تدخل العقوبات الأمريكية على إيران مرحلة جديدة من التصعيد، مع استعداد الولايات المتحدة لإطلاق حملة اقتصادية واسعة ضد طهران، وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها ستكون "أشد عملية اقتصادية تُتخذ ضد أي دولة على الإطلاق"، وذلك في ظل تعثر الجهود الرامية إلى إعادة فتح مضيق هرمز والتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب المستمرة منذ نحو ستة أشهر.
وقال الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، إن الحصار الاقتصادي الذي تتجه الولايات المتحدة إلى فرضه على إيران يوسع نطاق الضغوط على طهران، في ظل تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض عواقب اقتصادية على أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها بتوفير شريان اقتصادي لإيران.
وأوضح سلامة أن السؤال الأساسي في المرحلة الحالية يتعلق بمدى قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل موجة أكثر اتساعًا من العقوبات، وما إذا كانت الضغوط الاقتصادية يمكن أن تحقق ما لم تتمكن الحرب والمواجهة العسكرية من تحقيقه.
هل يصمد “اقتصاد المقاومة” أمام العقوبات الأمريكية؟
وأشار سلامة إلى أن إيران اعتمدت تاريخيًا في مواجهة العقوبات على عدة بدائل، أبرزها الاستفادة من دول الجوار بوصفها منافذ اقتصادية، وتعزيز الاقتصاد المحلي والاعتماد على الذات، فضلًا عن توظيف علاقاتها مع حلفائها للتخفيف من آثار العقوبات.
وأضاف أن إيران تتحدث منذ عقود عن مفهوم "اقتصاد الصمود" أو "اقتصاد المقاومة"، إلا أن الظروف الحالية تثير تساؤلات حول قدرة هذا النموذج على الاستمرار في مواجهة العقوبات الجديدة، في ظل المؤشرات الاقتصادية الراهنة.
وأوضح أن قدرة إيران على الصمود لا يمكن قياسها بمجرد توافر الغذاء للمواطنين، فالأثر يمتد إلى قطاعات التجارة والتكنولوجيا والطيران والطاقة والتمويل، إضافة إلى فرص العمل ومستويات المعيشة وتطلعات المواطنين، ما يجعل تقييم تداعيات العقوبات مرتبطًا بمجمل هذه الجوانب.
كما لفت إلى أن العقوبات الجديدة تُطرح باعتبارها الأوسع نطاقًا منذ عقود، إذ تشمل استهداف الموانئ والمطارات، إلى جانب الدول والشركات المتعاملة مع إيران، فضلًا عن تشديد الرقابة على مختلف وسائل التحويل المالي، بما في ذلك العملات الرقمية.
كما أشار إلى أن العقوبات يمكن أن تؤثر على قطاع النفط، في ظل توقف جزء من عمليات تكرير النفط ونقله نتيجة نقص التكنولوجيا وعدم وصول المعدات، وهو ما ينعكس على المصافي وتوريد النفط.
اقرأ أيضًا: لماذا لم ينقذ النفط اقتصاد إيران من أزماته؟
التذمر الداخلي وإدارة الأزمات
وأشار سلامة إلى أن الحديث عن اقتصاد المقاومة يواجه أيضًا تحديات داخلية مرتبطة بقدرة المواطنين على تحمل الأوضاع الاقتصادية، خاصة في ظل وجود احتجاجات سابقة مرتبطة بالضغوط المعيشية والاقتصادية.
وأوضح أن تصريحات عدد من المسؤولين الإيرانيين بشأن العقوبات والأوضاع الاقتصادية تشير إلى وجود حالة ضاغطة داخل الاقتصاد الإيراني، خاصة وأنّ هُناك خلافات داخلية بشأن كيفية إدارة الملف الاقتصادي، في ظل الحديث عن مطالبة الرئيس الإيراني بالحوار والدبلوماسية، إلى جانب انتقادات مرتبطة بغياب خطة اقتصادية قادرة على النهوض بالاقتصاد.
وقال سلامة إن المشكلات التي تواجه الاقتصاد الإيراني لا ترتبط بالعقوبات وحدها، إذ يمثل الفساد وسوء الإدارة أحد الأسباب الرئيسة للمشكلات الاقتصادية، ما يجعل الأزمة الاقتصادية ناتجة عن مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية معا.
وفي سياق متصل، يرى سلامة أن تداعيات الضغوط الاقتصادية على إيران لن تقتصر على الداخل الإيراني، بل قد تمتد إلى ملفات إقليمية مرتبطة بالعراق واليمن ولبنان، في حين يزيد استمرار التوتر في مضيق هرمز والتهديدات التي تواجه الملاحة البحرية من تعقيد المشهد، إذ يدفعان الدول إلى إعادة حساباتها بما يتوافق مع مصالحها الاقتصادية وأمن حركة التجارة.
قد يهمّك أيضًا: كيف أثر انتهاء الهدنة الأمريكية الإيرانية على أسعار النفط؟
حسابات الحلفاء بين سوق طهران والعقوبات الثانوية
وبالنسبة للرهان على الحلفاء، يرى سلامة أنه يظل أحد الخيارات المتاحة أمام طهران، إلا أن الدول تتحرك في نهاية المطاف وفقًا لمصالحها، ولا يمكن الافتراض أن جميع حلفاء إيران سيخوضون مواجهة اقتصادية مفتوحة مع الولايات المتحدة من أجل دعم الاقتصاد الإيراني.
وفي هذا السياق، يشير إلى أن الصين تُعد من أبرز الشركاء القادرين على مواصلة التعامل الاقتصادي مع إيران، وأن الشركات والمصارف الصينية ليست ملزمة قانونيًا بالامتثال للعقوبات الأمريكية، فيما تواصل روسيا تعاونها مع طهران، إلى جانب استمرار العلاقات مع عدد من دول الجوار.
ويضيف أن الرهان على الصين وروسيا يتطلب قراءة واقعية؛ فالصين قد تقدم دعمًا سياسيًا أو تتخذ مواقف داعمة داخل المؤسسات الدولية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة استعدادها للمجازفة بمصالحها الاقتصادية على نطاق واسع من أجل إيران.
ويوضح سلامة أن العقوبات الأمريكية ليست جديدة بالكامل، إذ سبق لواشنطن أن فرضت إجراءات مماثلة في مراحل سابقة، إلا أن المستجد يتمثل في اتساع نطاقها ليشمل المؤسسات المالية والشركات والمطارات، فضلًا عن مختلف الجهات التي يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد الإيراني.
ويشير إلى أن هذا الواقع يضع الدول والشركات أمام معادلة معقدة، تتمثل في الموازنة بين مصالحها في السوق الإيرانية وعلاقاتها الاقتصادية مع السوق الأمريكية، وما قد يترتب على تحدي العقوبات الأمريكية من تبعات اقتصادية.
ويؤكد سلامة أن الخطاب الإيراني الرسمي يشدد على أن إنقاذ الاقتصاد مسؤولية الإيرانيين أنفسهم، وأن طهران تعول بالدرجة الأولى على قدراتها الذاتية والمصالح المشتركة مع الدول الأخرى، أكثر من اعتمادها على تدخل مباشر من أي حليف لإنقاذ اقتصادها.

متى يظهر تأثير الحصار الاقتصادي على إيران؟
وأشار سلامة إلى أنّ الرئيس الأمريكي تحدث عن إمكانية العودة إلى الضربات إذا لم تحقق العقوبات التأثير المطلوب في تغيير الموقف الإيراني، وهو سيناريو يحمل مخاطر إضافية على الشعب الإيراني وعلى استقرار المنطقة.
وأكد أن العقوبات الاقتصادية والحصار المالي لا تظهر نتائجهما خلال يوم أو يومين أو أسبوع أو أسبوعين، وإنما تحتاج إلى فترة زمنية حتى تتضح آثارها، فعامل الوقت يمثل عنصرًا رئيسًا في هذه المواجهة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تمتلك قدرة أكبر على الانتظار مقارنة بالجانب الإيراني.
وأوضح أن إيران، حتى قبل تطبيق العقوبات الجديدة، كانت تطالب برفع العقوبات وتبدي استعدادًا لتقديم تنازلات في سبيل ذلك، وهو ما يُستخدم كدليل على وجود تأثير فعلي للعقوبات القائمة.
وقال سلامة إن الإدارة الأمريكية تنتظر في الوقت الراهن معرفة الاتجاه الذي ستختاره طهران، وما إذا كانت ستذهب إلى تصعيد جديد أو تقدم تغييرًا في موقفها السياسي.
وأضاف أن التغييرات التي جرت داخل هيكل القيادة الإيرانية يمكن النظر إليها باعتبارها محاولة لتسهيل عملية اتخاذ القرار، سواء اتجه القرار لاحقًا إلى التصعيد أو إلى مسار آخر.
وأكد سلامة أن المرحلة المقبلة ستحدد بصورة أوضح مدى قدرة إيران على الصمود أمام تشديد المنافذ المالية والتجارية وارتفاع الأسعار والتضخم وضغوط العملة، ومدى قدرتها على الاعتماد على إمكاناتها المحلية وعلاقاتها الخارجية لمواجهة الحصار الجديد.
اقرأ أيضًا: العقوبات الاقتصادية على إيران.. 5 أدوات لحصار طهران
