لم يعد ارتفاع الدين العالمي وحده المؤشر الأكثر إثارة للقلق في الاقتصاد الدولي، إذ تتزايد المخاطر مع ارتفاع تكلفة الاقتراض وتباطؤ النمو واستمرار الضغوط التضخمية، بالتزامن مع حاجة الحكومات والشركات إلى إعادة تمويل تريليونات الدولارات من الالتزامات المستحقة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، إن الخطر الحقيقي لا يرتبط بحجم الدين فقط، وإنما بقدرة الحكومات والشركات على تحمل تكلفة خدمته وإعادة تمويله إذا ظلت أسعار الفائدة مرتفعة أو تراجعت شهية المستثمرين للمخاطر.
وأوضح شوقي أن أحدث بيانات معهد التمويل الدولي تشير إلى وصول إجمالي الدين العالمي إلى نحو 353 تريليون دولار خلال الربع الأول من عام 2026، بما يعادل نحو 305% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
اقتراض جديد لسداد ديون قديمة
وأشار شوقي إلى أن ضخامة الدين ليست وحدها موضع القلق، إذ تتمثل المشكلة الأكثر حساسية في ارتفاع تكلفة التمويل مقارنة بفترة أسعار الفائدة المنخفضة التي استفادت خلالها الحكومات والشركات من الاقتراض الرخيص.
وأضاف أن المقترضين الذين حصلوا على تمويل بتكلفة منخفضة خلال السنوات الماضية يواجهون الآن استحقاقات يتعين إعادة تمويلها بأسعار أعلى، ما يؤدي تدريجيًا إلى زيادة مدفوعات الفائدة واستنزاف حصة أكبر من الإيرادات والتدفقات النقدية.
وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تحتاج الحكومات والشركات إلى اقتراض نحو 29 تريليون دولار من أسواق السندات خلال 2026، بزيادة تقارب 17% مقارنة بعام 2024.
ولفت شوقي إلى أن نحو 78% من اقتراض حكومات دول المنظمة سيذهب إلى إعادة تمويل ديون قائمة بالفعل، وليس إلى تمويل استثمارات جديدة، وهو ما يعكس حجم الضغوط المرتبطة بتجديد الالتزامات السابقة.
وأكد أن استمرار عوائد السندات عند مستويات مرتفعة يزيد من حساسية النظام المالي العالمي، لأن إعادة تمويل الديون القديمة بتكلفة أعلى ترفع تدريجيًا فاتورة خدمة الدين.
اقرأ المزيد حول: ارتفاع عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل ومخاوف الديون
الدول النامية تواجه ضغوطا أكبر
ويرى شوقي أن التحديات تصبح أكثر حدة في الاقتصادات النامية، بسبب محدودية الموارد المالية وارتفاع علاوات المخاطر وضعف قدرتها على امتصاص صدمات التمويل مقارنة بالاقتصادات المتقدمة.
وأشار إلى أن بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" تظهر وصول الدين العام للدول النامية إلى نحو 31 تريليون دولار خلال 2024، فيما بلغت مدفوعات الفوائد على الدين العام نحو 921 مليار دولار، وهو مستوى قياسي.
وأضاف أن الدين الخارجي للدول النامية بلغ نحو 11.7 تريليون دولار، موضحًا أن الدين العام والدين الخارجي يمثلان مؤشرين مختلفين، إلا أن كليهما يكشف عن تصاعد الضغوط المالية على تلك الاقتصادات.
وأكد أن الخطر يتزايد عندما تستحوذ مدفوعات الفوائد وخدمة الدين على نسبة متنامية من الموارد الحكومية، بما يقلص المساحة المتاحة للإنفاق على التعليم والصحة والبنية الأساسية والاستثمار وخلق فرص العمل.
الحاصل أنّ الاقتراض -وفقًا لشوقي- لا يمثل مشكلة في ذاته إذا جرى توجيهه إلى استثمارات ترفع الإنتاجية وتدعم النمو، لكن مخاطره تزداد عندما تُستخدم الديون في تمويل نفقات لا تولد عائدًا اقتصاديًا كافيًا لخدمة الالتزامات مستقبلا.

كيف تتحول صعوبة السيولة إلى أزمة ثقة؟
وأكد شوقي أن القدرة النظرية على سداد الدين لا تعني بالضرورة غياب المخاطر، إذ قد تكون دولة أو شركة قادرة على الوفاء بالتزاماتها على المدى الطويل، لكنها تواجه أزمة إذا تعذر عليها الحصول على السيولة اللازمة عند حلول آجال الاستحقاق.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الفائدة وتشدد شروط التمويل وتراجع شهية المستثمرين تجاه المخاطر يمكن أن يجعل تجديد الديون أكثر تكلفة أو صعوبة، خصوصًا بالنسبة للأسواق الناشئة.
وأشار إلى أن حركة تدفقات رؤوس الأموال تكشف هذه الحساسية، إذ سجلت الأسواق الناشئة صافي تدفقات داخلة بنحو 18.8 مليار دولار خلال يوليو 2026، بعد تدفقات خارجة بنحو 18 مليار دولار في يونيو ونحو 25.2 مليار دولار في مايو.
وأضاف أن التحسن الأخير جاء مدفوعًا بصورة رئيسة بالطلب على أدوات الدين، لكنه لا يلغي هشاشة الاعتماد على التدفقات قصيرة الأجل التي يمكن أن تغير اتجاهها سريعًا مع تحركات أسعار الفائدة أو الدولار أو المخاطر الجيوسياسية.
وأوضح أنّ المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما تتحول صعوبة إعادة التمويل إلى أزمة ثقة، إذ يبدأ المستثمرون في المطالبة بعوائد أعلى مقابل المخاطر، ما يؤدي إلى تراجع أسعار السندات وزيادة تكلفة الاقتراض، الأمر الذي يضغط بدوره على الموازنات والتدفقات النقدية، وقد تعزز مخاوف المستثمرين، لتتشكل دائرة تبدأ بضعف الثقة وتنتهي بمزيد من الضغوط على الدين والسيولة.
اقرأ أيضًا: تأثير الفراشة.. كيف تغيّر الأحداث الصغيرة مسار الاقتصاد العالمي؟
المخاطر تمتد إلى النظام المالي
وأوضح شوقي أن تداعيات ارتفاع الدين لا تقتصر على الحكومات والشركات المقترضة، لكنها قد تنتقل إلى البنوك وصناديق الاستثمار وشركات التأمين والمؤسسات المالية غير المصرفية التي تمتلك كميات كبيرة من أدوات الدين.
وأشار إلى تحذيرات بنك التسويات الدولية من تزايد الترابط بين الأوضاع المالية الحكومية والاستقرار المالي، بالتزامن مع ارتفاع الدين العام وتعاظم دور المؤسسات المالية غير المصرفية في أسواق السندات.
وأضاف أن أي ارتفاع حاد في العوائد أو انخفاض قوي في أسعار السندات قد يسبب خسائر للمؤسسات الحائزة لهذه الأصول، بما يسمح بانتقال الضغوط من سوق الدين إلى قطاعات أخرى داخل النظام المالي.
الفائدة تضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن استمرار الضغوط التضخمية يزيد صعوبة إدارة أزمة الدين، إذ تواجه البنوك المركزية معادلة دقيقة بين خفض التضخم وتجنب إحداث ضغوط مالية حادة على الحكومات والشركات والأسر.
وأوضح أن خفض أسعار الفائدة بسرعة قد يقلل تكلفة خدمة الدين ويدعم الاستثمار والنمو، لكنه قد يؤدي إلى عودة الضغوط التضخمية إذا جاء قبل التأكد من استقرار الأسعار.
وفي المقابل، فإن إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول يساعد على تثبيت توقعات التضخم، لكنه يزيد تكلفة الاقتراض ويضغط على المقترضين ويجعل إعادة التمويل أكثر كلفة.
وأكد شوقي أن السياسة النقدية أصبحت بذلك جزءًا أساسيا من معادلة استدامة الدين العالمي، ولم يعد قرار الفائدة مرتبطًا بالتضخم والنمو فقط.
اقرأ أيضًا: قرار الفيدرالي تثبيت الفائدة.. هل تأخر في مواجهة التضخم؟
هل العالم على أبواب أزمة مالية جديدة؟
وأكد شوقي أن المؤشرات الحالية لا تعني بالضرورة أن الاقتصاد العالمي يقف على أعتاب أزمة مالية شبيهة بأزمة 2008، كما لا تكفي مستويات الدين المرتفعة وحدها للجزم بحدوث أزمة عالمية جديدة.
كما شدد الخبير على أن البيانات تكشف درجة متزايدة من الهشاشة في منظومة التمويل الدولي، في ظل دين عالمي يبلغ نحو 353 تريليون دولار، واحتياجات ضخمة لإعادة التمويل، وتكلفة اقتراض مرتفعة، وضغوط تضخمية لم تختف بصورة نهائية.
وقال إن السؤال الأكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة لم يعد: “كم يبلغ حجم الدين العالمي؟” ، وإنما: “كم تبلغ تكلفة الحفاظ على هذا الدين، ومن يملك القدرة على إعادة تمويله إذا تغيرت شهية الأسواق؟”. واختتم شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن الأزمات المالية الكبرى لا تبدأ دائمًا عندما ينفد المال، ولكن تبدأ أحيانًا عندما تبدأ الأسواق في الشك”.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد العالمي في 2026.. تباطؤ التجارة وعودة شبح الحروب الجمركية
