تقارير اقتصادية

    إيران ترفع الراية البيضاء .. كيف خنق الحصار اقتصادها؟

    يواجه اقتصاد إيران ضغوطًا حادة مع استمرار الحصار البحري وتراجع صادرات النفط، بينما تتراكم الناقلات المحملة بالخام وتتعطل حركة التجارة. ومع ارتفاع التضخم وتراجع الريال وانكماش قطاعات النفط والصناعة، عرضت طهران إعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام مقابل تخفيف الضغط الأميركي ورفع الحصار عن موانئها.

    بقلم Onboarding Account••آخر تحديث •7 دقائق
    ناقلات النفط في مضيق هرمز وسط الحصار على إيران
    مئات السفن لا تزال عالقة في مضيق هرمز بسبب الاضطرابات

    اقتصاد إيران يواجه واحدة من أصعب أزماته منذ سنوات، بعدما تحولت أزمة مضيق هرمز والحصار البحري الأميركي إلى ضربة مباشرة لصادرات النفط والتجارة وتدفقات النقد الأجنبي.

    وفي أحدث تطور، أبلغ مسؤول إيراني رفيع وكالة رويترز أن طهران مستعدة لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام، إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية.

    وبحسب المسؤول، فإن المقترح الإيراني نُقل إلى واشنطن عبر وسطاء في 16 سبتمبر، ويتضمن مسارًا لإحياء المفاوضات وإنهاء الأعمال القتالية، في وقت تعاني فيه طهران من ضغوط اقتصادية متزايدة.

    هذا العرض يكشف حجم الأهمية الاقتصادية التي أصبح يمثلها المضيق بالنسبة لإيران نفسها؛ فالممر الذي استخدمته طهران كورقة ضغط في مواجهة خصومها تحول، مع استمرار الحصار، إلى نقطة اختناق لصادراتها النفطية وتدفقاتها التجارية.

    15 مليار دولار يوميًا

    وبحسب تقديرات البيت الأبيض، تصل الخسائر اليومية لإيران من الحصار البحري إلى نحو 15 مليار دولار.

    لكن لفهم حجم الرقم، يجب التمييز بين الخسائر المباشرة في الإيرادات النفطية وبين القيمة الأوسع للتجارة والإنتاج والنشاط الاقتصادي المتعطل.

    وتشير تقديرات أخرى منشورة خلال الأزمة إلى أن الحصار حرم طهران من مئات الملايين من الدولارات يوميًا من إيرادات النفط، بينما تراجعت قدرة البلاد على بيع الخام والوصول إلى الأسواق الخارجية، وتعرضت لواحدة من أشد العقوبات في التاريخ الحديث بعد إعلان الولايات المتحدة عن واحدة من أكثر العقوبات الاقتصادية إيلاما للاقتصاد الإيراني في إطار عملية "المنبوذ الاقتصادي" التي تهدف لقطع شريان الحياة المالي الحيوي للنظام الإيراني

    وتشمل الإجراءات شركات وسفنا مرتبطة بما تصفه واشنطن بـ"أسطول الظل" الإيراني في الإمارات وهونغ كونغ والصين وسنغافورة وسويسرا، إلى جانب تعليق تراخيص عامة كانت تسمح ببعض التحويلات المالية إلى إيران.

    عقوبات مشددة

    كما طالت العقوبات 60 كيانا وشخصا وسفينة مرتبطين بإيران في مجالات الطاقة النووية والصواريخ والنفط، في خطوة تقول وزارة الخزانة الأمريكية إنها جزء من حملة أوسع نطاقا تستهدف مصادر الإيرادات والأنشطة المرتبطة بطهران.

    وأوضحت الوزارة أن الإجراءات الأمريكية تستهدف إغلاق المسارات الاقتصادية أمام الدول التي تربطها مصالح بطهران، مع التلويح بتوسيع العزلة المالية لتشمل أي دولة تعمل، وفق التعبير الأمريكي، كشريان مالي لإيران.

    وقال وزير الخزانة حينها إن العقوبات تستهدف 5 شرايين حيوية قال إن إيران تستغلها في دول أخرى، وهي:

    الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب وقطاع الطيران والشحن البحري.

    وبالتالي، فإن الضربة لا تتوقف عند النفط الذي لا يتم تصديره، بل تمتد إلى العملة الأجنبية التي تحتاجها إيران لتمويل الواردات ودعم الاقتصاد المحلي.

    العقوبات على قطاع الطيران تدخل حيز التنفيذ

    ولا تقتصر العقوبات الأميركية على النفط والتجارة، بل تمتد إلى الطيران المدني الإيراني، مع دخول قيود جديدة حيز التنفيذ الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول.

    وفي 8 سبتمبر/أيلول، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 36 هدفًا مرتبطًا بقطاع الطيران الإيراني، بينها 27 شركة طيران، مع التلويح بعقوبات ثانوية على المطارات والشركات التي تقدم خدمات للناقلات الإيرانية.

    العقوبات الأمريكية على قطاع الطيران الإيراني تدخل حيز التنفيذ

    وتطال القيود أربع خدمات أساسية: تزويد الطائرات بالوقود، وخدمات الهبوط والمناولة، وبيع التذاكر، والصيانة وقطع الغيار.

    والأخطر أن الجهات التي تتعامل مع الطيران الإيراني قد تواجه بدورها عقوبات تحرمها من الوصول إلى النظام المالي الدولي واستخدام الدولار، ما يزيد عزلة شركات الطيران الإيرانية.

    ويأتي ذلك بعد تضرر نحو 100 طائرة إيرانية، بعضها بشكل كامل، خلال الحرب بين 28 فبراير/شباط و8 أبريل/نيسان، وفق تصريحات وزيرة الطرق والتنمية الحضرية الإيرانية فرزانه صادق.

    وبذلك تجد طهران نفسها أمام ضغط متزامن على النفط والتجارة والطيران، في وقت تتزايد فيه صعوبة إبقاء اقتصادها متصلًا بالعالم الخارجي.

    النفط.. من مليوني برميل

    أكبر مؤشر على حجم الأزمة يظهر في صادرات النفط.

    فإيران كانت تصدر نحو مليوني برميل يوميًا في مارس، لكن تقديرات شركات تتبع الناقلات أظهرت أن تحميلات الخام والمكثفات تراجعت إلى نحو 220 ألفًا إلى 255 ألف برميل يوميًا في أغسطس.

    أي أن الصادرات انخفضت بأكثر من 85% مقارنة بمستويات مارس.

    وهذا الانخفاض مهم للغاية بالنسبة لاقتصاد إيران، لأن النفط يمثل أحد أهم مصادر العملة الأجنبية وتمويل الموازنة.

    اقرأ أيضا: ما بعد الحرب الأمريكية مع إيران.. 10 مطالب تعيد رسم المنطقة

    وعندما تتوقف الناقلات عن نقل الخام، لا تخسر طهران عائدات البيع فقط، بل تواجه أيضًا صعوبة أكبر في الحصول على الدولار والعملات الأجنبية اللازمة لشراء السلع والمكونات والمواد التي تحتاجها الصناعة والأسواق المحلية.

    ناقلات النفط عالقة

    وتظهر أزمة التصدير أيضًا في حجم النفط الموجود على متن الناقلات.

    وبحسب بيانات نقلتها مصادر متخصصة في تتبع حركة السفن، كانت عشرات الناقلات الإيرانية عالقة في محيط مضيق هرمز، بينما تراكمت كميات ضخمة من الخام في البحر وفي منشآت التخزين العائمة.

    وأفادت بيانات حديثة بأن 29 ناقلة كانت تحمل نحو 36.11 مليون برميل من الخام عالقة في المضيق، بينما قدرت شركة Vortexa إجمالي الخام الإيراني الموجود على متن الناقلات بنحو 107 ملايين برميل في أواخر أغسطس، بعدما كان نحو 135 مليون برميل في نهاية يوليو.

    وهذا يعني أن المشكلة لم تعد فقط في قدرة إيران على إنتاج النفط، بل في قدرتها على نقل النفط وبيعه وتحصيل عائداته.

    النفط موجود.. لكن لا يصل

    المفارقة أن إيران تمتلك ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم، لكنها تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا متزايدة على إمدادات الوقود داخل البلاد.

    والسبب أن امتلاك النفط الخام لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تحويله بسرعة إلى وقود يصل إلى المستهلك.

    إيران تعاني من قيود على التجارة والاستيراد، كما أن قدرتها على تكرير النفط ليست كافية لتغطية كل احتياجات السوق المحلية، ما يجعلها تعتمد أيضًا على استيراد بعض المنتجات النفطية.

    وتشير بيانات حديثة إلى أن اضطراب التجارة أدى إلى تفاقم نقص البنزين، بينما اضطرت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات للحد من الطلب على الوقود.

    وهنا تصبح الأزمة أكثر تعقيدًا: البلد المنتج للنفط يملك الخام، لكنه يواجه صعوبات في نقله وتكريره وتوفير الوقود لجميع قطاعات الاقتصاد.

    الاقتصاد يدخل الانكماش

    الضغط على قطاع الطاقة بدأ ينعكس على الاقتصاد الإيراني بأكمله.

    فبيانات رسمية نقلتها تقارير حديثة أظهرت انكماش الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بنسبة 10.1% على أساس سنوي خلال الربع الأول من السنة الفارسية، بينما انكمش قطاع النفط والغاز بنسبة 26.4%.

    كما تراجع قطاع الصناعة والتعدين بنسبة 14.7%، وانخفض التصنيع بنسبة 2.5%.

    اقرأ أيضا: بعد رفض رسوم إيران.. هل أحكمت أمريكا قبضتها على مضيق هرمز؟

    هذه الأرقام توضح أن تأثير الحصار لم يعد محصورًا في قطاع النفط.

    عندما تتراجع صادرات الطاقة، تتقلص العملة الأجنبية، ثم ترتفع تكلفة الاستيراد، وتتأثر المصانع التي تحتاج إلى مواد أولية ومكونات من الخارج، قبل أن ينتقل الضغط إلى الأسواق والمستهلكين.

    المصانع تعاني من النقص

    وتظهر مؤشرات النشاط الصناعي الأخيرة حجم المشكلة.

    فبحسب مسح لغرفة التجارة الإيرانية، تراجع مؤشر مخزونات المواد الخام لدى الشركات الصناعية إلى 39.3 نقطة في أغسطس، مقابل نحو 44.5 نقطة في يوليو.

    كما انخفض مؤشر مديري المشتريات للاقتصاد ككل إلى 46.9 نقطة، وهي قراءة تشير إلى انكماش النشاط عندما تكون دون مستوى 50 نقطة.

    وهذا يعني أن الشركات لا تواجه فقط مشكلة في بيع منتجاتها، بل تواجه أيضًا مشكلة في تأمين المواد الخام اللازمة لاستمرار الإنتاج.

    التضخم يضغط على الإيرانيين

    الضغط الاقتصادي انعكس كذلك على الأسعار وسعر صرف العملة.

    وبحسب بيانات حديثة، بلغ متوسط التضخم السنوي في إيران نحو 69.9%، بينما سجلت أسعار الأغذية والمشروبات والتبغ ارتفاعات أكبر.

    وفي الوقت نفسه، تراجع الريال الإيراني إلى أكثر من 2.2 مليون ريال مقابل الدولار في أوائل سبتمبر، مقارنة بنحو مليون ريال للدولار قبل عام.

    وهذا يعني أن المواطن الإيراني يواجه ضربة مزدوجة: ارتفاع أسعار السلع من جهة، وتراجع القوة الشرائية للعملة المحلية من جهة أخرى.

    هرمز أصبح ضرورة

    لهذا تأتي أهمية العرض الإيراني الأخير بفتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام.

    فطهران لا تتحدث فقط عن فتح ممر ملاحي عالمي، بل تربط ذلك بإعادة فتح موانئها وتخفيف الضغط العسكري الأميركي، بما يسمح بعودة التجارة وتصدير النفط.

    وبحسب المسؤول الإيراني الذي تحدث إلى رويترز، فإن إيران مستعدة للمضي في هذا المسار إذا اتخذت واشنطن خطوات ملموسة باتجاه الدبلوماسية وخفض الضغط العسكري.

    اقتصاديًا، إعادة فتح الممر ستمنح إيران فرصة لاستعادة جزء من صادراتها، وتحريك الناقلات العالقة، وتوفير العملة الأجنبية، وإعادة تشغيل جزء من سلاسل التجارة التي تعطلت خلال الأشهر الماضية.

    ورقة ضغط انقلبت على طهران

    على مدى أشهر، كان مضيق هرمز ورقة استراتيجية في يد إيران، نظرًا إلى أهميته بالنسبة لتجارة النفط العالمية.

    لكن استمرار إغلاقه أو تعطيل الحركة فيه لا يضغط على الخارج فقط؛ بل يضرب الاقتصاد الإيراني نفسه.

    فإيران تحتاج إلى المضيق لتصدير جزء كبير من نفطها، كما تحتاج موانئها الجنوبية لاستقبال السلع والمواد الخام والوقود.

    ولهذا فإن استمرار الحصار يعني استمرار الاختناق في مصدر رئيسي للعملة الأجنبية، بينما تؤدي صعوبة الاستيراد إلى الضغط على المصانع والأسواق والمستهلكين.

    الأزمة في أرقام

    • 15 مليار دولار خسائر يومية وفق تقديرات البيت الأبيض بسبب الحصار البحري فقط.

    • 300 مليار دولار التكلفة المباشرة للحرب بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي.

    • 200 ألف برميل يوميًا تقريبًا من صادرات النفط مقارنة بنحو 2 مليون برميل قبل التصعيد، مع تقديرات أغسطس التي وضعت الخام والمكثفات عند 220–255 ألف برميل يوميًا.

    • عشرات الناقلات عالقة في المنطقة، بينها 29 ناقلة تحمل أكثر من 36 مليون برميل وفق بيانات نقلتها مصادر متخصصة.

    • 10.1% انكماش الاقتصاد الإيراني في الربع الأول من السنة الفارسية.

    • 26.4% انكماش قطاع النفط والغاز.

    • 69.9% متوسط التضخم السنوي.

    هذه الأرقام تفسر لماذا أصبح فتح الممرات البحرية وعودة صادرات النفط جزءًا أساسيًا من أي مسار تفاوضي لإنهاء الأزمة.

    وفي النهاية، فإن العرض الإيراني بفتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام، إذا حصلت طهران على تخفيف للضغط العسكري ورفع الحصار عن موانئها، يكشف أن المعركة لم تعد عسكرية فقط.

    إنها أيضًا معركة على النفط، والعملات الأجنبية، والتجارة، والإنتاج، والقدرة على تمويل الاقتصاد.

    وكلما طال الحصار، أصبحت تكلفة تعطيل صادرات إيران وتجارتها أكبر على اقتصاد يعاني أصلًا من التضخم وتراجع العملة وانكماش قطاع الطاقة والصناعة.

    اقرأ أيضا: نفط إيران يضع الصين أمام اختبار العقوبات الأمريكية