تقارير خاصة

    نفط إيران يضع الصين أمام اختبار العقوبات الأمريكية

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •5 دقائق
    العقوبات الأمريكية على نفط إيران

    تضع العقوبات الأمريكية على إيران، العلاقات بين واشنطن وبكين أمام اختبار جديد، مع توسع الإجراءات الأمريكية لتشمل العقوبات الثانوية على الجهات والشركات الأجنبية التي تواصل التعامل مع طهران، خاصة في تجارة النفط والتمويل والشحن.

    وتبرز الصين باعتبارها الطرف الأكثر تأثيرا في مدى نجاح هذه السياسة، خاصة مع استحواذها على الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية، بينما تتجنب واشنطن حتى الآن الدخول في مواجهة مباشرة مع المؤسسات الصينية الكبرى.

    العقوبات الأمريكية لم تعد تستهدف إيران وحدها

    وقال الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، إن العقوبات الأمريكية على إيران لم تعد تقتصر على طهران، وإنما تمتد إلى الدول والشركات التي تتعامل معها، وفي مقدمتها الصين، خاصة في تجارة النفط.

    وأوضح أن الصين تعتمد بصورة كبيرة على النفط القادم من المنطقة، كما تستورد الجزء الأكبر من النفط الإيراني، وبالتالي فإن تشديد القيود الأمريكية على صادرات طهران يوجه ضغوطًا مباشرة إلى بكين أيضًا.

    وأضاف أن الإجراءات الجديدة تندرج ضمن ما يعرف بـ"العقوبات الثانوية" ، التي تستهدف الجهات المتعاملة مع إيران، باعتبارها إحدى أدوات الضغط المستخدمة لدفع طهران إلى تقديم تنازلات والعودة إلى طاولة المفاوضات.

    واشنطن تتجنب حربًا تجارية شاملة مع الصين

    وأشار الشوربجي إلى أن تطبيق العقوبات على الصين يواجه تعقيدات كبيرة، في ظل المصالح الاقتصادية المتبادلة بين واشنطن وبكين.

    ورجح أن تلجأ الولايات المتحدة إلى استهداف شركات أو بنوك محددة، بدلًا من فرض إجراءات واسعة يمكن أن تدفع البلدين إلى حرب تجارية شاملة.

    وأكد أن الصين تمتلك في المقابل أوراق ضغط، من بينها المعادن النادرة التي تدخل في صناعات أمريكية أساسية وعسكرية، ما يعني أن أي تصعيد متبادل يمكن أن يفرض تكاليف على الجانبين.

    البنوك الصينية تمثل تحديًا للعقوبات

    وأوضح الشوربجي أن قدرة واشنطن على الضغط تختلف من بنك صيني إلى آخر، إذ يمكن للبنوك التي تتعامل بالدولار أن تتعرض للعزل أو القيود الأميركية، بينما تستطيع بعض البنوك الخاصة والصغيرة التي لا تعتمد على الدولار مواصلة تعاملات معينة مع إيران.

    وأضاف أن تعدد الشبكات المصرفية والوسطاء يجعل فرض العقوبات بصورة شاملة أكثر صعوبة.

    كما تواجه مراقبة تجارة النفط الإيرانية تحديات بسبب شبكات الشحن والوسطاء وإعادة تصنيف بعض الشحنات باعتبارها قادمة من مصادر أخرى، ما يعني أن توسيع العقوبات قد يضطر واشنطن إلى استهداف عدد أكبر من الشركات والجهات.

    اقرأ أيضًا: العقوبات الاقتصادية على إيران.. 5 أدوات لحصار طهران

    العقوبات الأمريكية على إيران

    العقوبات قد تشجع التعامل بعيدًا عن الدولار

    وأشار الشوربجي إلى أن استمرار استخدام العقوبات الأمريكية يمكن أن يدفع الصين وروسيا وإيران إلى توسيع معاملاتها خارج نطاق الدولار، وزيادة استخدام العملات البديلة والتعاملات المباشرة بينها، بهدف الحد من تأثرها بالنظام المالي الأميركي.

    وأكد أن الصين، رغم رفضها الضغوط الأمريكية، لا تستفيد من استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، نظرًا إلى اعتمادها على واردات النفط من المنطقة.

    وقال إن بكين تحاول الحفاظ على موقف متوازن؛ فلا تريد التخلي عن إيران اقتصاديًا، وفي الوقت نفسه لا ترغب في استمرار الحرب أو اضطراب تدفقات الطاقة.

    الحرب في الشرق الأوسط تشغل واشنطن عن آسيا

    وأوضح الشوربجي أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط يمكن أن يخدم الصين من زاوية إبقاء جزء من القدرات والاهتمام الأمريكي بعيدًا عن منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

    وأشار إلى أن الملف الإيراني مرشح لأن يكون حاضرًا في المباحثات الأمريكية الصينية، حيث قد تستخدم واشنطن العقوبات كورقة ضغط على بكين، بينما تحاول الصين الحفاظ على علاقاتها مع طهران دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

    كيف تؤثر العقوبات الأمريكية على سلسلة التمويل؟

    من جانبها، قالت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، إن العقوبات الجديدة تختلف عن الجولات السابقة لأنها لا تستهدف صادرات النفط الإيراني وحدها، وإنما تشمل شبكة واسعة من التعاملات المرتبطة بالاقتصاد الإيراني.

    وأوضحت أن الإجراءات تمتد إلى التأمين والشحن وتصدير واستيراد النفط، إلى جانب الذهب والعملات المشفرة والأصول الرقمية، بما يعني استهداف سلسلة مترابطة تبدأ من إنتاج النفط وتمتد إلى نقله وتمويله ووصوله إلى المستهلك النهائي.

    وأضافت أن هذه الطبيعة المتشابكة تجعل تنفيذ العقوبات أكثر تعقيدًا، لأنها لا تستهدف قطاعًا منفردًا، وإنما شبكة كاملة من العلاقات التجارية والمالية.

    الصين تمسك بالمفتاح الحقيقي

    وأكدت خضر أن الصين تمثل العامل الأكثر أهمية في تحديد مدى فعالية العقوبات، في ظل توجه نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية إلى السوق الصينية.

    وقالت إن المفتاح الحقيقي بيد الصين، لأن نجاح الإجراءات الأمريكية يتوقف بدرجة كبيرة على مدى تجاوب بكين معها.

    وأشارت إلى أن الصين أعلنت تمسكها بالقانون الدولي ورفضها العقوبات التي تعتبرها مخالفة له، ما يجعل موقفها عنصرًا حاسمًا في تحديد قدرة واشنطن على تنفيذ الإجراءات بالشكل المستهدف.

    اقرأ أيضًا: العقوبات الأمريكية على إيران.. هل تدفع طهران للتراجع؟

    لماذا لم تستهدف واشنطن المؤسسات الصينية الكبرى؟

    وأوضحت خضر أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على بعض الشركات الصينية الصغيرة، لكنها لم تمتد حتى الآن إلى المؤسسات المالية الصينية الكبرى.

    ورأت أن ذلك يعكس حساسية العلاقة بين البلدين، خاصة مع وجود توترات تجارية قائمة، وعدم حاجة أي منهما إلى إضافة مواجهة جديدة.

    وأكدت أن تحقيق العقوبات نتائج أكبر يحتاج إلى تعاون شركاء إيران الرئيسيين، وفي مقدمتهم الصين وروسيا، مشيرة إلى أن روسيا تخضع بدورها لعقوبات غربية وأمريكية، ما يزيد من أهمية الموقف الصيني.

    تفاهمات محتملة بعيدًا عن العلن

    ورجحت خضر إمكانية حدوث نوع من التقارب أو التفاهم بين واشنطن وبكين بشأن التعامل مع الملف الإيراني، لكن من دون أن يظهر ذلك بالضرورة في التصريحات الرسمية أو أمام وسائل الإعلام.

    وأوضحت أن طبيعة العلاقات الاقتصادية بين البلدين قد تدفعهما إلى إدارة الخلاف بدلًا من الانتقال إلى مواجهة مباشرة.

    وأشارت خضر إلى أن توسيع العقوبات لتشمل الذهب والأصول الرقمية والعملات المشفرة يرتبط بمحاولة إغلاق قنوات التمويل البديلة أمام إيران.

    وأوضحت أن طهران استخدمت في فترات مختلفة التعامل بعملات محلية، من بينها اليوان الصيني، إلى جانب المقايضة بالذهب والاستفادة من العملات المشفرة والأصول الرقمية.

    وأكدت أن الهدف لا يقتصر على الضغط على صادرات النفط، وإنما يمتد إلى تضييق مختلف قنوات التمويل التي تستطيع إيران استخدامها.

    آلية التنفيذ هي الاختبار الحقيقي

    وقالت خضر إن تشديد القيود على النفط والذهب والأصول الرقمية ومصادر التمويل سيزيد الضغوط على الاقتصاد الإيراني، خاصة في ظل تراجع العملة وارتفاع التضخم.

    لكنها شددت على أن الاختبار الأساسي سيظل في قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ العقوبات بالصورة المعلنة، وما إذا كانت ستظهر استثناءات أو ثغرات تقلل من تأثيرها.

    واتفق الخبيران على أن الصين تظل العنصر الأكثر حساسية في المعادلة؛ فكلما استمرت بكين في شراء النفط الإيراني والحفاظ على قنوات التعامل مع طهران، أصبحت قدرة واشنطن على تحقيق أهداف العقوبات أكثر تعقيدًا، بينما يظل احتمال المواجهة الاقتصادية الشاملة بين الولايات المتحدة والصين مستبعدًا في ظل تشابك مصالح الطرفين.

    قد يهمّك أيضًا: عملية المنبوذ الاقتصادي.. خطة أمريكا لخنق اقتصاد إيران