ارتفعت أسعار النفط خلال تعاملات اليوم الثلاثاء، مدفوعة بتزايد المخاوف بشأن مستقبل إمدادات الطاقة، مع تراجع احتمالات التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب في الشرق الأوسط وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
وجاء صعود الأسعار بعدما أعلنت طهران اتجاهها إلى تبني موقف عسكري أكثر هجومية، بالتزامن مع استبعاد واشنطن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، ما أعاد المخاطر الجيوسياسية إلى صدارة العوامل المؤثرة في أسواق الطاقة.
وقال مسؤول إيراني كبير أمس، الاثنين، إن إيران ستنتقل إلى وضع عسكري هجومي بالكامل، في ظل تعثر الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب بصورة دائمة، وهو ما تزامن مع تراجع التوقعات بشأن الوصول إلى تهدئة قريبة.
خام برنت يتجاوز 91 دولاراً والغرب تكساس يتصاعد
ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 62 سنتًا، بما يعادل 0.7%، لتصل إلى 91.49 دولار للبرميل، بعدما صعد الخام خلال تعاملات الاثنين إلى أعلى مستوياته منذ 30 يوليو.
كما ارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 75 سنتًا إلى 85.25 دولار للبرميل، بعدما تجاوزت مكاسبه في وقت سابق من الجلسة 1%، ليصل إلى 85.37 دولار، وهو أعلى مستوى منذ 31 يوليو.
وتعكس تحركات الخامين استمرار حساسية أسواق النفط لأي تطورات سياسية أو عسكرية يمكن أن تؤثر في إمدادات منطقة الخليج أو حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
اقرأ أيضًا: هل أصبح خط سوميد حبل النجاة لأسواق النفط العالمية؟
سوق النفط أمام مسارين
وقالت حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية، إن انتهاء مهلة الستين يومًا بين الولايات المتحدة وإيران دون التوصل إلى اتفاق لا يعني بالضرورة انتهاء المسار الدبلوماسي، لكنه قد يدفع الأزمة إلى مرحلة أكثر خطورة، خصوصًا إذا استمرت حالة "اللا حرب واللا سلم" مع بقاء مضيق هرمز مغلقًا أو استمرار تعطل حركة الملاحة عبره.
وأضافت أن استمرار هذه الأوضاع سيكون له تأثير مباشر على أسعار النفط العالمية، في ظل حساسية الأسواق لأي تطورات تمس إمدادات الطاقة القادمة من الخليج.
وأوضحت أن تحركات الأسعار خلال الفترة المقبلة يمكن أن تسير في مسارين رئيسين؛ الأول يقوم على استمرار التوتر والمناوشات دون توقف كامل للإمدادات، وفي هذه الحالة قد تتحرك أسعار الخام بين 80 و95 دولارًا للبرميل، مع إمكانية تجاوز مستوى 100 دولار إذا شهدت المنطقة تصعيدًا حادًا.
أما المسار الثاني، والذي وصفته رمسيس بأنه الأكثر خطورة، فيتمثل في سيناريو الصدمة، حال حدوث توقف كامل لإمدادات النفط من الخليج بالتزامن مع إغلاق كامل لمضيق هرمز، وفي حال تحقق هذا السيناريو فقد يتجاوز سعر البرميل 120 دولارًا نتيجة فقدان جزء كبير من الإمدادات التي تعتمد عليها الأسواق العالمية.
علاوة عى ذلك، أشارت رمسيس إلى أن الضغوط لا ترتبط بالتوترات الجيوسياسية وحدها، وإنما تتزامن مع تراجع المخزونات لدى عدد من الدول واقترابها من مستويات حرجة، موضحة أن الاحتياطيات الاستراتيجية يمكن أن تساعد في مواجهة اضطرابات مؤقتة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل تدفقات الإمدادات الطبيعية لفترات طويلة.
21 مليون برميل يومياً من الخليج تحت التهديد
ولفتت رمسيس إلى أن نحو 21 مليون برميل من النفط والمنتجات البترولية ترتبط بالإمدادات الخارجة من منطقة الخليج، منها نحو 15 مليون برميل من النفط الخام، وما يتراوح بين 5 و6 ملايين برميل من المنتجات البترولية، وتوقف هذه التدفقات لفترة ممتدة سيكون من الصعب تعويضه سريعًا من مصادر أخرى، وهو ما قد يضاعف الضغوط على الأسعار.
وأضافت أن التداعيات لن تقتصر على النفط، وإنما يمكن أن تمتد إلى أسواق الغاز والمواد الخام المستخدمة في عدد من الصناعات، ومنها اليوريا والكبريت المرتبطان بصناعة الأسمدة، بما قد يرفع تكاليف الطاقة والإنتاج ويؤثر في قطاعات صناعية وزراعية مختلفة.
اقرأ أيضًا: خطة لتطوير صادرات النفط العراقي وتفادي مضيق هرمز
المسار الدبلوماسي مفتاح تهدئة الأسواق
وشدّدت رمسيس على أن العودة إلى مسار دبلوماسي وظهور مؤشرات واضحة على التهدئة من شأنهما خفض مستوى القلق داخل أسواق الطاقة ودعم استقرار الأسعار.
وأكدت أن استمرار غياب الاتفاق، بالتزامن مع المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، سيبقي أسعار النفط عرضة لمزيد من التقلبات، بينما يظل الإغلاق الكامل للمضيق أو توقف واسع لإمدادات الخليج السيناريو الأكثر خطورة.

المخاوف الجيوسياسية وراء صعود النفط
من جانبه، قال ياسين أحمد، خبير أسواق النفط، إن الارتفاع الحالي في الأسعار يرجع بصورة أساسية إلى المخاوف الجيوسياسية التي تسيطر على الأسواق، في ظل استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران والتطورات المتعلقة بحركة الملاحة في مضيق هرمز.
وأوضح أحمد أن صعود خام برنت إلى مستويات تتجاوز 91 دولارًا لا يرتبط أساسًا بتغيرات جوهرية في عوامل العرض والطلب، بقدر ارتباطه بحالة القلق التي تسيطر على المستثمرين والمتعاملين.
وأشار إلى أن التصريحات والتهديدات السياسية دعمت الأسعار خلال الفترة الأخيرة، إلا أن تأثير حرب التصريحات يظل محدودًا نسبيًا طالما لم تتحول إلى تطورات عسكرية فعلية على الأرض.
وأضاف أن أحد أبرز مصادر القلق في السوق يتمثل في انتهاء المهلة، وعدم تجديدها أو صدور مؤشرات تمهد لتمديدها أو الوصول إلى ترتيبات جديدة بين الطرفين.
اقرأ أيضًا: لماذا قفزت أسعار الغاز وتماسك النفط رغم الحرب؟
توقعات أسعار النفط
وأكد خبير أسواق النفط أن التحركات الحالية تعتمد بدرجة كبيرة على معنويات المستثمرين ومخاوفهم، وليس على تغير جوهري في أساسيات سوق النفط. وتوقع أن تتراجع حدة هذه المخاوف تدريجيًا، وأن تعود الأسعار إلى نطاق يتراوح بين 85 و90 دولارًا للبرميل، بشرط عدم وقوع تطورات جيوسياسية جديدة على الأرض.
ومن ناحية أخرى، أوضح أحمد أن الأسواق تمر حاليًا بذروة موسم الإجازات، وهي فترة ترتفع خلالها معدلات الطلب على الوقود، ما يوفر دعمًا إضافيًا للأسعار، ومع انتهاء الموسم يتوقع أن تبدأ أسواق النفط في الهدوء تدريجيًا، قبل أن يعود الطلب للارتفاع مرة أخرى خلال أكتوبر.
وأكد أن سوق النفط مرشح للدخول في مرحلة من الاستقرار النسبي خلال الفترة المقبلة إذا لم تشهد المنطقة تصعيدًا عسكريًا جديدًا، مشددًا على أن أي تطورات فعلية تمس الإمدادات أو حركة الملاحة في مضيق هرمز يمكن أن تعيد المخاوف سريعًا وتدفع الأسعار إلى موجة جديدة من الارتفاع.
قد يهمّك أيضًا: لماذا بقيت أسعار النفط دون 150 دولاراً رغم حرب إيران؟
