اقتصادات عربية

    اجتماع البنك المركزي المصري.. توازنات الفائدة والتضخم

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •5 دقائق
    البنك المركزي المصري.
    مبنى البنك المركزي المصري

    تترقب الأسواق المصرية اجتماع البنك المركزي المصري غدًا، الخميس، 20 أغسطس، في ظل معادلة دقيقة تجمع بين استمرار الضغوط التضخمية من ناحية، وتحسن مؤشرات النمو وتدفقات النقد الأجنبي واستقرار سوق الصرف من ناحية أخرى.

    وتوقع الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أن يكون سيناريو تثبيت أسعار الفائدة هو الأقرب في الاجتماع المقبل، موضحًا أن البنك المركزي يحتاج إلى مزيد من الدلالات التي تؤكد استدامة انخفاض التضخم قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من خفض الفائدة.

    البنك المركزي يوازن بين مجموعة من المتغيرات

    وأوضح شوقي أن صعوبة القرار لا تتمثل في مجرد الاختيار بين الخفض أو التثبيت، وإنما في الموازنة بين مجموعة من الاعتبارات المتشابكة؛ تشمل التضخم، وسعر الصرف، وتدفقات النقد الأجنبي، والنشاط الاقتصادي، وأسعار الطاقة، والسيولة المحلية، وجاذبية الاستثمار في أدوات الدين بالجنيه، إلى جانب التطورات الاقتصادية العالمية والإقليمية.

    وأكد أن التضخم يظل العامل الحاسم في تحديد اتجاه السياسة النقدية خلال المرحلة الحالية، خاصة بعدما ارتفع التضخم الحضري السنوي إلى 14.9% في يوليو 2026، مقابل 14.3% في يونيو، فيما ارتفع التضخم الأساسي إلى 14.7% مقابل 14.3%.

    وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة كون هذا الصعود لم يقتصر على السلع شديدة التقلب، بل امتد ليشمل قطاعات حيوية كالإسكان والنقل والتعليم؛ وهو ما يفرض على البنك المركزي قدرًا أكبر من الحذر عند تقييم مدى استدامة المسار الهبوطي للأسعار، بحسب شوقي.

    اقرأ أيضًا: مصر.. تراجع السيولة المحلية يهدد الادخار والاستثمار

    خفض الفائدة الآن قد يحمل مخاطرة أكبر من الانتظار

    وأشار شوقي إلى أن التسرع في خفض أسعار الفائدة وسط مؤشرات ببدء عودة التضخم للارتفاع يحمل مخاطرة أكبر من التريث؛ فالغاية من السياسة النقدية لا تكمن في تحقق تراجع موقت للأسعار، بل في ضمان استدامة هذا التراجع واتساقه مع المسار المستهدف الذي يبني عليه البنك المركزي قراراته المستقبليّة.

    وأضاف أن البنك المركزي خفض الفائدة بقوة خلال الفترة السابقة قبل الدخول في مرحلة توقف مؤقت، ومن ثم يمكن النظر إلى التثبيت باعتباره فرصة لإعادة تقييم أثر التخفيضات السابقة على الاقتصاد الحقيقي والأسعار.

    سعر الصرف وتدفقات النقد الأجنبي

    وأشار شوقي إلى أن سعر الصرف يمثل أحد أهم المتغيرات الداخلة في تقييم السياسة النقدية المصرية، خصوصًا بعد الانتقال إلى نظام أكثر مرونة لسعر الصرف، يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية، لكنه في الوقت نفسه يجعل انتقال أي ضغوط على الجنيه إلى مستويات الأسعار عاملًا يجب مراقبته بعناية.

    وفي المقابل، لفت إلى أن نمو تحويلات المغتربين، وانتعاش إيرادات السياحة، وتدفقات العملة الأجنبية، إلى جانب تعزيز الاحتياطيات الوقائية، كلها عوامل تسهم بمجموعها في تخفيف الضغوط عن سوق الصرف. وأضاف أن هذا التحسن يمنح البنك المركزي هامش حركة أوسع مقارنة بمراحل سابقة كانت فيها أزمة السيولة في أشدها.

    وخلص شوقي إلى أن استقرار سوق الصرف وتنامي التدفقات يشكلان ركيزة أساسية لأي اتجاه مستقبلي نحو خفض الفائدة، مشددًا على أن توافر مساحة التحرك لا يعني بالضرورة استخدامها في الوقت الراهن.

    اقرأ أيضًا: لماذا شدد البنك المركزي المصري قواعد التوريق؟

    خفض الفائدة يدعم الاستثمار ولكن التوقيت حاسم

    وأوضح الخبير الاقتصادي أن هناك حجة قوية لصالح خفض أسعار الفائدة، تتمثل في حاجة الاقتصاد المصري إلى استمرار تحسن النشاط الاقتصادي وتحويل الاستقرار النقدي إلى استثمار وإنتاج وتشغيل، لاسيما أن بقاء تكلفة التمويل عند مستويات مرتفعة لفترات طويلة يشكل عبئًا ثقيلاً على الشركات -وبالأخص الصغيرة والمتوسطة- ويُعطل قرارات التوسع والاقتراض.

    وأضاف أنه مع استعادة الاقتصاد لزخم النمو، يكتسب التخفيض التدريجي لأسعار الفائدة أهمية مضاعفة لتعديل بيئة الأعمال، وتسهيل وصول القطاع الخاص إلى التمويل اللازم.

    غير أن شوقي شدد في الوقت ذاته على أن إقرار التيسير النقدي قبل كبح جموح التضخم كليًا قد يؤدي إلى تحفيز الطلب في وقت ما تزال فيه الطاقة الإنتاجية تكابد القيود؛ وهو ما يهدد بتحويل أثر الخفض إلى موجة جديدة من الضغوط السعرية بدلاً من دفع النمو.

    أسعار الطاقة تفرض مزيدًا من الحذر

    وأشار شوقي إلى أن إعادة هيكلة أسعار الطاقة وتقليص الدعم تدريجيًا يمثلان عاملين يجب أخذهما في الاعتبار عند اتخاذ قرار الفائدة، فأي زيادة في أسعار الطاقة يمكن أن تنتقل إلى تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، بما قد يخلق ضغوطًا تضخمية مباشرة وغير مباشرة.

    وأضاف أن البنك المركزي قد يفضل الانتظار حتى تتضح آثار إصلاحات أسعار الطاقة على التضخم بصورة أكبر قبل اتخاذ قرار بخفض جديد لأسعار الفائدة.

    اقرأ أيضًا: مصر تؤمّن بدائل للطاقة بعد حادث ميناء دمياط

    اجتماع البنك المركزي المصري

    المالية العامة وإدارة الدين

    وأوضح شوقي أن تحسن الفائض الأولي وضبط الإنفاق وتحسين إدارة الدين يمكن أن تدعم استقرار الاقتصاد الكلي وتقلل الضغوط التمويلية، بما يخلق على المدى المتوسط مساحة أكبر أمام البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة.

    لكن استمرار الاحتياجات التمويلية الحكومية وارتفاع الطلب على السيولة المحلية قد يحدان من سرعة انتقال خفض أسعار الفائدة إلى تكلفة التمويل داخل الاقتصاد.

    وأكد أن نجاح برنامج ضبط المالية العامة وإدارة الدين سيكون عاملًا مهمًا في تحديد مدى قدرة البنك المركزي على مواصلة دورة التيسير النقدي.

    اقرأ أيضًا: ديون مصر لصندوق النقد تنخفض إلى 9.3 مليار دولار

    الفائدة الحقيقية ما زالت موجبة

    وقال شوقي إنه بالنظر إلى سعر الإيداع البالغ 19%، مقابل تضخم حضري يبلغ 14.9%، فإن هناك هامشًا موجبًا بين سعر الفائدة الاسمي ومعدل التضخم الحالي.

    لكنه أوضح أن تقييم الفائدة الحقيقية لا ينبغي أن يعتمد فقط على التضخم الحالي، وإنما يجب أن يأخذ في الاعتبار توقعات التضخم المستقبلية أيضًا.

    وأضاف أن البنك المركزي قد يفضل الاحتفاظ بجزء من هامش الفائدة الحقيقي في المرحلة الحالية لضمان تثبيت توقعات التضخم، ثم استخدام هذا الهامش تدريجيًا عندما تتأكد استدامة المسار النزولي للأسعار.

    كيف تدعم المخاطر العالمية خيار الانتظار؟

    وفي السياق ذاته، أشار شوقي إلى أن التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة وحركة أسعار الفائدة العالمية كلها عوامل تؤثر في الأسواق الناشئة، ومن بينها السوق المصرية.

    وأوضح أنه في مثل هذه البيئة تصبح المحافظة على جاذبية الأصول المحلية أكثر أهمية، خصوصًا مع الحاجة إلى استمرار تدفقات رأس المال الأجنبي وتقليل مخاطر خروج الأموال الساخنة.

    وقال إن البنك المركزي قد يرى أن تكلفة الانتظار، في ضوء هذه الظروف، لا تزال أقل من تكلفة خفض أسعار الفائدة في بيئة عالمية وإقليمية غير مستقرة.

    اقرأ أيضًا: قرار الفيدرالي تثبيت الفائدة.. هل تأخر في مواجهة التضخم؟

    التثبيت أم خفض الفائدة؟

    من جهته، يرجح شوقي أن يكون السيناريو الأساسي لاجتماع لجنة السياسة النقدية في 20 أغسطس هو تثبيت أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية، ليستقر سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، وسعر الإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسة عند 19.5%.

    وأوضح أن السبب الرئيس لذلك لا يتمثل في ضعف الاقتصاد أو غياب مبررات خفض الفائدة، وإنما في ارتفاع تكلفة المخاطرة المرتبطة بالتضخم في الوقت الراهن، بينما تمنح مؤشرات القطاع الخارجي البنك المركزي مساحة تسمح له بالانتظار.

    وأوضح شوقي أن البنك المركزي سيراقب بيانات التضخم خلال أغسطس وسبتمبر، وتطورات سعر الصرف، وتدفقات النقد الأجنبي، وأسعار الطاقة، والنشاط الاقتصادي قبل إعادة تقييم موقفه.

    وفي حال عاد التضخم إلى مسار هبوطي واضح، واستقرت سوق الصرف، واستمرت الاحتياطيات والتدفقات الأجنبية في التحسن، فقد يصبح خفض الفائدة مطروحًا في الاجتماعات التالية. أما إذا استمرت الضغوط التضخمية، أو ظهرت ضغوط جديدة على سعر الصرف أو أسعار الطاقة، فمن الممكن أن يطول أمد تثبيت أسعار الفائدة.

    قد يهمّك أيضًا: الدين العالمي عند 353 تريليون دولار.. هل تقترب أزمة جديدة؟