفاع سعر الدولار في مصر
